|
اختلفت
التقديرات بشأن نجاح أو فشل زيارة
أجاويد لواشنطن (14-19 يناير 2002)؛ وذلك
بسبب تباين الأهداف من وراء هذه
الزيارة بين واشنطن وأنقرة من جهة،
وتفاوت المواقف الداخلية في تركيا
ذاتها بشأن العائد المتوقع ليس من
الزيارة وحسب، بل من التطور المتنامي
في العلاقات بين أنقرة وواشنطن في
الفترة الراهنة.
على
المستوى الأول،
هناك فارق كبير في الطموحات والأهداف
المبتغاة من الزيارة بين واشنطن
وأنقرة، ولذا لم يكن التوافق كاملًا
فيما أسفرت عنه الزيارة، فلم تستجب
واشنطن تمامًا لمطالب أنقرة في مختلف
الموضوعات التي ناقشها أجاويد مع
المسؤولين الأمريكيين؛ وذلك
استنادًا إلى أن ما تقدمه واشنطن
ينبغي أن يتوازى مع ما تحصل عليه من
أنقرة في القضايا المشتركة، ومع
الإجراءات والخطوات الداخلية
المطلوبة لتحسين أداء الاقتصاد
التركي. في حين أن تركيا انتظرت
مقابلًا كبيرًا لجهودها ومواقفها
المساندة لأمريكا على طول الخط
تقريبًا، ومن هنا جاء تفاوت
التقديرات في المستوى الثاني (الداخلي
التركي) لنجاح أجاويد في تحقيق
أهدافه؛ حيث رأت الأوساط السياسية
الرسمية في أنقرة أن الزيارة كانت
ناجحة بصفة عامة، بينما اعتبرت
المعارضة -لا سيما اليسارية
والإسلامية- أن أجاويد لم يحصل
تقريبًا على أي شيء من بوش وإدارته
باستثناء بعض وعود قد لا تفي بها
واشنطن.
وبين
هذه الرؤية وتلك، يمكن القول: إن
زيارة أجاويد لواشنطن ليست علامة
فارقة في العلاقات الأمريكية-التركية؛
إذ لم تمثل نقلة حقيقية في مسار هذه
العلاقات، كما لم تعكس في الوقت ذاته
تحولا نوعيًا في الملفات المهمة التي
تناولتها الزيارة سواء الإقليمية أو
الداخلية.
ملامح
العلاقات التركية-الأمريكية
-
تتسم
العلاقات بين واشنطن وأنقرة بدرجة
عالية من الثبات والاستقرار، وتتخذ
نمطًا هيكليًا محدود التأثر
بالتحولات والتغيرات الآنية، ويشمل
هذا النمط الروابطَ السياسية
والعسكرية، خاصة فيما يتعلق بمجال
عمل حلف الأطلنطي الذي تعد تركيا
إحدى الدول الرئيسية فيه لا سيما في
المنطقة الجنوبية، وخارج نطاق
الأطلنطي، فإن وثوقية العلاقات بين
واشنطن وأنقرة تظهر وفقًا لموضع
الحدث وأهمية القضية بالنسبة
للولايات المتحدة الأمريكية على وجه
التحديد، وبناء على التقييم
الأمريكي يتم تحديد حجم نوعية
المشاركة التركية والدور الذي يمكن
أن تلعبه. ويسري هذا أيضا على
الموضوعات ذات الأهمية بالنسبة
لتركيا مثل الملف العراقي، أو
الصراع العربي- الإسرائيلي، مع
الأخذ في الاعتبار أن واشنطن من
جانبها تراعي إلى حد ما المصالح
التركية في هذه القضايا.
ومن اللافت أن توافقًا كبيرًا يمكن
رصده في المواقف والمصالح بين
الدولتين في الملفات ذات الاهتمام
المشترك، سواء بالنسبة للعراق أو
المنطقة العربية إجمالا، وكذلك
بالنسبة لأفغانستان وآسيا الوسطى،
وهو ما يقلل كثيرًا من فرص الاختلاف
والتباين في الرؤى والمواقف، لا
سيما في الموضوعات السياسية
الإقليمية؛ فهناك اتفاق تام تقريبًا
على ضرورة إبقاء النظام العراقي في
حالة ضعف مستمرة، وكذلك على استمرار
التفوق النوعي الإسرائيلي على الدول
العربية، وأيضًا فيما يتعلق بالحد
من النفوذ الإيراني في آسيا الوسطى
ومنطقة بحر قزوين، فضلا بالطبع عن
مواجهة أي احتمال لاستعادة روسيا
النفوذ السوفيتي القديم في هذه
المنطقة الحيوية بالنسبة لأنقرة
وواشنطن على حد سواء.
-
الوثوقية
التي تتسم بها العلاقات الثنائية
بين الولايات المتحدة الأمريكية
وتركيا لا تمتد إلى الجانب
الاقتصادي؛ حيث يتراجع هذا المجال
كثيرًا مقارنة بالجوانب الأخرى
للعلاقات، فيذكر أن حجم التبادل
التجاري بين تركيا والولايات
المتحدة بلغ 9.6 مليارات دولار عام 2000،
وهو يميل لصالح الولايات المتحدة؛
فمن ناحية ترى واشنطن أن وجه
الاستفادة الأكبر من التعاون مع
تركيا يتركز في البعد الإستراتيجي
والجيوسياسي، وبالتالي فإن التعاون
الاقتصادي لا يتجاوز حدود المكافأة
والترضية لتركيا على دورها المطلوب
أمريكيًا، وتتكئ واشنطن في ذلك على
ثغرات ونقاط ضعف هيكلية كثيرة في
الاقتصاد التركي؛ فتقوم بدفع
المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق
النقد والبنك الدوليين للضغط على
تركيا من أجل إدخال الإصلاحات
المطلوبة، ثم يتم إخضاع هذه الضغوط
لمقايضات سياسية وإستراتيجية، وقد
تجسد هذا النمط جليًا في الفترة
الأخيرة؛ حيث تراجع صندوق النقد
الدولي عن رفضه منح أنقرة قروضًا
تطلبها بناء على موقف إيجابي من
واشنطن، التي كانت أيضًا السبب وراء
رفض الصندوق القروض ذاتها من قبل.
-
تحاول
الحكومات التركية المتعاقبة
الاستفادة من تحالفها مع واشنطن في
اكتساب دعم سياسي يساعد على الحد من
الضغوط الداخلية خاصة الاقتصادية
منها، حيث تعتبر أنقرة أن مساندة
ودعم واشنطن لها بمثابة مصدر قوة في
مواجهة القوى السياسية المعارضة لا
سيما الإسلامية، وتلعب المؤسسة
العسكرية ذات السطوة في تركيا دورًا
كبيرًا في ترسيخ هذه القناعة لدى
النخبة الحاكمة هناك.
إضافة
إلى ذلك فإن أنقرة تسعى دائمًا إلى
توظيف علاقاتها المتميزة مع واشنطن
لصالح مساعيها إلى الانضمام للاتحاد
الأوروبي؛ لذلك تقدم أنقرة تنازلات
وتسهيلات كثيرة تنتظر مقابلها مواقف
وتحركات أمريكية إيجابية في هذا
الشأن، خاصة فيما يتعلق بالإجراءات
والخطوات المطلوب من تركيا اتخاذها
لتتأهل إلى عضوية الاتحاد، ويمثل
موضوع حقوق الإنسان والحريات
الأساسية محورًا مهمًا في هذا السياق.
-
العلاقات
التركية-الأمريكية تدخل في نطاق
التحالفات الإستراتيجية، لكن في
ضوء الثوابت والمتغيرات المحيطة
بهذا التحالف يمكن القول إنه تحالف
غير متوازن يميل دائمًا لصالح
واشنطن، ومع ذلك فلدى الطرفين حرص
على استمراريته وثباته.
تطلعات
تركية
تنوعت
الأهداف التركية من زيارة أجاويد
للولايات المتحدة بين الاقتصادية
والسياسية والعسكرية؛ فاقتصاديًا:
تطلع رئيس الوزراء التركي إلى أن
توافق واشنطن على طلبات قدّمها خلال
زيارة سابقة قام بها لواشنطن قبل
ثلاثة أعوام، ولم تتم الاستجابة لها
وهي الخاصة بتعويض تركيا عن خسائرها
من جراء الحظر المفروض على التجارة مع
العراق، إضافة إلى إلغاء القيود
الكمية على صادرات تركيا من
المنسوجات والحديد والصلب للأسواق
الأمريكية، فضلا عن إقامة اتفاقية
للتجارة الحرة بين الدولتين. وقد برزت
أهمية هذه القضايا من تشكيل الوفد
المرافق لأجاويد، الذي ضم وزراء
الاقتصاد والتجارة والصناعة ومحافظ
البنك المركزي وكبار مسؤولي الخزانة
وأكثر من مائة رجل أعمال. ولم يُخفِ
أجاويد أن الجانب الاقتصادي سيكون
همّه الأول؛ حيث ترغب أنقرة في أن
تفتح واشنطن أسواقها بشكل أكبر أمام
الصادرات التركية، وبخاصة المنسوجات
والحديد والصلب، إضافة إلى طلب
المزيد من الاستثمارات الأمريكية في
تركيا؛ إذ لا تزال ضئيلة في ظل صعوبة
مناخ الاستثمار القائم هناك.
وسياسيًا:
كان أجاويد وحكومته يرغبان في موقف
أمريكي واضح تجاه العراق ومسألة
تعريضه لعمل عسكري، مع تأكيد عدم ظهور
أي كيان كردي مستقل في شمال العراق؛
الأمر الذي تعتبره أنقرة خطًا أحمر لا
ينبغي تجاوزه، وعلى واشنطن احترامه.
وبالنسبة
لقبرص:
فرغم الاختلاف الكبير في الموقف بين
الطرفين، فإن أنقرة استبقت زيارة
أجاويد لواشنطن بتحول مهم عندما
وافقت على إجراء مباحثات بين زعيمي
القبارصة الأتراك واليونانيين، وهو
مطلب يتوافق مع الرغبة الأمريكية،
وكانت تركيا تعرقله منذ فترة. ومقابل
هذا الموقف أبدت واشنطن مرونة في
النزاع المستمر بين أنقرة وأثينا حول بحر
إيجة، وهو موضوع يمثل هاجسًا
تركيًا بصفة عامة، لكنه تزايد
مؤخرًا، وتحديدًا عشية زيارة أجاويد
التي تلت مباشرة زيارة قام بها رئيس
الوزراء اليوناني لواشنطن، وتبنت
خلالها واشنطن موقفًا أثار مخاوف
تركيا.
وفي
المجال العسكري:
كانت أنقرة تريد من واشنطن مزيدًا من
المكافأة على دورها في الحرب ضد
أفغانستان، أسوة بما حدث في حرب
الخليج الثانية ضد العراق، وحددت
أنقرة هذه المكافأة في أمرين: الأول:
تسوية الديون العسكرية المستحقة
لواشنطن عليها، وهي حوالي خمسة
مليارات دولار. الثاني: هو أن تتولى
القوات التركية قيادة قوات حفظ
السلام في أفغانستان بعد القيادة
الحالية البريطانية.
نتائج
دون مستوى التطلعات
مقابل
الطموحات التركية، لم تكن النتائج
الفعلية لزيارة أجاويد إلى واشنطن
بالمستوى الذي أوحت به الحكومة
التركية عشية الزيارة، لكنها جاءت
متماشية مع التقييم الأمريكي لها؛
حيث سربت أنباء صحفية أن واشنطن بعثت
برسالة إلى أنقرة قبل الزيارة حذرت
فيها الإفراط في التوقعات بنتائج
مبهرة ترضي الحكومة التركية. وهو
بالفعل ما حدث رغم محاولات أنقرة
إرضاء واشنطن قبل وأثناء وجود أجاويد
على الأراضي الأمريكية. ويمكن
إجمال أهم ما أسفر عنه نشاط أجاويد في
واشنطن فيما يلي:
الملف العراقي:
لم
تُبدِ واشنطن استجابة كبيرة لمطالب
أنقرة بعدم توجيه ضربة عسكرية إلى
العراق، بينما خففت تركيا من هذه
المطالبة عشية الزيارة وأثناءها،
واكتفى رئيس الوزراء التركي بولنت
أجاويد بعد انتهاء زيارته بالتصريح
بأن الرئيس الأمريكي جورج بوش لم يُشر
إلى ضرب العراق، وهو موقف غير حاسم،
ولا يلبي مطالب تركيا، لكن اللافت
للنظر أن مطالب تركيا هذه انخفض سقفها
عشية الزيارة مباشرة من رفض ضرب
العراق على إطلاقه إلى الرغبة في عدم
التضرر من الضربة إن تمت؛ بمعنى ألا
يؤدي أي عمل عسكري ضد بغداد إلى
الإضرار بالمصالح التركية، وخاصة
مسألة انفصال الشمال العراقي وتكوين
كيان كردي مستقل على الحدود التركية
الجنوبية. ومقابل هبوط سقف المطالب
التركية قدم الرئيس الأمريكي جورج
بوش لأجاويد وعدًا بالتشاور مع تركيا
قبل الإقدام على خطوة جديدة بالنسبة
لبغداد، وهو ما يعني أن أنقرة ستكون -على
الأقل- على علم بما سيجري في الملف
العراقي.
التعاون
الاقتصادي:
تطمع
تركيا منذ فترة في إقامة منطقة تجارة
حرة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
ورغم محاولات أجاويد والوفد المرافق
له أثناء زيارته لواشنطن، فإن الجانب
الأمريكي لم يقدم الاستجابة المطلوبة
لهذا المطلب، واكتفى بتكوين لجنة
اقتصادية مشتركة ستبحث سبل وصور
التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري
بين البلدين، تبدأ اجتماعاتها في شهر
فبراير القادم، ولم يحصل أجاويد
عمليًا سوى على وعود منها رفع الحظر
على سفر الأمريكيين إلى تركيا. لكن
ثمة مفارقة في هذا الأمر؛ حيث لا يوجد
حظر فعلي على سفر الأمريكيين إلى
تركيا بل مجرد "توصية" من وزارة
الخارجية الأمريكية توزع على رجال
الأعمال والسياح الراغبين في الذهاب
إلى تركيا ودول أخرى، يتم بموجبها
إطلاعهم على الأوضاع الأمنية في هذه
البلاد ومعدلات الجرائم فيها. كما حصل
أجاويد على وعد من الولايات المتحدة
بمساعدة الشركات التركية على الفوز
بنصيب في مشروعات إعادة التعمير في
أفغانستان؛ أي أن واشنطن لم تقدم
لتركيا أيضًا في المجال الاقتصادي ما
كانت تطمح إليه، وحاول أجاويد الحصول
عليه بوفد اقتصادي كبير يضم أكثر من
مائة شخص.
عسكريًا:
لم
تكشف المعلومات المعلنة عن تطور فعلي
في العلاقات العسكرية بين الطرفين،
بل إن موضوع الديون العسكرية
المستحقة للولايات المتحدة
الأمريكية على تركيا لم يتم التطرق
إليه وفقًا لما سربته الأنباء
الصحفية التركية، وكانت أنقرة تطمع
في أن تسقط واشنطن الديون العسكرية
المستحقة لها. وكذلك الأمر بالنسبة
لمشاركة القوات التركية في المرحلة
الجديدة الراهنة في أفغانستان؛ حيث
راهنت تركيا على موافقة أمريكا على أن
تتولى تركيا قيادة قوات حفظ السلام في
أفغانستان، لكن الموقف الأمريكي لم
يكن على مستوى الآمال التركية.
سياسيًا:
خرج
أجاويد من زيارته لواشنطن بنتائج
عامة يمكن اعتبارها دعائية أكثر منها
حقيقية؛ فقد أعلن أجاويد لدى عودته من
أمريكا أن تركيا أصبحت "دولة
عالمية"! مستندًا في ذلك إلى أن
مباحثاته مع المسؤولين الأمريكيين
"تناولت لأول مرة في تاريخ
الزيارات التركية-الأمريكية القضايا
العالمية كلها، ولم تقتصر على قضايا
تركيا المحلية"، لكن أجاويد لم
يُشِر إلى جديد فعلي، سواء على صعيد
العلاقات الثنائية أو بالنسبة للموقف
من القضايا السياسية الأخرى، مثل
الوضع في أفغانستان أو العراق أو
القضية الفلسطينية، إلى غير ذلك من
الموضوعات والقضايا ذات الاهتمام
المشترك.
اقرأ
أيضًا:
*
باحث
في الشؤون الإستراتيجية

|