 |
|
جنود "جيش تحرير كوسوفا" |
منذ
أحداث 11 سبتمبر، لا تكاد تخلو مطبوعة
أوربية من خبر عن الإرهاب، والقاسم
المشترك بين هذه الأخبار هو أن
الإرهابيين- من وجهة نظر الصحافة
الغربية- ينتسبون إلى الدين الإسلامي
وإلى المنطقة العربية.
وتماشيا
مع الموجة العاتية– التي تقودها
الولايات المتحدة الأمريكية في
مكافحة ما تسميه الإرهاب- وجدت معظم
بلدان البلقان نفسها على مرمى حجر من
القصف الأمريكي، على الأقل السياسي
منه. فإما أن تعلن رفضها وتنديدها
بالإرهاب واتخاذ ما يلزم من خطوات
لمحاربته، وإلا ستجد نفسها على قائمة
الدول التي تساعد الإرهاب، وتستحق من
ثم العقوبة نفسها التي تنالها الدول
الراعية للإرهاب.
وعلى
الفور، عُقد أكثر من اجتماع بلقاني –
بعض هذه الاجتماعات كان ثنائيا أمنيا
والبعض الأكثر كان متعدد الأطراف
ومتعدد الجوانب ( أمني –سياسي –
اقتصادي)- وأسفرت معظم هذه الاجتماعات
واللقاءات عن عدة قرارات أهمها:
1-
ضرورة دعم الولايات المتحدة
الأمريكية في حربها ضد الإرهاب.
2-
الاتفاق وبشكل مبدئي على التعريف
الأمريكي للإرهاب، أي الإرهاب الذي
يقف خلفه عرب ومسلمون.
3-
اعتماد الوصفة الأمريكية في مكافحة
الإرهاب.
4-
الاتفاق على أن العمل الإغاثي يشكل
أحد أهم روافد الإرهاب- أو على أقل
تقدير- أحد أهم المصادر التي تجب
متابعتها عن قرب.
5-
الاتفاق
على اتخاذ خطوات -ولو شكلية – من
أجل امتصاص غضب الأسد الأمريكي
الجريح، على حد وصف أحد
الدبلوماسيين الغربيين.
على
أن هناك بعض القرارات التي لم تتخذ
رسميا، ولكنها ستنفذ عمليا؛ وأهمها
قرار وقف أي عملية استقلال أو انفصال
في منطقة البلقان. ومن بينها على سبيل
المثال: كوسوفا (التي تسعى للاستقلال)
والجبل الأسود الذي يسعى للانفصال عن
يوغوسلافيا.
معاداة
كل ما هو إسلامي وعربي
تحركت
أجهزة الأمن في كل من تركيا وبلغاريا
وألبانيا وكوسوفا والمجر ورومانيا
وإيطاليا –وفي توقيت متزامن–
مستهدفة الأنشطة الدينية والإغاثية
في تلك البلدان. وأصبحت المنظمات
الإغاثية هدفا مستباحا – ليس لقوات
الأمن والشرطة في تلك البلدان – بل
لقوات أمن أوربية مشتركة، وربما
أمريكية كذلك. وهناك أنباء عن وجود
قوات أمن من بلدان شرق أوسطية، ولعل
المثال الصارخ في ذلك كان في ألبانيا
وكوسوفا ومقدونيا، حيث كان المستهدف
بالطبع مجموعة الهيئات الإغاثية ذات
التمويل السعودي الأهلي. ولعل مؤسسة
"طيبة الخيرية" التي يمولها رجل
الأعمال السعودي "ياسين القاضي"
كانت الأبرز، بسبب تجميد أمواله في
بنوك الولايات المتحدة الأمريكية
بحجة ارتباطه بعلاقات مالية مع أسامة
بن لادن.
لكن
المستجد الأخير في الهجوم على
المنظمات الإغاثية في ألبانيا
ومقدونيا وكوسوفا هو تعقب بعض
الأفراد من جنسية محددة وهي العراق.
فلقد ألقي القبض على عراقيين في
كوسوفا وألبانيا في اليوم التالي
لقرار وزارة الخزانة الأمريكية تجميد
حسابات لإحدى المنظمات الإغاثية
الإسلامية. وكان الدافع وراء ذلك هو
إيجاد علاقة بين هؤلاء الإغاثيين
والنظام في العراق من جهة، وهذه
الهيئات التي تم تجميدها من جهة أخرى،
لتكون مبررا من مبررات ضرب العراق
الذي يبدو أنه بات أمرا مفروغا منه في
ظل الزخم السياسي والإعلامي الأمريكي
والصمت السياسي العربي.
لم
يقتصر الأمر في البلقان على تعقب
المنظمات الإغاثية، ولا اللاجئين،
ولا حتى بعض صغار رجال الأعمال من
اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين
والمصريين، بل طال كل ما هو عربي
وإسلامي؛ فحتى المؤسسات الإسلامية
الوطنية في بلغاريا وألبانيا
ومقدونيا والمجر باتت محل شك من قبل
الأجهزة الأمنية، وتكاد الشخصيات
الإسلامية البارزة في تلك الدول تكون
واقعة تحت الحصار والرصد والتتبع،
ناهيك عن الكم الكبير من النيل
الإعلامي والتهكم الصحفي الذي لا
ينقطع، خصوصا إذا علمنا أن معظم
الحكومات البلقانية الحالية هي
حكومات يسارية أو من بقايا الشيوعية
التي بينها وبين الإسلام خصومة قديمة.
وفي
المحصلة، فإن الحملة الأمريكية على
الإرهاب في البلقان قد أخذت شكلا
عدائيا سافرا لكل ما هو عربي وإسلامي؛
ويشهد بذلك عشرات الرسوم
الكاريكاتورية التي تتصدر صفحات
كبريات الصحف في صربيا ومقدونيا
وألبانيا وإيطاليا، ناهيك عن البرامج
التلفزيونية الساخرة خصوصا في
القنوات الفضائية الإيطالية.
كما
يشهد على ذلك سحب الجنسيات من
المقاتلين العرب والمسلمين الذين
قاتلوا مع المسلمين في البوسنة أو ممن
لهم دور بارز في العمل الإغاثى؛ وهو
أمر لم يقتصر على البوسنة، بل سبقتها
إلى ذلك ألبانيا – وربما بلغاريا - من
دون إحداث ضجيج إعلامي.
أما
على المستوى السياسي، فقد بات واضحا
أن الخطاب السياسي للحكومات
والمعارضة في كل دول البلقان أصبح
خطابا صديقا وودودا للولايات المتحدة.
وبعد أن كانت هناك بعض الأصوات
المعارضة للهيمنة والنفوذ
الأمريكيين الطاغيين في البلقان،
خشعت هذه الأصوات والتقت على جملة
واحدة، وهي: "مكافحة الإرهاب"،
أي الوقوف مع الولايات المتحدة
الأمريكية، وأصبح كل صوت معارض يخشى
أن يُرمى بتهمة مساندة الإرهاب.
لقد
خلقت أحداث سبتمبر - وما تلاها من تدخل
أمريكي في أفغانستان - حالة من
الهستيريا السياسية؛ فالقادة
والساسة باتوا أقرب إلي التصور
الأمريكي في كل شيء؛ وتحولت خطابات
الزعماء السياسيين وكبار الكتاب
السياسيين إلى نسخ من كلمات الرئيس
بوش أو كونداليزا رايس أو كولن باول.
وعلى الدرب نفسه سارت الصحافة، وهناك
حالة من الترقب في معظم دول البلقان
انتظارا للمكافأة الأمريكية نظير
الجهود التي بذلتها تلك الدول في
مكافحة الإرهاب.
والخطير
في الأمر أنه دفع بالتيارات السياسية
والفكرية كافة وبعنف في اتجاه التصور
الأمريكي، ورهنا للتفسير الأمريكي
وحده وعلى هذا الأساس؛ حيث إننا نجد
أن الجبل الأسود قد عطل مشروعه
الانفصالي لحين انقشاع غبار المعركة
ضد الإرهاب. والأمر نفسه حدث في
كوسوفا؛ فقد توارى الحديث عن
الاستقلال - ولو مؤقتا - في انتظار ما
ستقرره الولايات المتحدة الأمريكية.
والسيناريو ذاته حدث في صربيا التي
أدرك قادتها - ومنذ الحرب في كوسوفا -
أن الوقوف في وجه الولايات المتحدة
الأمريكية سيكلفهم الكثير؛ لذا
بادروا بالوقوف إلى جوارها ضد "الإرهاب".
من
المستفيد؟
منذ
وقوع أحداث سبتمبر أدرك الألبان- كما
أدرك البوسنيون المسلمون على وجه
التحديد- أن الموقف الدولي لن يكون في
صالحهم إذا تمسكوا بموقفهم السابق في
الكفاح المسلح، سواء في كوسوفا أو
مقدونيا أو حتى داخل صربيا؛ لذا لم
يكن مستغربا أن تخرج المظاهرات التي
تسيّرها التيارات السياسية على مختلف
انتماءاتها. وتواكب ذلك مع تدافع من
أجل التبرع بالدم، ورفع العلم
الأمريكي في كل مكان، إضافة إلى
التصريحات السياسية والإعلامية
النارية التي فاقت مثيلاتها في
الولايات المتحدة الأمريكية. وكان
هذا الموقف مصدر إعجاب من الصحافة
الأمريكية التي وجدت في البلقان ما لم
تجده في العالم العربي، لدرجة أن بعض
الصحف الأمريكية اعتبرت أن المسلمين
في البلقان أكثر وفاء من المسلمين في
العالم العربي.
بيد
أن المراقبين يرون أن الموقف الراهن-
المتمثل في رضا الولايات المتحدة
الأمريكية عن حلفائها في الدول (ذات
الأغلبية المسلمة) في البلقان - لن
يتحول إلى موقف سياسي داعم لمطالبهم
في الاستقلال؛ أو حتى الاندماج في
المنظومة الأوربية على خلاف ما يمكن
أن يحدث لبعض البلدان البلقانية
الأخرى ذات الأغلبية المسيحية، مثل
بلغاريا ورومانيا وحتى صربيا
ومقدونيا.
ودول
أوربا الغربية ترى في الدول ذات
الأغلبية المسلمة "قنابل إرهابية
موقوتة"، وهي نظرة ليست وليدة
اليوم. فما يحدث مع تركيا مثال صارخ
على ذلك؛ أضف أن أحداث سبتمبر ستزيد
من تثبيت هذه القناعة. ولن تسمح أوربا
ولا الولايات المتحدة الأمريكية في
المستقبل لأي نشاط سياسي – مبني على
أي توجه أيديولوجي إسلامي- يتزعمه
مواطنون مسلمون في هذه البلدان. وفي
هذا النطاق، نعتقد أن تحجيم العمل
الإسلامي سيكون من أولويات المرحلة
الجديدة، وأن هذا التحجيم سيكون
بالطبع لصالح توسعة نشاط العمل
المسيحي الذي كان يرى في وجود
المنظمات الإسلامية الأهلية الوطنية
(من داخل هذه البلدان) تحديا كبيرا
تسبب في شل حركته والتقليل من انتشاره.
وحتى
الموقف السياسي الأوربي والأمريكي من
الأحزاب ذات الطبيعة العرقية -
وتحديدا البوسنية والألبانية - سيأخذ
شكلا أكثر تطرفا؛ ويعود ذلك لأن الغرب
ما زال يرى أن الأحزاب العرقية في هذه
الدول ما هي إلا أحزاب دينية. وثمة
مقولة سياسية منتشرة في أوربا وهي:
"إن كل ألباني مسلم وكل مسلم ألباني"،
وهي نفس المقولة التي يرددها
اليونانيون عن الأتراك: "كل تركي
مسلم وكل مسلم تركي". وهذا يعني أن
الحرب المقبلة ستكون حربا على
الأعراق بدلا من الحرب على الإرهاب؛
وبمعنى أكثر تفصيلا: قد يجد الألبان
والبوسنيون والأتراك والسنجق
والبشناق أنفسهم في نفس الزاوية التي
يُحاصر فيها أي مسلم عربي في أماكن
عدة في العالم اليوم، هذا بالطبع إذا
لم يبد هؤلاء المسلمون في البلقان
مرونة شديدة تجاه المطالب الأمريكية.
ومن
هذه الزاوية أيضا، يمكننا القول بأن
دولة مثل صربيا ستكون لها الأولوية في
الرعاية الأمريكية والأوربية في
مرحلة ما بعد سبتمبر، ويكفى زيارة
الرئيس الفرنسي شيراك لبلجراد دليلا
على أن صربيا ستكون حجر الزاوية في
بلقان ما بعد سبتمبر 2001. كما أن
مقدونيا – وفق هذا التصور – سوف تبقى
دولة موحدة؛ وستبقى سدة الحكم في يد
المقدونيين الذين لا يشكلون أغلبية
في واقع الحال؛ وعليه، فدولة كوسوفا
لن ترى نور الاستقلال إلا وفق معطيات
شديدة الاستحالة، أو على الأقل ليس
ذلك في المنظور القريب، ويمكننا
القول بأن مشروع انفصال الجبل الأسود
سوف يتم تأجيله.
لكن
المهم، هو مدى تأثير هذه الأحداث على
العلاقات الإسلامية البلقانية. ففي
الظرف الراهن - الذي وضعت فيه
المنظمات الإغاثية في خانة الشك
والريبة، وفي الوقت الذي تُمارس فيه
ضغوط شديدة على الدول المتبرعة في
الخليج العربي وحتى في إيران
وماليزيا - فإن العمل الإسلامي سوف
يتراجع وبشكل كبير، وسوف يؤثر هذا
التراجع على طبيعة العلاقة والرابطة
التي تربط بين المسلمين في هذه
البلدان وبقية بلدان العالم
الإسلامي، وأعتقد أن هذا في حد ذاته
هدف من أهداف الحملة في البلقان. كما
أن دولة كإيران – عُرفت بتوغلها في
النخب الإسلامية في البوسنة وبعض
مناطق ألبانيا وكوسوفا – سوف تعاني
من تراجع على المستوى القريب.
وفي
المحصلة، فكما يحدث الآن مع باكستان،
فإن عدة دول بلقانية ذات أغلبية مسلمة
بادرت إلى دعم الولايات المتحدة
الأمريكية في حربها ضد "الإرهاب"؛
طمعا في ذهب المعزّ، لكن يبدو أن سيف
المعز سيكون أصدق أنباء من الذهب.

اقرأ
أيضا:
|