بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

بقية العالم الإسلامي

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


الأمريكان دمروا قرى بأكملها لأنها ساعدت العرب!

الأفغان والأفغان العرب.. الحقيقة الغائبة 

06/01/2001م

أفغانستان- د. مصباح الله عبد الباقي

الأمريكان دمروا كل مكان اشتبهوا بوجود عرب به

سافر مراسل (إسلام أون لاين) د. مصباح عبد الباقي في جولة ميدانية إلى القرى الحدودية في أفغانستان للاطلاع على حقيقة الأوضاع هناك والعلاقة بين العرب الأفغان والمواطنين الأفغان في أعقاب المعلومات التي زرعها الإعلام الغربي حول كراهية الأفغان للعرب، واطلع على حقيقة الصورة الأفغانية التي يدرك عمقها بحكم خبرته في هذا المجال وتأليفه كتابا حول حركة طالبان، وفيما يلي تفاصيل التقرير الخاص الذي بعث به إلينا من أفغانستان:

تعامل الإعلام العربي مع مشكلة الأفغان العرب بعد انهيار طالبان والهجوم الأمريكي المركز على بعض مناطق تمركز العرب مثل منطقة "توره بوره" بشكل أثار كراهيتهم بين الشعوب المسلمة. والصورة التي كانت تقدم وما زالت تقدم ليست صحيحة، بل إلى حد كبير تخالف الواقع، والسبب في ذلك أن وسائل الإعلام تتعامل في الغالب مع الجهات الرسمية، وتتعامل مع المعلومات التي تريد الجهات المعنية نشرها لأهداف معينة، ومن هنا يصعب عليها الوصول إلى الحقائق. فقد حاولت أمريكا وحلفاؤها إحداث شرخ بين الشعوب الإسلامية، وخاصة بين الشعب الأفغاني والشعوب العربية، وذلك ليتم إخلاء الساحة الأفغانية في مجال الإعلام والإغاثة للجهات الغربية بعد تخلي الشارع العربي عنها بسبب المعلومات المضللة.

وكانت المعلومات الصحيحة تُحجب من بداية الأزمة وما زالت تُحجب من قِبل الأمريكان عمدا، كما كانت تُحجب من قبل بعض الأفغان لئلا يتأذى بسببها بعض الناس. ومع ذلك لا بد من طرح المسألة لتوضيح الصورة.

تابع في هذا المقال:

العرب المتواجدون في أفغانستان

كان العرب الموجودون في أفغانستان وقت الهجوم الأمريكي على أفغانستان يتراوح عددهم- حسب التخمينات المختلفة- من ستة إلى عشرة آلاف شخص، وكانوا ينقسمون إلى ثلاث مجموعات:

المجموعة الأولى: جاءت إلى أفغانستان من مختلف أنحاء العالم للمشاركة في الجهاد ضد السوفيت، كل حسب تخصصه؛ من الإعلام والإغاثة والقتال وغيرها. وبعد سقوط الحكومة الشيوعية سنة 1992م اعتزلوا الفتنة التي اندلعت بين الفئات الأفغانية المتحاربة، لكنهم لم يجدوا بلدا يؤويهم، وكانت بلادهم الأصلية تلاحقهم لمجرد الظن، فآثروا البقاء في أفغانستان؛ لأنهم لم يكونوا يحملون الأوراق الرسمية ليسافروا بها إلى بلاد أخرى، وكان بعضهم يعمل في مجال الإغاثة والتعليم، وتصل نسبة هؤلاء حسب بعض التخمينات إلى حوالي 20%-25% وكان أغلبهم من الجزائر وتونس والمغرب وليبيا وغيرها، ومن هؤلاء ألف شخص أخذوا الجنسية الأفغانية في عهد الرئيس الأفغاني السابق برهان الدين رباني؛ فهؤلاء لم يكن لهم ذنب سوى البقاء في أفغانستان.

المجموعة الثانية: وفدت على أفغانستان من الدول العربية، وخاصة من الجزيرة العربية، ومن أمريكا أوروبا، وكانوا يريدون أن يعيشوا فيها تحت ظل حكومة طالبان، التي اعتبروا أنها الحكومة الإسلامية الوحيدة على وجه الأرض، بعيدين عن تأثيرات الحضارة الغربية. وقد وصل أغلب هؤلاء في أواخر أيام طالبان عن طريق إيران، وكانت نسبتهم تقدر بحوالي 10%-15% من مجموع العرب المتواجدين في أفغانستان، وأغلب هؤلاء لا علاقة لهم بالقتال.

المجموعة الثالثة: وهذه شكّلها المقاتلون العرب الذين انخرطوا في صفوف طالبان، وكان معهم شباب من مختلف دول العالم في آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا وغيرها، وكانت نسبتهم تقدر بحوالي 50%-60% من مجموع العرب المتواجدين في الساحة الأفغانية، وكان من بين هؤلاء أفراد تنظيم القاعدة، ولم يكن جميعهم أفرادا في التنظيم المذكور.

والواضح أن الأمريكان تعاملوا مع هذه المجموعات المختلفة كأعضاء في تنظيم القاعدة، ناهيك عن أنهم أخذوا أعضاء تنظيم القاعدة بالظن، ولم يقدموا ما يثبت تورطهم في أحداث نيويورك وواشنطن يوم 11/سبتمبر، وكان تعامل الأمريكان معهم تعاملا وحشيا، حتى إنهم أفشلوا المحادثات التي كانت تُجرى لتسليم المقاتلين العرب أنفسهم لشورى ننجرهار، فلم يوقفوا القصف الجوي، بل صرّحوا لبعض القادة الميدانيين مثل محمد زمان غمشريك (12/12/2001م) بأنهم يريدونهم قتلى فقط!

ويقول شهود العيان: إن القاذفات الأمريكية التي تترك وراءها سحابة من الدخان جاءت في ذلك اليوم، ورسمت في الهواء بدخانها رقم (8)؛ استهزاء بالموعد الذي كان قد حدد للمحادثات، ثم بدأت بقصف المنطقة بأعنف ما يمكن.

مكانة العرب في نفوس الأفغان

الأفغان يحبون العرب، ويعتبرون كل عربي من أحسن الناس إسلاما، ويعتبر "عربي" كلمة سر عند الأفغان تفتح بها قلوبهم، ويرى الأفغان أن الإيمان الكامل لا يوجد إلا في جنس الأفغان والعرب، (كما قال جمال الدين الأفغاني في كتابه تتمة البيان في تاريخ الأفغان ص: 153)، وهذا الحب يعم جميع العرب بغض النظر عن انتماءاتهم.

ويقول الأستاذ فهمي هويدي في إحدى كتاباته القديمة التي كتبها قبل نحو ربع قرن في بداية الانقلاب الشيوعي (حدث في أفغانستان ص:81): "ولن يستغرق الأمر معك وقتا طويلا إذا كنت من عربستان (الاسم الذي يطلقه الأفغان على السعودية خاصة)، وعندئذ تتحول من ضيف ثقيل إلى صاحب بيت، وستطوى في لحظة زمن آلاف الأميال، وتقفز فوق كل الحدود والحواجز، وترتفع فوق أشجار الأنساب والأعراق والأجناس وتنفتح عيناك على الحقيقة.

وإذا ثبت أنك من عربستان فعلا… وحبذا لو كنت تحفظ بعض آيات القرآن الكريم، فعندئذ.. تتحول الشقوق الغائرة في الوجوه إلى بسمات تتراقص من الابتسام والفرحة، وتنبسط لك الأيدي وتتفتح الأذرع…".

وقد تغيرت هذه النظرة قليلا بعد مخالطة الأفغان بالعرب في العمل، وخاصة عندما اشتغل بعضهم مع العرب في بعض الهيئات الخيرية التي جعلها بعض العرب وسيلة لكسب المال، بدل أن تكون مصدرا للخدمة، واستغلوا فيها ظروف الأفغان المعيشية السيئة بأسوأ صورة ممكنة، وتعاملوا معهم بما أهدر كرامتهم من الإهانة والفصل عن العمل لأتفه الأسباب، والفرق الهائل بين الرواتب؛ حيث إن حملة الدكتوراه من الأفغان لا يتقاضون عُشر ما يتقاضاه حملة الثانوية أو البكالوريوس من العرب، مع علو المستوى العلمي للأفغان باعتراف العرب.

ولما قارنوا تعامل المؤسسات الغربية مع موظفيها من الأفغان بتعامل بعض المؤسسات العربية مع موظفيها من الأفغان وجدوا الفارق المؤلم؛ فإن المؤسسات الغربية مع كفرها ونشرها للنصرانية والأخلاق الغربية تحافظ على كرامة موظفيها، ولا تستغل ظروفهم، وتعطيهم الكفاف من الراتب، أما المؤسسات العربية- أو بالأحرى بعض المسؤولين في المؤسسات العربية- فيستغلون ظروف الأفغان أسوأ استغلال، واللوائح الموجودة تنص على واجبات الموظف غير العربي ولا تعطيه الحقوق، وما وضع فيها من الحقوق فلا يحق لأفغاني أن يطالب به؛ لأن مدير المؤسسة هو الخصم والحكم.

كيف تغيرت البيئة؟

كيف تغير الوضع في الحوادث الأخيرة بالنسبة للعرب؟ وما أسباب ذلك؟ وكيف وجدت أمريكا من الأفغان من يساعدها ضد إخوانهم من العرب؟

نريد هنا أن نشير إلى أن الشعوب كلها فيها الصالح والطالح، ولا يمكن أن يكون الشعب كله على قلب رجل واحد، ولا يستثنى من هذه القاعدة الشعب الأفغاني ففيه المفسد والمتغرب والعميل والمتهور، لكن لا يصح أن يحمل الشعب كله وزر هؤلاء، وأن يعتبر الشعب مجرما بإجرام مجموعة من المفسدين، ومع ذلك نريد أن نشير هنا إلى بعض الخلفيات التي أدت إلى الوضع الحالي:

1- نزع السلاح من قبل حركة طالبان:

نزعت حركة طالبان الأسلحة من الناس جميعا وخاصة في المناطق الشرقية والجنوبية الغربية، وتركت الشعب لا يملك من السلاح ما يرد به العدوان عن نفسه، إلى جانب ذلك قضت حركة طالبان على جميع المجموعات الجهادية، ولما انهزمت طالبان من المنطقة لم تترك شيئا من الأسلحة لأحد، وقد سُلّمت هذه الولايات الحدودية مع باكستان لمجموعات موالية لأمريكا، ورفضت تسليمها لمن يتوسم فيه الخير بحجة أن باكستان لا ترضى بهذا، وبذلك تهيأت الظروف لقيام المجموعات المسيطرة على المنطقة بمساعدة أمريكا.

2- اغتيال الشخصيات الجهادية في عهد طالبان:

تم اغتيال مجموعة من الشخصيات الجهادية المتدينة والقيادية في مناطقهم أثناء فترة حكم طالبان، منهم المهندس محمود، والقائد سازنور، والقائد فضل حق مجاهد من ننجرهار، والمهندس فيض محمد من ولاية بكتيا، وعارف خان من قندز. والبعض الآخر تعرض لمحاولات الاغتيال مثل القائد سركاتب من ولاية قندهار، واتهمت حركة طالبان باغتيال بعضهم، وهذا العمل هيأ الظروف لتسلق النفعيين من الشخصيات إلى تقلد الأمور في هذه المناطق، وخاصة بعد انهيار حركة طالبان، وهؤلاء لا يهمهم إلا مصالحهم الشخصية.

3- التسليح الباكستاني والأمريكي العاجل:

لما انسحبت قوات طالبان من المناطق الحدودية مع باكستان لم تبق من المجموعات المسلحة في المنطقة إلا ما تم تسليحها من قبل الحكومة الباكستانية والأمريكان وتحالف الشمال، وهذه المجموعات تابعة لهذه القوات وتقوم بما تأمرها به. ومن هذه المجموعات في الولايات الشرقية المجموعة التي قامت بمساعدة الأمريكان في "توره بوره" في العمليات ضد المجاهدين العرب: محمد زمان الذي كانت له علاقات وطيدة بالجهات الخارجية، وحضرت علي الذي تم تسليحه من قبل التحالف الشمالي، وهذه القوى تنفذ المشروع الأجنبي مقابل الأموال والوعود الأخرى التي تتعلق بمستقبلها.

4- الاشتراك في الفتنة:

إلى جانب ذلك، وقع العرب المتواجدون في أفغانستان في بعض الأخطاء، ومع أن هذه الأخطاء لا تبرر إطلاقا الأعمال البشعة التي قامت بها الجبهة المتحدة أو التحالف الشمالي، لكنها اتخذت ذريعة لمساعدة الأمريكان.

من هذه الأخطاء المشاركة الفعالة في الحرب الدائرة بين طالبان ومخالفيهم ، وكان العرب وأنصار طالبان من الخارج في فترة من الزمن هم المدافعين عن الخطوط الأمامية للجبهة ضد التحالف الشمالي في شمال كابول، وكذلك كانوا يدافعون عن الخطوط الأمامية في جبهة ولاية تخار وقندز.

وكان دور العلماء الباكستانيين في ذلك أسوأ من هذا، فإنهم- مع مشاركة أفراد جمعية علماء الإسلام (الديوبنديين) في القتال ضد التحالف الشمالي، ومشاركتهم في أعمال النهب والسلب والإساءة إلى النساء في شمال كابول (كما أشيع في وقته)- كانوا يفتون بوجوب الجهاد ضد تحالف الشمال، مع أنهم كانوا ساكتين عن تأييد الجهاد أثناء وجود القوات السوفيتية في أفغانستان؛ لأن القيادة في ذاك الوقت كانت بيد من كان ينتمي إلى الفكر الحركي، ولما تولى القيادة المولوية (المشايخ) تحركوا ونشطوا في الفتوى بوجوب الجهاد ضد من يعارضهم، وتحركوا للمشاركة الفعلية في القتال ضدهم، وكان الأولى لهم أن يؤدوا دور المصلحين بين طائفتين من المسلمين اقتتلتا.

وأخيرا قام اثنان من العرب باغتيال أحمد شاه مسعود قبيل حوادث 11/سبتمبر، واغتيال مسعود كان السبب الحقيقي في موقف التحالف الشمالي العنيف تجاه العرب والباكستانيين، وكان هذا من أسباب وقوف التحالف بجانب أمريكا ضد العرب المسلمين، دون أن يراعوا المصالح والمفاسد من الناحية الشرعية، واستجابوا فيه لمقتضى مشاعرهم بدل استجابتهم لمقتضى الشرع والعقل.

بذلك تهيأت الظروف والأسباب للقيام بمساعدة القوات الأمريكية في مختلف المناطق الأفغانية، وخاصة في المناطق ذات الأغلبية البشتونية.

5- إستراتيجية الأمريكان:

إلى جانب ذلك اختارت أمريكا إستراتيجية لمنع عامة الناس عن المساعدة العلنية لقوات طالبان وللعرب والباكستانيين المحاصرين في بعض المناطق، وهذه الإستراتيجية تتلخص في النقاط التالية:

أ- نشر العيون والجواسيس:

بحثت أمريكا بعد حوادث 11/ سبتمبر -عندما قررت ضرب أفغانستان- عن الموالين لها من الأفغان، وخاصة ممن كانت تربطهم بها علاقات استخباراتية خاصة، وندبتهم للعودة إلى أفغانستان، ووزعت عن طريقهم تليفونات (ستلايت) في أغلب المناطق، وخاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة حركة طالبان لتصلهم معلومات دقيقة عن كل منطقة، وهؤلاء العملاء قاموا بإعطاء معلومات دقيقة عن وجود العرب مقابل الدولارات الأمريكية.

ب-التدمير الشامل:

كان الأمريكان أكثر خلق الله قسوة في القلوب تجاه العرب الأفغان؛ فكلما وصلتهم معلومات- صحيحة أو خاطئة- عن تواجد عرب في منطقة، دمروها وأبادوا أهلها من غير أن يتحققوا في صحة المعلومات، ومن هنا دُمرت قرى بأكملها، وأُبيدت مناطق سكنية في قندهار، وبجير وآكام، والقرى المحيطة بهما في ننجرهار، وقرية أسمايي، وقرية جلال الدين حقاني في خوست، وبكتيا وغيرها مما لا حصر لها.

واستخدم الأمريكان في هذا القصف قنابل تزن الواحدة منها من ثمانية إلى تسعة آلاف كجم، كانت تهز البيوت على بعد أربعين إلى خمسين كيلومترا.

كما دمر الأمريكان البيوت في وسط المناطق السكنية داخل المدن الكبيرة مثل كابول وقندهار لمجرد وصول معلومات خاطئة لهم، ولم تكن تهمهم صحة المعلومات أو خطؤها، ولا موت الناس ولا حياتهم، وكانوا يريدون بذلك استعراض القوة وتخويف الأفغان ألا يحدّث أحدهم نفسه بمساعدة أعداء الأمريكان.

ج- الحرب النفسية والإعلامية:

كذلك قام الأمريكيون إلى جانب ذلك بالحرب النفسية والإعلامية عن طريق الإغراء والتخويف لمن يقوم بمساعدة الإرهابيين في زعمهم، فقد نشروا المنشورات الصغيرة التي كانت تحمل في طياتها الإغراء والتخويف معا: الإغراء بالمال لمن يقوم بمساعدة الأمريكان في البحث عن أماكن اختفاء من وصفوهم بالإرهابيين حيث حددوا مبالغ ضخمة لمن يدلهم على أسامة بن لادن ومساعديه. والتخويف بالهلاك والدمار لمن يساعد الإرهابيين في زعمهم. وقد أبادت القوات الأمريكية قرى بأكملها في منطقة بجير وآجام؛ لأن أهلها ساعدوا المحاصرين من العرب في توره بوره بالمعلومات والمؤن والطعام.

د- وجود الاستخبارات الأمريكية في محل العمليات:

ومما ساعد بقوة في حشد الجهود ضد الأفغان العرب وجود مجموعات من القوات الأمريكية الخاصة ومجموعات من الاستخبارات الأمريكية المركزية في أماكن العمليات، وكان نائب رئيس الاستخبارات الأمريكية المركزية متواجدا في منطقة "توره بوره"؛ لأنهم لم يكونوا يثقون في القوات الأفغانية المتعاونة معهم، وهذا كان سببا في صعوبة تعاون الأفغان مع القوات المحصورة من العرب في هذه المناطق.

تعاطف الأفغان مع العرب

مع كل ما سبق من الظروف الأمنية الصعبة، كان هناك تعاطف شعبي لا مثيل له إلا ما كان مع المجاهدين في وقت وجود القوات السوفيتية، وقد قابلْتُ في مخيمات المهاجرين في بشاور المئات في أيام رمضان وأيام العيد، من العامة والخاصة الذين أبعدوا عن ساحة التأثير، من سكان مختلف المناطق في أفغانستان، لم يكن لهم كلام سوى مناقشة طرق ووسائل مساعدة هؤلاء المساكين الذين يتعرضون لهذا الظلم والهمجية من قبل القوات الأمريكية والقوات المتعاونة معها في داخل أفغانستان وخاصة في منطقة توره بوره في ولاية ننجرهار.

وقد سمعت من العشرات ممن قابلتهم أنهم لم يتذوقوا طعم شيء في أيام رمضان والعيد حزنا وألما لما يتعرض له هؤلاء الغرباء من الظلم الصارخ والمعاملة اللاإنسانية من قبل القوات الأمريكية، وأنهم كلما تذكروهم تركوا الطعام.

ولم يتوقف الأمر عند التعاطف المجرد فقط، بل قام الكثيرون بجهود كبيرة، وعرضوا أنفسهم للمخاطر، وساعدوا المحاصرين والنساء الأطفال والأسر بكل ما تيسر لهم، ونريد أن نشير إلى بعض الجهود المبذولة في هذا الصدد:

1- بقاء الأفغان معهم إلى اللحظة الأخيرة: بقيت مجموعة من الأفغان مع العرب في داخل منطقة توره بوره مع أنهم كانوا يستطيعون أن يدبروا طريقا لأنفسهم، ومع أنهم لم يكونوا مطلوبين لأمريكا، وقد أُسرت مجموعة منهم مع العرب في النهاية.

2- إصدار فتاوى من قبل العلماء: أصدر وفد من العلماء برئاسة الشيخ عبد الهادي شينواري- رئيس شورى علماء ننجرهار- فتاوى تحرم قتال العرب ومساعدة الأمريكان، وأن من مات من العرب فهو شهيد، ومن مات من القوات المهاجمة فلا تجوز الصلاة عليه، وأنه يخشى عليه أن يموت على الكفر لموالاته للكفار، وكان من أثر هذه الفتاوى أن امتنع الناس عن الصلاة على قتلى القوات المهاجِمة على العرب في منطقة توره بوره، وقد منع بعض الآباء الناس من الصلاة على جنازة أبنائهم الذين قُتلوا في الهجوم على العرب، وذلك في منطقة "حصارك" في ننجرهار!

3- اعتقال مجموعة من شيوخ منطقة "خوكياني": اعتقلت القوات المتعاونة مع القوات الأمريكية مجموعة من شيوخ قبيلة "خوكياني" عندما تعرضوا لها ليمنعوها من القتال ضد العرب، ولما كان أفراد الشعب -ومنهم أفغان هذه المنطقة- منزوعي السلاح فلم يكن بإمكانهم أكثر من هذا.

4- وفود لطلب فض التحالف مع الأمريكان : حيث تم تشكيل وفود من العلماء والقادة الميدانيين السابقين وعامة المسلمين لمقابلة القادة الميدانيين المتعاونين مع الأمريكان، لإقناعهم بترك التعاون مع الأمريكان، أو على الأقل مساعدة الأسر العربية المتواجدة في المنطقة، ومساعدة العرب المحاصرين الذين كانوا يتعرضون للقصف الأمريكي الوحشي.

5- كان سكان المناطق المحيطة بـ"توره بوره" يساعدون العرب المحاصرين بكل ما يمكن لهم من الطعام والمئون، وكان الواحد إذا صنع طعاما جيدا يؤثر المحاصرين على نفسه، ويرسله إليهم رغم الفقر المدقع في المنطقة. ويُحكى أن أرملة أرسلت بقرتها الوحيدة التي لم تكن تملك سواها إليهم، وأرسلت أنها لا تملك سواها، ولو كانت تملك شيئا غيرها لما منعته منهم، وكانوا يساعدونهم بتوصيل المعلومات إليهم، وبهذا تعرضوا للقصف الأمريكي الوحشي الذي أباد قراهم بأكملها، وقتل حوالي مائتين منهم في يوم واحد.

6- تم إخراج الأطفال والنساء في المرحلة الأولى من المناطق التي كانت المعارك تدور فيها، وإرسال هذه الأسر إلى الأماكن الآمنة، وتوزيعها في المرحلة الأولى في بيوت الصالحين من الناس في داخل مدينة جلال آباد ومخيمات المهاجرين، وإرسال بعضها إلى بلادها.

7- كان يتم إخبار المحصورين بالأماكن التي كان الأمريكان ينوون قصفها ليبتعدوا من أماكن الخطر، وفي الأخير طلب منهم بعض القادة أن يتفرقوا فخرج منهم من خرج وبقي في قمم الجبال من بقي، وعندئذ بدأت القوات المتعاونة مع الأمريكان تطالب الأمريكان بوقف القصف، وهنا حصل الخلاف بين الأمريكان والقوات الأفغانية المتعاونة معها، حتى تناقل الناس أن الأمريكان اتهموا محمد زمان بالعضوية في تنظيم القاعدة لمساعدته العرب أثناء المحاصرة لمنطقة توره بوره مع أنه ساعد في الظاهر القوات الأمريكية.

مصير العرب في أفغانستان

تفرق العرب في بعض الولايات الجنوبية وأصبحوا يعيشون مع الأفغان من غير تمايز بينهم، ويتجول أولادهم في الأسواق من غير إحساس بالخطر، وقد قررت هذه القبائل عقوبات شديدة ضد من يساعد الأمريكان في توصيل المعلومات لهم عن هذه الأسر، فقد قررت القبائل أن من يتعرض للقصف يكون المسؤول عنه أصحاب العلاقات بالأمريكان، وأنهم سيتعرضون للجلاء عن المنطقة وحرق البيوت، وبذلك أمّنوا مناطقهم.

ويبدو أن السبب في قصف القافلة يوم 21/12/2001م في قرية أسماني قرب مدينة خوست هو معاقبة سكان الولايات الجنوبية (بكتيا، بكتيكا، وخوست) على إساءتهم- على حد تعبير القيادات الأمريكية- وهذه الإساءة تتلخص في إيواء النساء والأطفال والأسر العربية في بيوتهم.

وتفيد المعلومات الواردة من المنطقة أن القائد الميداني محمد نعيم كوتشي كان من بين الجرحى الذين تعتبر حالتهم خطرة، وكان المولوي محمد إبراهيم أخو القائد جلال الدين حقاني القائد الميداني الشهير من بين الشهداء، وكان لهؤلاء وغيرهم دور كبير في استصدار قرار قبلي في الولايات الجنوبية التي تقطنها هذه القبائل، وينص القرار على إيواء النساء والأطفال والأسر العربية في بيوتهم، وأن من تعرض بيته للقصف تكون المسئولية على الشخصيات التي تتمتع بالعلاقات الوطيدة بالأمريكان، مثل "بادشاه خان" وغيره، وأن هذه الشخصيات ستتعرض لإحراق بيوتها والجلاء عن المنطقة.

وبعد هذا القرار وجدت الأسر العربية والأفغانية الكثيرة مأوى في هذه المناطق وخاصة الأسر التي فقدت عائلها، وبقي فيها الأطفال والنساء، وأصبح الأطفال يخرجون إلى الأسواق بحرية تامة.

لكن الأمريكان لم يستطيعوا تحمل هذه المساعدة الإنسانية من جانب الأفغان لأطفال ونساء العرب ممن تعرضوا لأشد أنواع الظلم وفقدوا آباءهم ورجالهم، فأرادوا بمثل هذا القصف الوحشي تلقينهم درسا لئلا يكرروا ذلك، وفي الوقت نفسه تخويف الآخرين لئلا يحذوا حذوهم!!.

اقرأ أيضا:


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع