|
في
ولاية أتار براديش -أكبر ولاية في
الهند- تجري حاليًا الانتخابات
التشريعية الهندية التي ستمر عبر 3
مراحل زمنية في 14، و18، و21 فبراير.
وسيشترك في هذه الانتخابات 3 ولايات
غير ولاية أتار براديش، وهي: البنجاب،
وأتارانشال، ومانيبور. وهناك غموض
حول الفائز المحتمل في هذه
الانتخابات، خاصة في ولاية أتار
براديش التي سيكون لها أثر كبير في
تحديد السياسة الهندية على مدى
السنوات القادمة.
وتعتبر
ولاية أتار براديش هي أهم ولاية في
الهند؛ إذ يقطنها حوالي 170 مليون
نسمة، أي حوالي سدس سكان الهند. ومن
هؤلاء، يوجد حوالي 100 مليون ناخب.
وستكشف لنا نتائج الانتخابات في أتار
براديش حكم الشعب الهندي على سياسات
الحزب الحاكم "بهارتيا جاناتا"،
سواء في الولاية أو في المركز.
فالولاية وحدها تنتخب 80 برلمانيًا
للبرلمان الوطني من ضمن 545 عضوًا.
استنفاد
كل الطرق
وجميع
الأحزاب السياسية الكبرى –مثل: حزب
بهارتيا جاناتا، و"حزب المؤتمر"،
و"حزب سامايوادي" و"حزب
باهوجان ساماي" – بالإضافة إلى
الأحزاب الإقليمية الصغيرة، قامت
بتعبئة كبار قادتها في هذه المعركة
الانتخابية المشحونة. فالأحزاب
الكبيرة تستنفد كل الحيل لحشد
الأصوات، بل إن معظم الأحزاب وضعت في
قوائمها الانتخابية ألمع نجوم
السينما من الرجال والنساء؛ وحتى
شخصيات لها سجلات إجرامية؛ فنسبة
المجرمين من مرشحي كل حزب تتراوح بين
10 و20 في المائة!
ورغم
أن أحدا لا يستطيع حاليًا أن يتنبأ
بالحزب الفائز الذي سيشكل الحكومة
القادمة، فإن كل التوقعات تصب، في
النهاية، في الحزب الاشتراكي الذي
يتمتع بتأييد ملحوظ من قبل المسلمين
الهنود. فالجميع يتنبأ بأن هذا الحزب
سيحصل على أكبر عدد من مقاعد المجلس
التشريعي. ولكن هناك شك كبير في مقدرة
قائد هذا الحزب -وهو "مولايام سينغ
ياداف" وزير دفاع سابق- على قيادة
دفة الحكومة الجديدة.
المعركة
الحقيقية
المعركة
الحقيقية ستحدث بين الحزب الحاكم "بهارتيا
جاناتا" وأكبر الأحزاب المعارضة
الحزب الاشتراكي، الذي يعتبر من أكبر
الأحزاب العلمانية المتعصبة التي ما
زالت موجودة بالهند. وقد استطاع هذا
الحزب أن يفوز بـ136 مقعدًا في
الانتخابات السابقة. ولكن، تضاءلت
قوته بسبب التحولات الجذرية التي
أحدثها حزب بهارتيا جاناتا في
الدولة، الذي حكم بفارق 22 مقعدا فقط
(158 مقعدا) بينه وبين الحزب الاشتراكي.
وبالنسبة
لحزب بهارتيا جاناتا (حزب هندوسي
يميني)، فمرجّحات فوزه تعتمد على
تواجده في الحكم خلال السنوات الخمس
السابقة، بالإضافة إلى كونه الحزب
الحاكم في المركز في السنوات الثلاث
السابقة، وكونه الواجهة الأولى
للطبقات العليا وكبار التجار.
ورغم
ذلك، يعتبر حزب بهارتيا جاناتا من
أكثر الأحزاب المتأزمة في داخل
الحكومة، وتوجد ترجيحات قوية بنزول
بهارتيا جاناتا في هذه الانتخابات من
المركز الأول إلى الثاني، أو حتى
الثالث. وأهم
العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى ذلك هي:
1-
موضوع "معبد رام" الذي كان
يُستخدم دائمًا كورقة ترويج لحزب
بهارتيا، قلت أهميته وإثارته، بعد
هدم المسجد البابري. ومن الجدير
بالذكر، أن حزب بهارتيا جاناتا كان
يتغنى ببناء المعبد على أنقاض المسجد
البابري، إلا أن لهجته تغيرت بعد هدم
المسجد، وصار يفضل تسوية الموضوع من
خلال قرار المحكمة، أو من خلال
المفاوضات مع المسلمين.
2-
قرار محكمة القضاء العالي بالهند منع
الأحزاب من تقديم أية رشاوى لجذب
الطبقات الدنيا، نزل كالصاعقة على
حزب بهارتيا، الذي يعتمد أساسا على
سياسة "اصطياد" الأصوات، حيث
يحمل رئيس الوزراء قائمة طويلة من
المطالب من شرائح الشعب المختلفة،
ويقوم برشوتهم حسب احتياجاتهم، وحسب
وزنهم الانتخابي وهذا هو الأهم؛ ومن
ثم "شراء" أصواتهم.
وقد
حاول حزب بهارتيا جاناتا –من بعد هذا
القرار- أن ينفي عن نفسه صورة الحزب
المتواطئ مع الطبقات العليا؛ فسعى
هذه المرة إلى وضع أكثر من 160 مرشحًا
ينتمون إلى الطبقات الدنيا على
قائمته الانتخابية. ولكن، الرياح
جاءت على غير ما تشتهي السفن، فكانت
النتيجة أن تضايق الناخبون الأصليون،
الذين كانوا دائمًا يدلون بأصواتهم
للحزب.
3-
وجود صراعات ومشاجرات عنيفة بين
أعضاء الحزب والمرشحين المتمردين،
ومن أبرزهم كالايان سينغ، الذي طرده
رؤساؤه في الحزب، فأضمر في نفسه
الكثير من الأحقاد ضد الحزب، إلى حد
نسف أي احتمالات لنجاحه. وكالايان لا
يمثل الصداع الوحيد لحزب بهارتيا
جاناتا، فها هو أشوك ياداف الذي تم
إقصاؤه من مركزه الوزاري منذ شهور
قليلة، يضمر من الغل ما لا يقل عن
زميله كالايان. وهما يحاولان –مع
غيرهما من المتمردين- أن يضيعوا كل
فرصة يمكن أن تؤدي إلى فوز بهارتيا
جاناتا.
وفرص
حزب بهارتيا جاناتا للفوز تتعاظم إذا
ما استطاع الرئيس الحالي "راجناث
سينغ" أن يشكل حكومة ثانية في ولاية
أتار براديش، وهو ما سيؤدي بدون شك
إلى تدعيم الحكومة المركزية في
نيودلهي. وكذلك يمكن أن ترتفع الفرصة
إذا تنازلت الأحزاب المتآلفة مع
بهارتيا جاناتا عن عداوتها الشديدة
الظاهرة حاليًا. وهي تضمن الأحزاب
التالية: "ساماتا"، و"لوك دال"،
و"جاناشاكتي". ومن المعتقد أن
هذه الأحزاب ستتخلى غالبًا –ولو في
الوقت الراهن- عن عداوتها الصريحة
تجاه حزب بهارتيا جاناتا.
وفيما
عدا ذلك، سيكون من المتوقع أن يأتي
الحزب الاشتراكي المعارض إلى
المقدمة، ليشكل الحكومة القادمة مع
حزب المؤتمر. ومن هنا، ستكون الغلبة
للقوى العلمانية، بينما ستحل الهزيمة
على التيار اليميني الهندوسي المتمثل
في حزب بهارتيا جاناتا. ومن المعروف
أن حزب المؤتمر –وهو حزب المعارضة
الأساسي الذي رأس الحكومة لمدة 40 سنة
متواصلة منذ الاستقلال حتى عام 1997-
صار الآن يحتل المكانة الرابعة في
الحكومة. وهذا الأمر من شأنه أن يغير
الولاءات –كما هو متوقع- من حزب
بهارتيا جاناتا إلى ائتلافات أخرى.
أصوات
المسلمين
يشكل
المسلمون حوالي 20% من الشعب الهندي،
الأمر الذي يؤهلهم للعب دور خطير في
الانتخابات القادمة. فيكفي القول بأن
كل حزب سياسي- بدءًا من الحزب
الاشتراكي، إلى حزب المؤتمر إلى حزب
بهارتيا جاناتا وانتهاء بالأحزاب
الصغيرة –يبذل كل ما في وسعه لكسب
أصوات المسلمين.
ومن
نماذج الجذب التي تبعتها الأحزاب
المختلفة، نجد حزب المؤتمر يرشح
حوالي 79 مرشحًا مسلمًا، بينما يرشح
"حزب باهوجان ساماي" 84 مرشحًا
مسلمًا. هذا بالإضافة إلى المرشحين
المسلمين المستقلين الذين يتنافسون
أيضًا فيما بينهم لكسب أصوات
المسلمين. ويتفاوت ثقل المسلمين من
دائرة إلى أخرى، حيث توجد مائة دائرة
انتخابية يشكل فيها الناخبون
المسلمون من 20 إلى 25%. وتوجد 58 دائرة
انتخابية يشكل الناخبون المسلمون
فيها أكثر من 25%، كما توجد 11 دائرة
انتخابية يمثل فيها الناخبون
المسلمون أكثر من 50 في المائة.
وقد
عزف المسلمون عن تأييد حزب المؤتمر
منذ احتراق المسجد البابري فـي
ديسمبر 1992، حيث حدثت تلك الكارثة في
ظل تواجد حزب المؤتمر في السلطة.
ويعتبر الحزب الاشتراكي هو طوق
النجاة للمجتمع المسلم الهندي، خاصة
بعد احتراق المسجد البابري. ولكن،
للأسف، هذا الحزب لم يعط تمثيلاً
كبيراً للمسلمين، بعكس الأحزاب
المعارضة الأخرى (المؤتمر، وباهوجان
ساماي).
ويقف
المسلمون في النهاية حائرين منقسمين،
ويزيد من ضعفهم أن المسلمين في ولاية
أتار براديش يعتبرون من أفقر الفئات
وأكثرها بؤسًا، ويستشري فيهم الجهل؛
ولذا يصعب عليهم الاختيار، ويصيرون
عرضة لشراء الأصوات مقابل احتياجاتهم
الأولية.
كما
غذّت عوامل أخرى من مشاعر فقدان الثقة
والأمان،
مثل شبح الحرب الهندية- الباكستانية،
والخوف من الالتصاق بتهمة الإرهاب،
وما قامت به الحكومة الهندية تجاه
حركة الطلاب المسلمين في الهند؛ حيث
تم حظرها، الأمر الذي انعكس لدى
المسلمين بأنه محاولة لاعتقال الشباب
المسلم، وإلصاق الجرائم به. وما دعم
هذا الشعور أيضًا، إصدار قانون "ضد
الإرهاب" (POTO) الذي ينظر إليه
كإهانة واضحة ومباشرة للمسلمين
ومؤسساتهم. أما الإجراء الأخير، فكان
من نصيب المدارس الدينية التي تم
أيضًا حظرها، الأمر الذي انعكس لدى
المسلمين بأنها مؤامرة مدبرة لمنع
الأطفال المسلمين من الدراسة، حتى
يزداد المسلمون الهنود جهلاً.
بين
"المؤتمر" و"الاشتراكي"
من
اللافت أن المسلمين الذين كانوا –خلال
العقد الأخير- يحبذون الحزب
الاشتراكي، قد تحولوا عنه الآن؛ فلا
يندفعون إليه بدون تفكير كما كانوا
يفعلون من قبل، فقد تولدت لديهم
القناعة بأن المرشح المفضل هو الذي
لديه فرصة –ولو صغيرة- لإلحاق
الهزيمة بحزب بهارتيا جاناتا. ومن ثم،
لم يعد يهمهم ما إذا كان المرشح
مسلمًا أو غير مسلم، من داخل مجتمعهم
أو من خارجه. وقد قدم كل من حزب
المؤتمر والحزب الاشتراكي وعودًا
سخية للمسلمين، طمعًا في أصواتهم.
فالحزب
الاشتراكي يعلن في بيانه الرسمي عن
برنامج عملي –مكون من 7 نقاط- لصالح
الأقليات، منها مثلاً سحب كل القضايا
ذات الطبيعة السياسية المرفوعة ضد
المسلمين؛ وضمان أماكن خاصة
بالمسلمين، سواء في المؤسسات
التعليمية أو في الخدمات الحكومية.
هذا بالإضافة إلى إقامة مركز عالمي
للغة الأردية، وإقامة المدارس الخاصة
بالأقليات، وأخيرًا إقامة وزارة
لتنمية الأقليات.
وفي
المقابل يعد حزب المؤتمر المسلمين
بتوفير التمثيل المناسب لهم في
الشرطة الإقليمية المعروفة
باتجاهاتها العنيفة ضد المسلمين،
وكذلك بجعل اللغة الأردية هي اللغة
الرسمية الثانية في الولاية. كما أكد
حزب المؤتمر أنه بمجرد وصوله إلى
السلطة، سوف يجتهد في إلغاء القانون
الديني الذي يحظر على المسلمين بناء
أية مساجد أو مدارس جديدة. وأخيرًا،
تعهد حزب المؤتمر بالتأكيد على
التزامه بحكم المحكمة الخاص بموضوع
مسجد البابري.
وفي
الوجه المعاكس، يقوم الهندوس بتجاهل
ذلك الحكم في سبيل بناء "معبد رام"
مكان المسجد.
وأخيرًا..
لن
يحصل حزب بهارتيا جاناتا على أصوات
كثيرة للمسلمين، كما حدث في
الانتخابات السابقة. والمرجح أن يتجه
كثير من أصوات المسلمين لـ"حزب
باهوجان ساماي" المعارض الذي خصص
أكبر عدد ممكن من المقاعد للمسلمين.
وفي هذا السيناريو، سيكون حزب
بهارتيا جاناتا الأقل حظًا من بين
الأحزاب. صحيح، أنه يكافح من أجل
إبقاء الحد الأدنى من أسهمه في الوقت
الحاضر، إلا أن الواقع يفترض عكس ذلك،
بمعنى أن حزب بهارتيا جاناتا يمكن أن
يزاح كلية من غربي ولاية أتار براديش.
اقرأ
أيضاً:
|