 |
|
القوات
الإسرائيلية تحاصر مقر عرفات في
رام الله |
لم
يكن إقدام السلطة الفلسطينية على
اعتقال الأمين العام للجبهة الشعبية
"أحمد سعدات" الخطوة الأولى في
تجاوز الخطوط الحمراء على صعيد
المعادلة الفلسطينية الداخلية، فمنذ
تصعيد الحملة الشارونية ضدها،
ومحاولة وضعها في خانة التغاضي عن
المقاومة الفلسطينية، اتخذت السلطة
الفلسطينية مجموعة من الإجراءات
الأمنية ضد قوى المقاومة الفلسطينية
تحت غطاء المحافظة على وقف إطلاق
النار الذي أعلن عنه رئيس السلطة
الفلسطينية ليلة عيد الفطر.
وشملت
هذه الإجراءات إخراج تنظيمات
المقاومة العسكرية من القانون،
وإغلاق المؤسسات الاجتماعية،
والاقتصادية، والسياسية لحركتي حماس
والجهاد الإسلامي، وشنِّ حملة
اعتقالات واسعة في صفوف الناشطين
الفلسطينيين ضد الاحتلال، مرورًا
بإطلاق النار على المتظاهرين
الفلسطينيين في جباليا في مدينة غزة
الذي كانت حصيلته قتل سبعة فلسطينيين
خلال يومين، وصولاً إلى فرض الإقامة
الجبرية على الشيخ "أحمد ياسين"
مؤسس "حماس"، ومحاولة اعتقال
قياديين بارزين من هذه الحركة، على
رأسهم الدكتور "عبد العزيز
الرنتيسي".
دلالات
اعتقال سعدات
وإذا
كانت "حماس" استطاعت نزع فتيل
الأزمة مع السلطة الفلسطينية التي
كان يمكن أن تؤدي إلى اندلاع حرب
أهلية، وذلك عن طريق الإعلان عن تجميد
مؤقت للعمليات الاستشهادية في
المناطق المحتلة عام 1948م، فإن تمادي
السلطة الفلسطينية في إجراءاتها التي
وصلت إلى حد اعتقال القيادي الأول في
"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"،
والاعتراف علنًا أن هذا الاعتقال تم
استجابة لمطالب إسرائيلية وأمريكية،
يدفع إلى التساؤل عن المدى الذي يمكن
أن تذهب إليه السلطة الفلسطينية في
تحدي إرادة المقاومة الفلسطينية،
والتعدي على رموز المقاومة، وعن
تأثير هذا التوجه الخطير على الوضع
الفلسطيني الداخلي، لا سيما وأن "فتح"
اضطرت لاقتفاء أثر "حماس" و"الجهاد
الإسلامي"، ونفَّذت عملية
استشهادية في مدينة الخضيرة الواقعة
في المناطق المحتلة عام 1948م كردٍّ
فوري على قيام قوات الاحتلال بخرق
الهدنة التي التزمت بها باغتيال
الزعيم العسكري لكتائب الأقصى في
مدينة طولكرم مؤخرًا.
منذ
سلسلة العمليات الاستشهادية التي
نفَّذتها حماس في عمق الاحتلال
الإسرائيلي ردًّا على اغتيال قائدها
العسكري "محمود أبو هنود"، اتخذت
السلطة الفلسطينية توجهًا حاسمًا
بالعمل على وقف المقاومة الفلسطينية،
والحدِّ من فعاليات الانتفاضة
العنيفة، على أمل التأثير في موقف
الإدارة الأمريكية التي لم تتبنَّ
موقف حكومة شارون الذي اعتبر عرفات
خارج إطار اللعبة السياسية. وحققت
السلطة الفلسطينية نجاحًا نسبيًّا في
الحد من المقاومة، ولكنها لم تفلح في
فك الحصار المفروض على عرفات، ولا في
تحسين موقف الإدارة الأمريكية الذي
تساوق أكثر مع الموقف الإسرائيلي،
عبر تبنِّي مطالبة حكومة شارون
باعتقال الفلسطينيين المسؤولين عن
قتل وزير السياحة الإسرائيلي "رحبعام
زئيفي"، والقضاء المبرم على
تنظيمات المقاومة الفلسطينية
وإخراجها كلية عن القانون.
وجاءت
قضية سفينة الأسلحة "كارين آي"؛
لتعيد كل الجهود التي بذلتها السلطة
الفلسطينية في إطار ملاحقة المقاومة
الفلسطينية إلى نقطة الصفر، ولتعيد
وضع عرفات في قفص الاتهام
الإسرائيلي، لا سيما وأن حكومة شارون
أصرت على اتهام عرفات شخصيًّا
بالتورط في هذه العملية، فيما اقتربت
الإدارة الأمريكية من تبني الرواية
الإسرائيلية بشكل كامل، فيما عدا
إخراج عرفات شخصيًّا من دائرة التورط
المباشر في هذه الصفقة؛ وذلك ببساطة
لأن القبول الكامل بالرواية
الإسرائيلية يشكِّل بداية الموافقة
على المخطط الشاروني لإنهاء الوجود
السياسي لعرفات، وهو ما لا تريده
الإدارة الأمريكية حاليًا في ظلِّ
سعيها للمحافظة على التأييد العربي
لحملتها ضد ما يسمَّى بـ"الإرهاب"،
وإنجاز مهمتها بشكل كامل في
أفغانستان قبل التفرغ الكامل للمنطقة.
ولذلك
فإن اعتقال سعدات كان بمثابة رد
اعتبار للدور الأمني الذي تقوم به
السلطة الفلسطينية، والذي بات يشكِّل
المتطلب الأساسي إسرائيليًّا
وأمريكيًّا لاستمرارها، وعلى الرغم
من أن السلطة الفلسطينية اتخذت
العديد من الإجراءات بحق المقاومة
الفلسطينية، فإن اعتقال سعدات يكتسب
أهمية خاصة على هذا الصعيد، وذلك
من عدة أوجه:
أولاً:
أن سعدات هو أول أمين عام فصيل
فلسطيني يتم اعتقاله من قبل السلطة
الفلسطينية.
ثانيًا:
أن الاعتقال فُهِم، وبشكل واضح، أنه
محاولة لمقايضة الحصار المفروض على
رئيس السلطة الفلسطينية باعتقال
قيادات فلسطينية أخرى، الأمر الذي
يشكل انحدارًا سياسيًّا خطيرًا لم
يسبق له مثيل لقيادة السلطة
الفلسطينية التي حاولت في كثير من
الأحيان تبرير الاعتقالات بأنها
للحفاظ على المصالح الوطنية العليا
للشعب الفلسطيني، هذا فضلاً عن أن هذه
الاعتقالات لم تكن تتم في مثل الظروف
السياسية والأمنية الحالية.
ثالثًا:
أن اعتقال زعيم ثاني تنظيم فلسطيني
داخل السلطة الفلسطينية، من حيث
الأهمية يُعَدّ بمثابة دق مسمار في
نعش هذه المنظمة. فبعد أن فرغت من
مضمونها النضالي بإلغاء ميثاقها،
وفرغت من مضمونها السياسي بإحلال
السلطة الفلسطينية محلها، فإن السلطة
الفلسطينية تحاول تفريغ منظمة
التحرير الفلسطينية من مضمونها
الواقعي عبر اضطرار الجبهة الشعبية
إلى الانسحاب منها -كما لوَّحت بذلك-
وربما دفعها أيضًا إلى الاقتتال مع
السلطة الفلسطينية، بعد أن هدَّد
الجناح العسكري للجبهة باغتيال بعض
القيادات الأمنية للسلطة الفلسطينية.
رابعًا:
أن هذا الإجراء سيزيد من الشهية
الإسرائيلية للمزيد من المطالب
الأمنية من السلطة الفلسطينية،
وتشديد الحصار عليها حتى تتجاوب مع
هذه المطالب.
خامسًا:
أنه سيعطي المبرر الأخلاقي للشارون
للإقدام على اغتيال قيادات فلسطينية
من الصف الأول في التنظيمات
المختلفة، طالما وضعتهم السلطة
الفلسطينية في خانة الاعتقال
والملاحقة، وسلَّطت الأضواء
عالميًّا عليهم باعتبارهم "إرهابيين"
خطرين على الكيان الإسرائيلي.
الوحدة
الوطنية الفلسطينية مهددة!
لقد
أوقعت السلطة الفلسطينية نفسها في
مأزق كبير باعتقالها سعدات، فإذا
قامت بإطلاق سراحه بعد "استضافته!"
فإنها ستعرِّض نفسها من جديد للضغوط
الإسرائيلية - الأمريكية، وإذا قامت
بمحاكمته وسجنه للحيلولة دون مطالبة
الكيان الصهيوني بتسليمه فإنها تضع
نفسها أمام استحقاق المواجهات
السياسية وربما الأمنية مع
الفلسطينيين، وإذا لجأت حكومة شارون
إلى حماقة اغتيال سعدات في سجنه
القريب من مقر الإقامة الجبرية
لعرفات في رام الله، كما حاولت أن
تفعل مع أبو هنود في السابق، وكما
فعلت في قصفها الأخير لمقر الأجهزة
الأمنية في طولكرم ردًّا على عملية
الخضيرة، فإن الكارثة ستكون أكبر
وأشد، وستتحمل السلطة الفلسطينية
مسؤولية كبيرة تجاه هذه الكارثة!.
على
أية حال فإنه من غير الممكن عزل هذا
الإجراء عن غيره من الإجراءات
السابقة أو اللاحقة التي ستتخذها
السلطة الفلسطينية تحت وطأة الحصار
الإسرائيلي والتهديد الإسرائيلي –
الأمريكي، كما أن نتائجه تصبح في غاية
الخطورة على الوضع الفلسطيني
الداخلي، خصوصًا وأنه لا يتوقع توقف
المطالب الأمنية الإسرائيلية، ولا
تراجع الإدارة الأمريكية عن دعم هذه
المطالب.
لقد
استطاعت قوى المقاومة الفلسطينية أن
تعضّ على جراحها النازفة، وأن تتحمل
الإجراءات السلطوية ضدها ووجهت كل
قواها نحو العدو، ولجأت إلى الرد على
الإجراءات الأمنية للسلطة بضربات
عسكرية في عمق الاحتلال، مع التعبير
عن سخطها وإدانتها لإجراءات السلطة
الفلسطينية ضدها. ولكن ما الذي يضمن
استمرار هذا الوضع، خصوصًا أن هناك
توجهات جامحة داخل السلطة الفلسطينية
للاستجابة بدون تحفظ للمطالب
الصهيونية، حفاظًا على وجود ومكاسب
بعض هذه الشخصيات ومهما كلف من ثمن؟
ونستحضر في هذا السياق تصريحات
مسؤولي الأمن الوقائي في الضفة
الغربية وقطاع غزة والتي هددت بفرض
وقف إطلاق النار حتى لو تطلب ذلك
الصدام مع بعض القوى الفلسطينية، كما
أن مجزرة جباليا التي دفعت بحماس
لتجميد عملياتها الاستشهادية ما زالت
حاضرة في الأذهان!!
إن
خطورة الموقف تنبع من قيام السلطة
الفلسطينية التي أصبحت تتحسس مواقع
أقدامها بإحلال المصالح الخاصة بها
محل المصلحة الفلسطينية العليا؛
ليصبح بقاء هذه السلطة هدفًا بحد ذاته
يعلو على الهدف الأسمى وهو استمرار
الانتفاضة والمقاومة ودحر الاحتلال
عن الأرض الفلسطينية، الأمر الذي قد
يؤدي إلى توجيه ضربة قوية إلى الوحدة
الوطنية الفلسطينية تحت ستار وحدانية
السلطة الفلسطينية وغيرها من
المبررات التي أسقطتها تطورات
الأحداث الأخيرة.
المقاومة
وحدها الكفيلة بردع الاحتلال
لعلَّ
أكثر الدلالات خطورة في جنوح السلطة
الفلسطينية إلى الاستجابة للمطالب
الإسرائيلية هو أنها قطعت المنحنى
البياني الصاعد لانتصارات الشعب
الفلسطيني على الاحتلال الذي تمثل
حكومة شارون أسوأ صوره، وأتاحت
المجال لبرنامج هذه الحكومة للتقدم،
وذلك بعد أن أوجدت العمليات
الاستشهادية حالة من توازن الرعب مع
العدو، وأثبتت قدرة الشعب الفلسطيني
على ردع الإرهاب الإسرائيلي، وعقم
النظرية الأمنية الإسرائيلية.
إلا
أن الأفق السياسي المسدود لعملية
التسوية السياسية الذي تجلى بفشل
تفاهم قريع – بيريز الأخير، على
الرغم من انهيار السقف السياسي
للسلطة الفلسطينية عن السقف المنخفض
أصلاً في كامب ديفيد – 2، وذلك
بالقبول بدويلة فلسطينية على 40% من
مساحة الضفة مع تأجيل قضايا اللاجئين
والقدس والمستوطنات إلى مفاوضات
لاحقة، يجعل من استمرار تجاوب السلطة
الفلسطينية مع المطالب الأمنية
الإسرائيلية عبثًا مرفوضًا حتى بمنطق
من يؤمنون ببرنامج التسوية السياسية،
بل إنه يصبح انتحارًا سياسيًّا.
فالسلطة
الفلسطينية التي لا تزال تراهن على
الإدارة الأمريكية لتأمين الحماية
السياسية لها، وتتجاوب مع المطالب
الأمنية الإسرائيلية وعينها على
الإدارة الأمريكية ومبعوثها العسكري
"أنتوني زيني" لتأمين تطبيق
تفاهمات "تينيت" و"ميتشيل"،
باتت الآن في زاوية حرجة جدًّا بعد أن
تبنَّت الإدارة الأمريكية المطالب
الأمنية الإسرائيلية، وعبَّرت عن
قناعتها بأن عرفات لم يَعُد صالحًا
للاستمرار في عملية التسوية
السياسية، وأن تمسكها به يرجع إلى عدم
وجود بديل جاهز عنه في المرحلة
الحالية.
وإذا
كانت حكومة شارون تدرس خياراتها في
التعامل مع السلطة الفلسطينية،
فحريٌّ بهذه الأخيرة أن تعيد
حساباتها، وأن تندمج مع شعبها في خيار
المقاومة الذي لا يزال يحوز على إجماع
جميع قوى الشعب الفلسطيني، والشعب
الفلسطيني بدوره قادر على احتضان
قيادته وتأمين الحماية والدعم لها.
اقرأ
أيضًا:
|