 |
|
فتح تصدرت عمليات المقاومة في يناير 2002 |
على
الرغم من أن دولة الاحتلال الصهيوني
ما فتئت تبتدع كل أساليب القمع للقضاء
على الانتفاضة الفلسطينية منذ
اندلاعها، فإن شهر كانون ثاني/ يناير
2002م مثَّل تحولاً ليس فقط في العمليات
الميدانية ضد الشعب الفلسطيني وقواه
المقاومة، بل أيضًا في طبيعة الأهداف
السياسية التي وُظِّفت هذه العمليات
من أجل تحقيقها.
وتكفي
الإشارة إلى أن هذا الشهر قد سجَّل
واحدة من أبرز السوابق في العمليات
الميداينة التي أقدمت عليها قوات
الاحتلال، عندما قامت الجرافات
الإسرائيلية في 7-1 بتدمير حي بأكمله
في مدينة "رفح"، وقامت القوات
الإسرائيلية في 21-1 بإعادة احتلال
مدينة فلسطينية كبيرة من مدن الضفة
الغربية، وهي "طولكرم". صحيح أن
قوات الاحتلال قد غادرت المدينة بعد
أقل من يومين على السيطرة عليها، إلا
أن هذا الحدث مثَّل تطورًا بالغ
الخطورة، لدرجة دفعت الوزير
الإسرائيلي الحاخام "نسيم دهان"
القيادي في حركة "شاس"
الأرثوذكسية للقول: "لقد كنت من
أبرز المنتقدين لسياسة شارون
الأمنية، لكن بعد إعادة احتلال
طولكرم، يخيل إليّ أنه لم يتبق لنا
إلا أن نقذف بالفلسطينيين خارج حدود
الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذا
حاليًا غير منطقي".
اللافت
للنظر أن شارون كان في مطلع هذا الشهر
في مأزق حقيقي، فقد كان الهدوء سائدًا
في المنطقة بشكل واضح، ولدرجة دفعت
إلى السطح الخلافات بينه وبين وزير
دفاعه بن أليعازر الزعيم الجديد لحزب
العمل، لكن شارون استغلّ تفجر قضية
سفينة السلاح "كارين إيه"، ونجح
في إقناع الأمريكيين والأوروبيين بأن
عرفات يتجه نحو تصعيد العنف، في الوقت
نفسه أظهرت الدول العربية لامبالاة
جلية في التعامل مع ما مثلته إجراءات
شارون من تحد للفلسطينيين. وهكذا وجد
شارون فرصة مناسبة لكي يتحرر من أي
إطار سياسي يقيده في المواجهة
السياسية مع السلطة، فلم يَعُد يطالب
بمرور سبعة أيام هدوء قبل استئناف
المفاوضات، كما كان يطالب من قبل، بل
إنه عاد للقيام بخطوات عسكرية
ميدانية هدفها خلط الأوراق في الجانب
الفلسطيني، والتسريع بإيجاد قيادة
فلسطينية بديلة تكون مستعدة للتعاطي
السياسي معه.
أهداف
مبلورة
ما
يميز هذا الشهر أنه قد تم فيه تحديد
طبيعة الأهداف الأمنية والسياسية من
الجهد الميداني الإسرائيلي في مواجهة
الانتفاضة. ففي جلسة مغلقة لهيئة
أركان جيش الاحتلال التي عقدت في تل
أبيب (14-1-2002م) نوَّه رئيس هيئة الأركان
الجنرال شاؤول موفاز إلى أن إسرائيل
تهدف من خلال العمليات التي قامت بها
وتنوي القيام بها إلى تحقيق ثلاثة
أهداف محددة:
1
- العقاب، بحيث يعي الجمهور
الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع
غزة أنه سيناله العقاب في حال سمح
للمنظمات الفلسطينية بمواصلة
عملياتها ضد العمق الإسرائيلي.
ويتمثل عنصر العقاب في المس بالمباشر
بالسكان، عبر تدمير البيوت، وقصف
المؤسسات التي تقدم الخدمات للسكان،
فضلاً عن تشديد الحصار المفروض على
المدن، وشل الحركة على طرق الأراضي
الفلسطينية، بما يتضمنه ذلك من تدهور
الأوضاع الاقتصادية عبر سد الطريق
للعمل.
2
- الإحباط: وذلك عبر اثنتين من
أهم الوسائل التي استخدمتهما أجهزة
الاحتلال الأمنية، وهما التصفيات
والاختطاف.
فقد
واصلت إسرائيل عمليات التصفيات، حيث
استهدفت بشكل خاص قيادات الجهاز
العسكري لحركة حماس في كل من نابلس
وخان يونس، ففي الثاني والعشرين من
هذا الشهر قامت قوات الاحتلال بتصفية
أربعة من قيادات الجهاز العسكري
لحماس في شمال الضفة الغربية، من
بينهم الشيخ "يوسف السركجي" قائد
الجهاز العسكري لحماس في الضفة
الغربية. وفي اليوم نفسه قام جيش
الاحتلال بتصفية قائد الجهاز العسكري
لحماس في جنوب قطاع غزة "بكر حمدان"،
وقبل ذلك تمت تصفية "رائد الكرمي"
قائد الجهاز العسكري لفتح في طولكرم.
3
- التدمير التدريجي للسلطة
الفلسطينية، وذلك عبر إعادة
احتلال مناطق نفوذ السلطة، وتشديد
الحصار على رئيسها، لكن وسائل
الإعلام الإسرائيلية نقلت عن أن
التدمير التدريجي للسلطة الفلسطينية
ليس هدفًا بحد ذاته، بقدر ما هو وسيلة
للتمهيد لبروز قيادة فلسطينية بديلة.
وحسب منطق موفاز فإن عمليات إعادة
الاحتلال ووضع عرفات في ظروف أشبه
بالإقامة الجبرية يهدفان إلى تدمير
مكانة عرفات؛ إذ إن إسرائيل تعي
تمامًا أنه لن يخرج من صفوف منظمة
التحرير الفلسطينية وفصائلها من
يتمتع بما يتمتع به عرفات من شرعية
نضالية لدى الشعب الفلسطيني، ومن هنا
فبدلاً من دفع أحد لمكانة عرفات لكي
يحل مكانه، يفضل العمل على الحط من
مكانة عرفات، حتى لا يمثل شيئًا
بالنسبة للفلسطينيين، الأمر الذي
يسهِّل نقل قيادة السلطة لغيره دون أن
يترك ذلك تغييرًا كبيرًا.
مظاهر
الاستفزاز
شهد
يناير 2002م قيام دولة الاحتلال بعدد من
الممارسات الاستفزازية. فقد أكدت
منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية "بيتسيلم"
(15-1-2002م) أن المستوطنين أقاموا على
الأقل خمس عشرة نقطة استيطانية جديدة
في أرجاء الضفة الغربية تحت حماية
الجيش ومباركة الحكومة. مع أن شارون
رفض في السابق مطالب المستوطنين
لإقامة نقاط استيطانية، بحجة عدم
الرغبة في إغضاب الأمريكيين
والأوروبيين، وعلى الرغم من حرص "بيتسيلم"
على تسليم هذه المعطيات للسفارة
الأمريكية في تل أبيب فإن المسؤولين
الأمريكيين تجاهلوا طرح هذه القضية
في لقاءاتهم المتعددة مع المسؤولين
الإسرائيليين، وهذا يدل على أن شارون
يشعر بأن الظروف مواتية لإطلاق
العنان للاستيطان في الضفة الغربية.
كما
شهد شهر يناير تطورًا خطيرًا وهامًّا
في السابع عشر منه، عندما أبلغ رئيس
الاستخبارات الإسرائيلية العامة "الشاباك"
لجنة فرعية من "لجنة الخارجية
والأمن" التابعة للبرلمان
الإسرائيلي أن "الشاباك" لم يعاد
يعارض زيارة اليهود لباحات المسجد
الأقصى، مع أن موقف "الشاباك"
الرافض لزيارات اليهود للأقصى كان في
السابق من أهم الاعتبارات التي حالت
دون السماح بهذا الإجراء الاستفزازي،
وهو ما يمهّد لمزيد من التوتر.
الطيران
يقوم بعمليات برية
إن
كان قد قيل الكثير عن طبيعة الوحدات
الخاصة في جيش الاحتلال، التي
استخدمت في قمع الانتفاضة، فإنه قد
تبين بسرعة أن جيش الاحتلال يواصل
توظيف كل ما لديه من وحدات خاصة
للقيام بهذه المهمة، حتى لو كانت هذه
الوحدات غير معدة للقيام بهذا النوع
من الأنشطة أصلاً. وإذا كان شهر
نوفمبر من العام الماضي قد شهد قيام
الوحدة الخاصة في سلاح البحرية
الإسرائيلية "الكوماندو البحرية،
أو الوحدة رقم 13" بعمليات ميدانية
برية، فإن شهر يناير شهد لأول مرة جلب
عناصر الوحدة الخاصة لسلاح الجو
الإسرائيلي للقيام بعمليات
المداهمة، والاختطاف، والتصفية في
عمق مناطق السلطة الفلسطينية. وقد حدث
هذا عندما قام جيش الاحتلال بالتوغل
في مدينة نابلس (22-1-2002م)؛ لتصفية
قيادات الجهاز العسكري لحماس في
المدينة، فقد تبيّن أنه في هذه
العملية استعان الجيش بعناصر من ستة
وحدات خاصة، وكان من المفاجئ -حتى
للمعلقين العسكريين في إسرائيل- أن
تشارك الوحدة الخاصة في سلاح الجو
الإسرائيلي في هذه العملية، وذلك في
أول عمل ميداني بري منذ اندلاع
الانتفاضة!.
في
يناير أيضًا كرست إسرائيل مزيدًا من
الجهد لتكثيف العمل الاستخباري في
مناطق السلطة الفلسطينية؛ إذ كشف
النقاب عن أنه تم تحويل مخصصات مالية
ضخمة نسبيًّا للوحدة رقم "812"
التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية
الإسرائيلية، المسؤولة بشكل مباشر عن
عمليات التجسس الإلكتروني على أهداف
كثيرة في مناطق السلطة الفلسطينية.
تميز
فلسطيني مقابل
مثَّل
شهر يناير نقطة تحول كبيرة في الفعل
المقاوم الفلسطيني بشكل ملحوظ، وفي
بعض المجالات كان غير مسبوق. وتكفي
هنا الإشارة إلى ما يلي:
1
- إجهاض منظمات المقاومة الفلسطينية
تفاهم وقف إطلاق النار الذي شدّد عليه
الرئيس عرفات. ولعل هناك من يؤكد أن
هذا قد تم بمباركة السلطة الفلسطينية
نفسها؛ إذ إن حركة "فتح" -حزب
السلطة- هي التي بادرت إلى القيام
بسلسلة من العمليات الاستشهادية داخل
الخط الأخضر (الفاصل بين الضفة وغزة
وبين إسرائيل) وبشكل منفرد. في الوقت
التي حافظت فيه كل من حماس والجهاد
الإسلامي على حضور متواضع في عمل
المقاومة في مطلع هذا الشهر،
باستثناء عملية واحدة لحماس على
الحدود بين قطاع غزة وإسرائيل.
"فتح"
اختارت أن تنفذ عملياتها داخل الخط
الأخضر، وهذه كانت بمثابة دعوة غير
مباشرة لبقية التنظيمات الفلسطينية
للقيام بعمليات مماثلة، وهذا ما حدث
بالفعل، وإن كانت "فتح" قد
استأثرت بمعظم العمليات الاستشهادية
وبعمليات نصب الكمائن المسلحة خلال
يناير، بشكل ألغى فعليًّا الفوارق
التي كانت تضعها إسرائيل بين "فتح"
وتنظيمات المقاومة الإسلامية، كما
توّج ذلك تبني فتح والجهاد الإسلامي
عمليات مشتركة.
2
- في مقابل ذلك، مثَّل شهر يناير
تحولاً في طابع التهديدات التي
مثلتها المقاومة الفلسطينية
لإسرائيل، فقد كان نجاح الجناح
العسكري لحماس بتطوير الصاروخ "القسَّام
- 2"، يمثل انقلابًا خطيرًا في العمل
الميداني الفلسطيني. وما أثار قلق
إسرائيل البالغ بشكل خاص هو نجاح "حماس"
في نقل هذه الصواريخ من قطاع غزة إلى
الضفة الغربية، وإجراء تدريبات على
إطلاقها في محيط مدينة "نابلس"
شمال الضفة الغربية.
حصول
حماس على مثل هذه الصواريخ التي يصل
مداها إلى عشرة كيلو مترات، يعني أن
جميع المدن الإسرائيلية المتاخمة
للخط الأخضر ستكون في مرمى نيران هذه
الصواريخ. وهذا ما حدا بحكومة شارون
أن تطلب من إدارة بوش نقل تحذيرات
بالغة الشدة للسلطة الفلسطينية تؤكد
فيها أن استخدام مثل هذه الصواريخ من
قبل حماس يعني في الحقيقة "تجاوز كل
الخطوط الحمراء"، الأمر الذي
يستدعى بالضرورة أن تقوم إسرائيل
بعمليات ميدانية لم يسبق أن أقدمت
عليها من قبل.
3
- من أبرز ملامح تحول المقاومة التي
شهدها يناير 2002م كان ظهور أول
استشهادية فلسطينية، ففي السابع
والعشرين من هذا الشهر قامت وفاء
إدريس (27 عامًا) -وهي شابة فلسطينية من
مخيم "الأمعري" بقضاء "رام
الله"- بأول عملية استشهادية عندما
فجَّرت عبوة ناسفة كانت تمسك بها في
شارع "يافا" في القدس الغربية،
الأمر الذي أدى إلى مقتل إسرائيلي
وجرح مائة وخمسين آخر.
4
- نجح الفلسطينيون مرة أخرى في اختراق
جهاز الاستخبارات الإسرائيلية
العامة، عندما نجحت "فتح" في
إقناع أحد عملاء الاستخبارات
الإسرائيلية، ويدعى "مراد أبو
العسل" (21 عامًا) من بلدة "عنبتا"
بقضاء طولكرم باستدراج اثنين من
عناصر الاستخبارات الإسرائيلية
لكمين (30-1-2002)، وقام بمحاولة لتفجير
السيارة التي كانت تقله معهما،
فاستشهد، وأصيبا بجراح. وتُعَدّ هذه
العملية ضربة نوعية للاستخبارات
الإسرائيلية.
اقرأ
أيضاً:
* باحث في الشئون
الإسرائيلية.
|