 |
|
رئيس
الشرطة الماليزي يعرض صور
المعتقلين |
من
الصعب تعميم صورة واحدة لانعكاسات
حملة مكافحة الإرهاب الأمريكية في
الكثير من دول العالم الإسلامي، وفي
ماليزيا تتضح هذه الصفة لمن تتبع
المرآة المحلية التي وصفت بأنها
اختارت طريقا ثالثا تجاه الأحداث،
بين التأييد والرفض، ولعل ذلك التعدد
ينبع من التركيبة السياسية والدينية
والإثنية المعقدة محليا، وخريطة
المعارضة والحكومة التي تتداخل فيها
قضايا الدين والعرق بالمنافسة
السياسية والحكم، ثم خارجيا لكون
ماليزيا تقع في الساحة الدولية في
موضع لا يشبه الدول العربية، ويختلف
عن الدول الآسيوية غير المسلمة
المجاورة، وهو ما يوجب عليها
الموازنة بين العلاقة بالعرب
والمسلمين من جهة، والجيران
الآسيويين من جهة ثانية، والعلاقة
بالولايات المتحدة والدول الغربية،
ثم العلاقة بالدول النامية والفقيرة
الأخرى، وهذه المعادلة نستشفها من
أولويات الدبلوماسية الخارجية
الماليزية المرتبطة بطبيعة الاقتصاد
وتوجهاته.
الموقف
الرافض للهجمات الأمريكية
اتضح
رفض ماليزيا استخدام العنف وعسكرة
الحملة الدولية ضد الإرهاب؛ فرئيس
الوزراء الماليزي د. محاضير محمد كان
أول زعيم آسيوي يرفض الهجوم الأمريكي
على أفغانستان، وظل طوال فترة القصف
من أكثر الرؤساء نقدا له في العالم
الإسلامي والنامي، إن لم يكن أكثرهم
استنكارا لذلك، مؤكدا أن قصف
أفغانستان لن يؤدي إلى القبض على من
دبروا هجمات 11 سبتمبر "بل سيؤدي إلى
ولادة إرهابيين جدد، وسيظل العالم
يدور في دوامة للأبد"، وطالما أكد
أن مواجهة الإرهاب لا تكون بإرهاب
مثله، وأن الهجمات لن تحل أية مشكلة
من جذرها، وإنما يمكن الحل بدراسة
الدوافع والأسباب لهذه الظاهرة،
ومعالجة أسباب التعاطف مع من تسميهم
أمريكا إرهابيين، وهم الذين يجب
تقديهم للمحاكمة علنا بدلا من
الأسلوب الذي اتبع دوليا، وهو ما أكده
في أحاديثه الهاتفية ورسائله الموجهة
للرئيس الأمريكي بوش ورئيس الوزراء
البريطاني بلير، مؤكدا أن هناك من
غير المسلمين من قام بأعمال توصف
بالإرهابية؛ ولذا قال: "سأؤيد
أمريكا لو لجأت إلى العنف لإيقاف
العنف الإسرائيلي في قتل الأبرياء
الفلسطينيين".
ويدافع
محاضير عن عرفات والموقف الفلسطيني
دائما، حتى قال: "إنه ليس من
الإنصاف أن نطلب من عرفات منع
الفلسطينيين من الرد على هجمات
إسرائيل التي قتلت الكثير منهم، خاصة
أنه لن يسمح لمجلس الأمن أن يفعل شيئا"،
داعيا إلى استهداف إسرائيل خلال
الحملة باعتبارها دولة إرهابية، وقال:
"إن القضية الفلسطينية سبب غضب
وسخط المسلمين الذين يلجأ بعضهم إلى
العنف، وقصف أفغانستان سيغضب
الملايين من المسلمين، وبعضهم سينضم
لصفوف الإرهابيين؛ لأنهم مستعدون
للموت ثأرا لما يرونه من ظلم وبشاعة"،
كما أكد المسؤولون الماليزيون أن
بلادهم لن تدعم ولا تؤيد توسيع رقعة
الحملة الأمريكية، ولا استهداف
الصومال أو العراق، واعتبروا أن
الحرب ضد الإرهاب أصبحت تظهر كأنها
حرب على المسلمين، وأن ذلك التصور لن
يزول ما لم يوقف الإرهاب بحق المسلمين
في فلسطين والشيشان والبلقان،
واستنكر محاضير كون الحملة على
الإرهاب لم تستهدف إلا المسلمين ممن
يتهمون بالإرهاب، وقال: "يبدو
وكأن الـ 6 آلاف ضحية في أمريكا أهم من
200 ألف قُتلوا على يد الصرب في البوسنة
والهرسك"!
ولهذا
كررت حكومته الدعوة لعقد مؤتمر دولي
في ظل الأمم المتحدة للخروج بمبادرة
جماعية وتعريف للإرهاب، بدلا من أن
تظل واشنطن تقرر "التوجهات الدولية
للحملة"، غير أن ذلك قوبل برفض من
واشنطن ولندن، وهذا ما دفعه للدعوة
لعقد مؤتمر دولي بديل للدول
الإسلامية، وهو ما لقي تجاوبا، حيث
يتوقع انعقاده بالفعل في منتصف العام
الجاري في كوالالمبور، كما أن
ماليزيا من البداية نقلت قلق رعاياها
ومسئوليها من سياسات العداء والتمييز
العنصري ضد المسلمين في الغرب بشكل
خاص بعد تفجيرات 11 سبتمبر.
حدود
الانتقاد
ولكن
في نهاية المطاف كان لنقد الموقف
الأمريكي حدود، ولذلك عندما دعا أحد
الوزراء حكومته الماليزية للمبادرة
مع دول أخرى لمحاكمة أمريكا دوليا
بانتهاكات حقوق الإنسان وقتل
المدنيين بأفغانستان، رفض مجلس
الوزراء الماليزي ذلك، معتبرا ذلك
تدخلا في شأن لا يهم ماليزيا، وعندما
جاءت دعوة جمعية علماء ماليزيا
وغيرها إلى مقاطعة المنتجات
الأمريكية، أكدت الحكومة أنها تقاطع
ما لا تحتاجه، وأنها- كبلد تجاري- لن
تقاطع الاستثمارات الأمريكية، كما
أنها تعتمد على السوق الأمريكية في
تسويق المنتجات الماليزية، كما أوقفت
المظاهرات حتى لا تشوه صورة ماليزيا،
كما حصل لإندونيسيا، وهو ما سيؤثر في
أحسن الأحوال على السياحة إلى
ماليزيا، فضلا عن التجارة والاستثمار.
ترميم
العلاقات مع واشنطن
كان
ذلك كله الوجه الأول للعملة، وفي
الطرف الآخر، هناك هدف هام تحقق في
أجواء الحملة الأمريكية، وهو ترميم
ما تضرر في هيكل العلاقات الأمريكية-
الماليزية خلال السنوات الماضية؛
فمحاضير محمد عبّر عن فرحته بخسارة آل
جور ونجاح بوش عندما حسم الأخير سباق
الرئاسة الأمريكية العام الماضي،
مؤملا أن يتخذ بوش سياسة غير تدخلية
في شؤون ماليزيا الداخلية، وأن يكون
نجاحه في الانتخابات سببا في تحسن
العلاقات بينهما بعد التأزم الذي طرأ
عليها خلال عهد كلينتون، وقد كرر
موقفه في حوار له مطلع شهر يناير
الجاري قائلا: إن "العلاقات
الثنائية أحسن مما كانت عليه سابقا،
والتواصل مع إدارة بوش صار أسهل من
التواصل مع الإدارة السابقة".
وكان
قد برز التأزم خلال زيارة آل جور
لماليزيا في قمة أبيك عام 1998؛ حيث عبر
عن تأييده العلني للمتظاهرين
الإصلاحيين المؤيدين للسجين السياسي
أنور إبراهيم، غير أن مبدأ حقوق
الإنسان في أولويات الدبلوماسية
الأمريكية قد تراجع كما هو واضح خلال
حملة الإرهاب، ووجد بوش أهمية تأييد
محاضير كأطول زعيم آسيوي حكما وأشهر
الرؤساء المسلمين في آسيا، فكان
اللقاء الأول بين بوش ومحاضير خلال
قمة أبيك في شانغهاي (21-10-2001)، وتصريح
محاضير بعدها بأن الحرب لن تكون حربا
على الإسلام والمسلمين، وبعدها أكد
وزير الخارجية الماليزي سيد حميد
البار أن واشنطن طلبت من بلاده تصحيح
صورة الحملة الأمريكية بين المسلمين،
وأنها تريد التعلم من ماليزيا أساليب
التعامل مع الإرهاب، وعن ذلك قال
محاضير: "لقد التقيت الرئيس بوش في
وقت تواجه أمريكا أيضا تهديدات على
أمنها، وبالتأكيد قد أدى ذلك لأن يقدر
أكثر كيفية وسبب لجوئنا لأساليبنا في
التعامل مع قضايا الأمن الوطني، فنحن
نواجه الخطر نفسه"، مدافعا عن
استخدام الصلاحيات الأمنية في
الاعتقال.
مرحلة
جديد من العلاقات
ويعتقد
أن مرحلة جديدة من العلاقات بين
البلدين ستنطلق مع زيارة محاضير إلى
نيويورك المقررة في الأسبوع الأول من
نوفمبر المقبل، وسيتخللها لقاؤه
الثاني ببوش، وعقد قمة الاستثمارات
الماليزية لجذب الأموال الأمريكية
إلى ماليزيا، مع بقاء استحواذ السوق
الأمريكية على نسبة تتراوح ما بين 21-26
% من مجموع الصادرات الماليزية.
وفي
رد بوش على رسالة (أو رسائل) محاضير
بشأن الإرهاب والعلاقات بين البلدين
أوضح أن البيت الأبيض يتفهم وضع
ماليزيا وعدم إمكانية تأييدها
للهجمات على أفغانستان. وقال مسؤول
أمريكي زار كوالالمبور (15-10-2001): "إننا
نحترم ماليزيا، ونتفهم جميع تحدياتها
وتأزماتها المحلية، وعلاقتنا بها
مبنية على روابط اقتصادية وتقنية
تقيّم بـ 38 مليار دولا سنويا"، حيث
لا يؤيد محاضير الهجمات الأمريكية
لسبب داخلي أيضا حتى لا يخسر تأييد
الغالبية المسلمة (60% من السكان). وفي
7-1-2002 أكد وزير الخارجية الماليزي أن
العلاقات الماليزية- الأمريكية دخلت
مرحلة جديد قائلا: "نحن كدولة
تجارية نحتاج الكثير من الأصدقاء،
وأمريكا تعد من المهمين منهم".
ثم
أثنت الحكومة الأمريكية لأكثر من مرة
على الإجراءات الأمنية الماليزية،
فيما كانت مثل تلك الاعتقالات ذات
الطبيعة الأمنية في ماليزيا وغيرها
تجد انتقادا واسعا من الخارجية
الأمريكية والكونغرس وغيرهما، و قد
زار 12 عضوا من الكونجرس الأمريكي
ماليزيا في 8-1-2002، وقال المتحدث
باسم الخارجية تعليقا على الزيارة:
"لقد فهم محاضير ماذا تعني أحداث 11/سبتمبر
واستجاب لها، وإن إدراكه لانعكاسات
الحدث الإرهابي قد لاقى إعجابا
واحتراما في الولايات المتحدة".
نموذج
ماليزيا الإسلامي المرغوب
كما
أن السفيرة الأمريكية في ماليزيا (التي
عينت حديثا أيضا) قالت: "إن
ماليزيا قد قامت بعمل رائع في التعاون
معنا في مواجهة الإرهاب، وإنني راضية
للغاية عن هذا التعاون من البداية"،
إشارة إلى أسلوب "اعتقل ثم حقق" و"جمد
الحسابات ثم تأكد"، وقالت إن ما
قامت به ماليزيا هو ما تريده واشنطن
"التي تحب ماليزيا لنموذجها
الإسلامي المعتدل الذي نريد له أن
يستمر".
ولا
تلقي الحكومة الماليزية أهمية كبيرة
للتقارير الإعلامية الأمريكية،
وتعتمد على الاتصال الرسمي بالإدارة
الأمريكية، والعكس يحصل كذلك،
فالإعلام الماليزي يراعي عواطف
المسلمين في تقاريره أحيانا، لكن هذا
يجد تفهما من الإدارة الأمريكية،
ولذلك عندما ظهرت زوبعة فيروس
الأنثراكس وأن أحد الرسائل قد أرسلت
من ماليزيا تعاون البلدان في التحقيق
في الأمر، ولم يلتفت إلى ما يتردد في
الإعلام الأمريكي من روايات.
وبعد
تلك الأشهر من الاتصالات بين
الحكومتين الماليزية والأمريكية
توجت الدبلوماسية الماليزية جهودها
بزيارة د. محاضير لنيويورك التي تبدأ
يوم 30-1-2002 الجاري التي يشارك فيها في
منتدى دافوس الاقتصادي العالمي الذي
يعقد لأول مرة في نيويورك (ويلتقي
ببوش للمرة الثانية) للمشاركة في
صياغة الأجندة الاقتصادية العالمية
بعد أحداث سبتمبر، ومن ضمن أهداف
زيارته الأولى من نوعها منذ تولي بوش
السلطة في العام الماضي تحسين صورة
ماليزيا كبلد "مسلم معتدل" في
أذهان أصحاب الأموال والمسؤولين
الأمريكيين الذين تتجه أذهانهم في
الغالب من الآن فصاعدا للتفكير أولا
بالاستثمار في الصين بعد انضمامها
لمنظمة التجارة العالمية، ثم التفكير
بدرجة ثانية بالدول الآسيوية الأصغر
حجما.
ولعل
أبسط مثال على موازنة ماليزيا بين
العلاقة مع الغرب والعلاقة مع العالم
العربي والإسلامي أنه في أعقاب أحداث
11-9 ركزت وزارتا السياحة والتعليم
الماليزيتان أكثر من ذي قبل على
الشعوب العربية لتجذب الطلبة والسياح
والأموال العربية، استفادة من ردة
الفعل العنصرية في الغرب تجاه العرب،
وركزت الوزارتان في خطابهما للعالم
العربي على الروابط الدينية
والثقافية بين ماليزيا والعالم
العربي والإسلامي، ولهذا يتوقع أن
يصل عدد السياح العرب لأول مرة في
تاريخ ماليزيا إلى ربع مليون سائح
عربي هذا العام (2002) ممن كانوا يتوجهون
إلى الدول الغربية قبل أحداث حملة
الإرهاب.
اقرأ
أيضاً:

|