|
في
تطور لافت من حيث التوقيت والدلالات،
بدأت الولايات المتحدة الأمريكية
تحركًا دبلوماسيًّا نشطًا نحو قوى
الفصائل الكردية العراقية الموجودة
في شمال العراق، وتوجت واشنطن
اتصالاتها وتحركاتها قبل أيام عندما
قام وفد دبلوماسي أمريكي بزيارة إلى
مناطق شمال العراق الخارجة عن سيطرة
الحكومة العراقية.
ووفقًا
لما أعلنته الإدارة الأمريكية، فإن
زيارة الوفد الذي رأسه مساعد نائب
وزير الخارجية "رايان كروكر"
استهدفت تجديد الولايات المتحدة
تعهدها للأكراد العراقيين بضمان
أمنهم في شمال العراق. ويكتسب هذا
التحرك الأمريكي تجاه المسألة
الكردية أهمية خاصة في ظل التطورات
المحيطة بالملف العراقي، خاصة أنها
الزيارة الأولى من نوعها لوفد
دبلوماسي أمريكي منذ عام 1999؛ الأمر
الذي يدعو للتساؤل حول خلفيات هذه
الخطوة الأمريكية، ودلالة توقيتها،
فضلاً عن المدى الذي يمكن أن تذهب
إليه نتائجها.
زيارة
الدبلوماسيين الأمريكيين انطلقت من
اهتمام أمريكي باستكشاف أبعاد
التطورات الأخيرة فيما يخص أكراد
شمال العراق، والاستفادة من الصورة
التي سيعود بها الوفد الزائر إلى
واشنطن في تحديد اتجاه بوصلة السياسة
الأمريكية تجاه العراق في المرحلة
القادمة، فقد عقد الوفد الأمريكي
اجتماعات مكثفة مع الإدارتين
الكرديتين في أربيل والسليمانية،
والتقى الوفد كلا من مسعود بارزاني
وجلال طالباني، وأبلغهما أن واشنطن
مستعدة لمزيد من ضمان الأمن في
الإقليم في وجه التهديدات المحتملة
باختراق عسكري عراقي.
كما
وضح أن الوفد الأمريكي كان يبحث عن
حقيقة التهديدات العراقية لكردستان،
وطبيعة المبادرة السياسية التي
طرحتها الحكومة العراقية على الأكراد
عبر مبعوث خاص أبلغ الأكراد استعداده
لتطوير الحكم الذاتي للإقليم شرط
استبعاد الفيدرالية.
خلفيات
الاهتمام بالأكراد
يحمل
التحرك الأمريكي الأخير تجاه الأكراد
في طياته أكثر من دلالة مهمة، ليس فقط
لجهة الملف العراقي، لكن أيضًا لجهة
التوازن الإقليمي في المنطقة
العربية، وكذلك فيما يخص العلاقة بين
واشنطن وكل من إيران وتركيا، إضافة
إلى التدهور المستمر الذي تشهده
مجريات الصراع العربي- الصهيوني،
باعتبارها جميعا محددات للسياسة
أمريكية تجاه المسألة الكردية.
لكن
يظل العراق لذاته العامل الأول في
مدخلات القرار الأمريكي بالنسبة
للأكراد في الشمال، ومعروف أن سياسة
أمريكا تجاه العراق تحمل أوجهًا عدة،
وتسير على أكثر من مسار في خطوط
متوازية أحيانًا ومتقاطعة أحيانًا
أخرى، فالملف العراقي في أدراج
الإدارة الأمريكية يضم محور القوة
العسكرية العراقية بمعناها الشامل
ومسألة تحجيمها والحد من فرص استعادة
بغداد قوتها وثقلها الذاتي
والإقليمي، وهناك أيضًا محور
العلاقات العراقية العربية سياسيًّا
واقتصاديًّا.
فضلاً
عن ذلك فإن العامل النفطي يلعب دورًا
أساسيَّا ومهمًا في توجيه سياسات
ومواقف الإدارات الأمريكية
المتعاقبة تجاه بغداد، وبعد التطورات
الأخيرة سيما التفجيرات التي تعرضت
لها واشنطن ونيويورك في الحادي عشر من
سبتمبر الماضي، يعاني الاقتصاد
الأمريكي من اضطراب وتفاقم الأعباء،
وكذلك الأمر بالنسبة لمعظم
الاقتصاديات والأسواق العالمية، ما
يعني أن أي تذبذب في أسعار النفط
العالمية سيزيد من هذه الأعباء بشكل
كبير.
من
هنا، فإن الاهتمام بالعراق قائم لدى
الإدارة الأمريكية لذاته قبل أن
يرتبط باعتبارات وموضوعات أخرى،
بغداد طرف فيها مثل قضية الأكراد.
والعكس أيضًا صحيح، فمسألة الأكراد
تمثل إحدى أهم الأوراق التي تلعب بها
الولايات المتحدة الأمريكية في
تعاطيها مع الملف العراقي، سواء
مباشرة تجاه النظام العراقي، أو بشكل
غير مباشر من خلال قياس ردود الفعل
العربية والإقليمية على مواقف
وتحركات معينة إزاء الأكراد. ومعروف
أن الورقة الكردية تمثل هاجسًا ليس
لبغداد وحدها، لكن أيضًا للدول
العربية، لارتباطها بمقتضيات الأمن
العربي في وجهه الإستراتيجي الإقليمي.
قيود
وتحديات
رغم
التعقد الذي يميز الملف الكردي
حاليًا فإن واشنطن تملك في المسألة
الكردية أكثر من ورقة، أولاها، وربما
أهمها، صلاتها ودعمها لبعض الفصائل
الكردية، التي تحاول تطويرها بحيث
تملك معظم أوراق اللعبة مع كل الفصائل
وليس فقط مع جزء منها. وفي هذا السياق
تستخدم الإدارات الأمريكية
المتعاقبة المال لكسب ولاء الأكراد،
قبل أن تضيف إلى الدعم المالي دعمًا
استخباريًا، لا سيما في مجال تبادل
المعلومات وإقامة شبكات الاتصال
لمواجهة أية تحركات عراقية حكومية من
جهة، ولنيل ثقة الأكراد من جهة أخرى.
إضافة
إلى ذلك فإن واشنطن تستطيع استخدام
الدعم الأوروبي لقضية الأكراد
والأقليات على وجه العموم في الضغط
على حكومات الدول المعنية بهذه
القضية، وهو ما يتجسد بوضوح في مسألة
انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي
ومعاناة أنقرة من قضايا حقوق الإنسان
والتعامل مع الأقليات كعقبة رئيسة
أمام موافقة أوروبا على ضم تركيا إلى
الاتحاد.
لكن
في المقابل، تواجه السياسة الأمريكية
في الملف الكردي عقبات وقيودا لا يمكن
الاستهانة بها، ومن أهم هذه القيود ما
يلي:
دول
المثلث الكردي:
من
المفارقات في المسألة الكردية أن
هناك نوعا من التوافق بين الدول
الثلاث الرئيسة المعنية بهذه
المشكلة، وهي: تركيا والعراق وإيران.
فالدول الثلاث تعتبر أن انفصال
الأكراد يمثل خطًا أحمر لا ينبغي
تجاوزه بحال، يعني مباشرة مساسًا
بالأمن القومي لكل منها، وبالتالي
فإن أي تحرك إقليمي أو خارجي أو حتى من
قبل هذه الدول الثلاث ذاتها في
المسألة الكردية يجب أن يكون داخل هذا
الإطار ولا يتجاوزه.
بل
إن هناك ما يشبه تنسيقا ضمنيا بين
العواصم الثلاث لتحجيم النشاطات
والتحركات الكردية في مناطق الأكراد
داخل الدول الثلاث، ويبدو هذا
التنسيق أكثر وضوحًا بين طهران في
جانب وكل من بغداد وأنقرة في الجانب
الآخر، هذا على الرغم من أن إيران تعد
الأقل قلقاً من المسألة الكردية،
وربما هذا بذاته ما يدفعها إلى
التعامل مع هذه المسألة بدرجة عالية
من الثقة والاطمئنان، واستخدامها
كورقة في صالحها وليست ضدها في منظومة
علاقات الجوار، خاصة من العراق
وتركيا الأكثر تضررًا وقلقاً من
الهاجس التركي.
والمغزى
أن أي تحرك أمريكي تجاه القضية
الكردية أو تجاه شمال العراق يواجه
قيد الانحصار داخل هذا الإطار؛ إذ ليس
من المتوقع بحال أن تقبل أنقرة تقسيم
العراق بحيث تظهر دولة كردية في
شماله، لما سيعنيه ذلك مباشرة من
تهديدات حقيقية لأمنها، حتى لو تمكنت
من إخماد نزعات الانفصال لدى الأكراد
في الجنوب التركي، حيث ستصبح المناطق
الكردية جنوب تركيا أقرب إلى الطابور
الخامس للدولة الوليدة ولأطراف أخرى
عديدة.
وإن
كانت إيران أقل خشية من تقسيم بغداد
أو ظهور دولة كردية في شمال العراق،
فإن هذا لا يعني إقرارها من حيث
المبدأ بجدوى هذه النقلة الجوهرية،
فإذا كان التقسيم سيعني بالضرورة
ظهور دولة شيعية -موالية لطهران
بالطبع- في جنوب العراق، فإنه يعني
أيضًا وجود دولة سنية خالصة في الوسط،
في حين أن الوضع الحالي لا يمثل في
حقيقته أي تهديد أو قلق مذهبي لطهران،
كذلك فإن هذه الدولة الشيعية
المحتملة في الجنوب لن تكون آمنة
تمامًا من مشكلات وتوترات في
علاقاتها مع دول المنطقة السنية،
وبدلاً من أن تصبح امتداداً وتدعيمًا
للفكر الشيعي وبوابة ازدهار له في
المنطقة، فليس من المستبعد أن تصبح
هذه الدولة المفترضة ذاتها مصدر قلق
لإيران، وتتحول إلى رأس حربة في أيدي
دول وأطراف تتربص بإيران.
الموقف
العربي:
لا
يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة لبقية
الدول العربية عن العراق وإيران
وتركيا في رفض تقسيم العراق والخشية
من استخدام الورقة الكردية في
التمهيد لهذا الهدف، بل ربما كانت
الدول العربية أكثر خشية وتوجسًا في
هذا الأمر من دولة مثل إيران- أحد
أضلاع المثلث الكردي ذاته- فتقسيم
العراق إلى ثلاث دويلات أو أكثر مقسمة
مذهبيًا أو عرقيًا يعني مباشرة
اختراق الأمن العربي أكثر مما هو
مخترق بالفعل، والأخطر أنه يفتح
الباب أمام تكرار النموذج في غير دولة
عربية، تتسم بالتعددية الدينية أو
المذهبية أو العرقية، بعضها قريب من
العراق مثل لبنان على سبيل المثال لا
الحصر.
ورغم
أن الوضع العربي بصفة عامة يتسم في
الوقت الراهن بدرجة عالية من التدهور
وقلة التماسك، فإن هذا لا يعني قبول
الدول العربية- لا سيما الرئيسة منها-
بفتح الجبهة الشرقية للمنطقة أمام
خطر التقسيم، لسبب أساسي هو أن
تداعيات هذا الخطر لن تقف عند بغداد
وحسب، ولن تقف أيضًا عند تلك الدول
الأخرى متعددة المذاهب والتركيب
العرقي أو الديني، فإذا كان التقسيم
لن يطال بقية الدول العربية فإنها لن
تسلم من تداعيات سلبية خطيرة ستنجم عن
وجود دويلات صغيرة وكيانات مجزأة على
حدودها.
كذلك
فإن التدهور المستمر والمتزايد في
الصراع العربي-الصهيوني يرفع درجة
الاستياء والغضب العربيين على مستوى
الحكومات وليس فقط الشعوب، ويجعل رد
الفعل العربي على أي تحرك أمريكي في
المنطقة شديد الحساسية والانفعال
لجهة مساسه بثوابت وأسس النظام
الإقليمي العربي. وزاد من حدة هذه
الحساسية تفجيرات واشنطن ونيويورك
وما تلاها من ممارسات إعلامية
وسياسية ضد العرب والمسلمين في
الولايات المتحدة الأمريكية وعواصم
غربية أخرى.
وأخيرًا،
لا يبدو أن تقسيم العراق سيحقق
لواشنطن في المستقبل المنظور أية
مصالح أو أهداف أكثر مما تحصل عليه
واشنطن بالفعل حاليًا، فقد تم تدمير
القوة العراقية العسكرية بصورة شبه
كاملة، واستُبعد العراق من المعادلة
الإقليمية بدءًا من 1990 ولفترة قد تمتد
إلى عقد كامل قادم على الأقل، وفي
الوقت ذاته تجد واشنطن في مواقف
النظام العراقي القائم فرصة مواتية
للتصعيد معه عند اللزوم، وبالتالي
فإن الحاجة إلى مزيد من التدمير للقوة
العراقية أو الحفاظ على الدولة
العراقية في أدنى حدود قدراتها ليس
أمرًا صعبًا على الإدارة الأمريكية
الحالية أو أي إدارة أخرى تالية. من
هنا تنتفي الحاجة إلى تقسيم العراق أو
حتى إلى فصل الشمال الكردي عن الدولة
العراقية على الأقل في الوقت الراهن.
وإن
كان كل ما سبق لا يعني أن تقسيم العراق
غير وارد على الإطلاق، فهو أحد
السيناريوهات الموضوعة على قائمة
الخطط الأمريكية المستقبلية للمنطقة
والعراق على وجه الخصوص، لكن معطيات
الوضع الراهن ترجح أن يكون هذا
السيناريو مستبعدًا أو بالأحرى مؤجلا
طالما استمرت العوامل الأخرى دون
تغيير.
ذريعة
جديدة محتملة
إلام
إذن ترمي الإدارة الأمريكية من
تحركها الأخير تجاه شمال بغداد؟
على
ضوء التطورات التي سبقت زيارة الوفد
الأمريكي إلى شمال العراق، المرجح أن
الخطوة الدبلوماسية الأمريكية تأتي
كتحرك مضاد لمحاولات بغداد فتح حوار
مع الأكراد في الشمال، وللحيلولة دون
تمكين بغداد من تحقيق نتيجة إيجابية
في هذا الاتجاه استغلالاً لانشغال
واشنطن بأفغانستان.
لكن
خطوة واشنطن لا تخلو من بعض الاستثارة
للنظام العراقي في بغداد، ما يشير إلى
احتمال وجود رغبة أمريكية لتوفير
أرضية مناسبة للتصعيد مع العراق من
خلال استثارة ردود الفعل العنيفة
التي تقوم بها بغداد عادة في مثل هذه
المواقف، وحرصًا في الوقت ذاته على أن
يكون السبب هذه المرة جديدًا وبعيدًا
عن تلك الاتهامات التقليدية التي
استهلكت في السنوات السابقة، ولم تعد
ذات مصداقية مثل برامج امتلاك أسلحة
الدمار الشامل ورفض عودة المفتشين
الدوليين، الأمر الذي يجعلنا نعتقد
بضرورة التزام السياسة العراقية أقصى
درجات الحكمة في التعامل مع الملف
الكردي، وتغليب المصلحة الوطنية
للعراق بأكراده وعربه، من خلال
مواصلة الحوار والحلول السلمية، وعدم
توفير تلك الذريعة للقوة الأمريكية
المستنفرة.
اقرأ
أيضا:
|