 |
|
الملك
عبد الله والحكومة الأردنية.. بين
يدي استحقاقات كثيرة |
على
عادة الساحة الأردنية، فإنها تنشغل
بين الحين والآخر بإشاعات وأمنيات
التغيير أو التعديل الوزاري، وهذا
الانشغال كان في قمته في النصف الثاني
من شهر تشرين أول/ أكتوبر الماضي
تماماً، كما كان عليه الحال في النصف
الأول من شهر كانون ثاني الحالي،
وأصبح مألوفاً أن تسمع "أخباراً"
عن أن فلانا سيشكل حكومة جديدة، أو
بدأ مشاوراته، لكن في الحالتين فاجأ
العاهل الأردني الملك "عبد الله"
الأوساط السياسية بقرارات لم تخطر
على الأذهان، ففي شهر أكتوبر الماضي
وفي قمة الإشاعات، بعث الملك رسالة
إلى رئيس الوزراء عبّر فيها عن ثقته
وتقديره لدوره، وأعطاه حرية إجراء
تعديل على حكومته مشترطاً إعداد
مشروع خطة اقتصادية اجتماعية لتنشيط
الاقتصاد الوطني.
ومع
نهاية العام الماضي عادت إشاعات
التغيير الوزاري، وارتفعت أسهم
العديد من السياسيين في بورصة
التوقعات، وانتظرت صالونات العاصمة
عمّان استقالة الحكومة ما بين لحظة
وأخرى، لكن المفاجأة تكررت مرة أخرى
عندما استقالت الحكومة لكن الملك
أعاد تكليف "علي أبو الراغب"
بتشكيل حكومة جديدة، وحدد الملك
للحكومة مهمة الإعداد والاستعداد
للانتخابات النيابية، وهذا يعني أن
الحكومة باقية على الأقل حتى شهر
تشرين أول/ أكتوبر القادم إلى ما بعد
انتهاء الانتخابات ومجيء مجلس النواب
الجديد، وهذا يعني بشكل مباشر أن
القصة السياسية الأساسية التي ستنشغل
فيه الأوساط السياسية والشعبية هي
الانتخابات وستغيب أقاويل وأمنيات
التغيير والتعديل الوزاري.
الانتخابات
على الأبواب
تأكيد
الملك عبد الله أكثر من مرة مؤخرًا أن
الانتخابات ستجري في موعدها هذا
العام يشير بوضوح إلى عزم القيادة
الأردنية على تجاوز القضايا
الإقليمية الضاغطة على القرار
الداخلي، وأهمها حالة التوتر التي
تجتاح الأراضي الفلسطينية منذ اندلاع
الانتفاضة قبل عام ونصف تقريباً،
والانتفاضة كانت كما يعتقد الكثير من
المراقبين من الأسباب الهامة التي
دفعت الحكومة إلى تأجيل الانتخابات
عاماً حيث كانت مقررة في خريف العام
الماضي، وكانت المخاوف الحكومية من
أن تكون الانتخابات منفذاً لحالة من
عدم الاستقرار الأمني، أو أن تكون
سلاحاً في أيدي القوى المعارضة-
وتحديداً الإسلاميين- لتعزيز نفوذهم
في مجلس النواب الجديد.
إضافة
إلى هذا، كانت الحكومة منشغلة بشكل
أساسي بالحفاظ على مستوى من الانضباط
في الشارع الأردني، وضبط تفاعله مع
الانتفاضة، بحيث لا يشكل هذا التفاعل
بأشكاله المختلفة من مسيرات ومظاهرات
ومنتديات عامل قلق أمني داخلي.
ويبدو
أن حالة الهدوء التي عاشتها الساحة
الأردنية، "والتفهم" غير العادي
الذي أبدته القوى السياسية بعد أحداث
أيلول/ سبتمبر الماضي، الذي أدى إلى
حالة صمت تجاه الأحداث والمواقف التي
تبعت تفجيرات نيويورك، عززت قناعة
أصحاب القرار الحكومي الأردني بأن
القضايا الخارجية يضعف تأثيرها في
تحريك الشارع الأردني، وأن القوى
السياسية انحازت إلى الهدوء ضمن سياق
فهمها لاستحقاقات ما بعد 11 أيلول
والضغوط الأمريكية التي شملت معظم
بقاع العالم، وبخاصة في المناطق ذات
التوتر أو عوامل الحراك مثل المنطقة
العربية.
التعامل
مع الاستحقاقات لا التأثير فيها
وفي
قراءة التغيير الوزاري لا ينظر إليه
في سياق "انقلاب" أو "تحول"
مفاصل عمل ومسار الحكومة رغم خروج
وزيري الداخلية والخارجية، فالأمر لا
يتعدى تقوية لعوامل الانسجام
والتوافق للحكومة، وإعطاءها قوة دفع
إضافية تمكنها من أداء مهماتها
السياسية والاقتصادية ومواجهة
استحقاقات الوضع الدولي والإقليمي.
هذه الاستحقاقات التي لا تملك
الحكومة أمرها، لكنها مطالبة
بالتعامل معها، ومنها مثلاً احتمالية
توجيه ضربة أمريكية للعراق تتجاوز
حدود العمل العسكري إلى محاولة
التأثير في التركيب السياسي للدولة
العراقية، ولعل مما يسجل لرئيس
الوزراء علي أبو الراغب انحيازه
السياسي للعراق، وتبنيه لضرورة تقوية
العلاقات الأردنية ـ العراقية، وسواء
كانت الضربة الأمريكية للعراق أو تم
تأجيلها أو إلغاؤها، فإن الحكومة
برئيسها الحالي أكثر قدرة على تمثيل
الموقف الأردني الرافض لأي ضربة
للعراق والداعي إلى فك الحصار.
وعلى
الصعيد الداخلي فإن الحكومة الجديدة
مُطالَبة بالعديد من الخطوات باتجاه
إزالة التوتر في الحياة السياسية،
عبر علاقات أكثر دفئاً مع الأحزاب،
وبخاصة بعد سلسلة من الصدامات
السياسية والإعلامية بعد مسيرة
الحكومة السابقة التي تشكل في معظمها
الحكومة الحالية.
وفي
موازاة هذا "الواجب" الحكومي
تشهد الحركة الإسلامية انتخابات
داخلية على مستوى جماعة "الأخوان
المسلمين" وحزب "جبهة العمل
الإسلامي"، وهذه الانتخابات التي
ستنتهي بانتخاب هيئات قيادية
للتنظيمين، والجانب الهام في هذه
العملية هو القرار الذي ستتخذه قيادة
الحركة الإسلامية تجاه الانتخابات
النيابية القادمة سواء كان استمراراً
لقرار المقاطعة الذي كان عام 1997 أو
العودة إلى المبدأ الأصيل في منهج
الحركة القائم على المشاركة في
الحياة السياسية.
ويأتي
التزامن بين الحكومة الجديدة
والتأكيد الرسمي على إجراء
الانتخابات هذا العام، والقيادة
الجديدة للإسلاميين تشير إلى إمكانية
وجود أجواء سياسية إيجابية إذا كانت
عوامل الانسجام بين هذه العوامل
كبيرة، وتحتاج الحكومة لتحقيق النجاح
في العملية الانتخابية إلى مشاركة
شعبية وسياسية واسعة، وتحتاج القوى
السياسية إلى الشعور بالثقة بأن
الانتخابات ستجري في ظروف نزيهة وغير
متوترة.
استمرار
حالة الركود
ومما
يلفت الانتباه أن التغير الوزاري
الأخير لم يشكل حالة تحظى بالاهتمام
الشعبي، والسبب هو كثرة التغيرات
والتعديلات على الحكومات، كذلك قناعة
المواطن بأن أي تغيير وزاري لم يعد
يحمل شيئاً جديداً، وأن تبدل
الحكومات لا يفرض أي إيقاع جديد،
فالمشكلات الكبرى اقتصاديًّا لا
ترتبط بذهاب أو بقاء حكومة في تحركها
إلى الأمام كثيراً، أما السياسة
الخارجية ومعادلات الوضع الإقليمي
فهي مرتبطة بمؤسسة الحكم ولا يؤثر
فيها بقاء أو ذهاب رئيس وزراء أو وزير
داخلية، كما أن الناس يعلمون أن
التغيير الوزاري الأخير لم يأت
استحقاقا لأي معادلة داخلية أو
خارجية بقدر ما كان إعادة تنظيم لصفوف
الحكومة السابقة، وإعطاء رئيسها
مزيداً من القوة والثقة عبر تكليفه
بإعادة التشكيل، حتى وإن كان عدد
الوزراء الجدد لا يزيد عن العدد في أي
تعديل وزاري.
وكما
تقول بعض الأوساط فإن رغبة الملك عبد
الله في تكريس نهج العمر الطويل
للحكومات على حساب العرف السلبي
القائم على سرعة تغيير الحكومات كانت
وراء إعطاء المزيد من الفرص لرئيس
الوزراء الحالي علي أبو الراغب حتى لو
كانت الفرصة ثقة متجددة وتكليفه
برئاسة حكومة جديدة، وربما يكون رفض
الملك للممارسات السلبية والتشويش
الذي تمارسه بعض الصالونات السياسية
على الحكومة وراء عدم تحقيق أمنيات
أعضاء هذه الصالونات من مسؤولين
سابقين والمتمثلة في زوال حكومة
سعياً لفرصة عودة السابقين على حساب
المسؤولين العاملين.
اقرأ
أيضًا:
|