 |
|
مرشحو
هاشم ثاتشي خسروا الانتخابات |
في
صيف عام 1999، أنهى حلف الأطلسي الوجود
الصربي في كوسوفا، وحلت الإدارة
الدولية مكان الإدارتين الصربية
والكوسوفية. وفي أكتوبر من العام 2000
عقدت الانتخابات المحلية، ووضع
العالم يده على قلبه ساعتها خشية
اندلاع أعمال عنف، خصوصا بين الفصائل
الألبانية التي انقسمت وقتها إلى
فصيلين رئيسيين: أحدهما سياسي سلمي (بقيادة
إبراهيم روجوفا، الزعيم السياسي،
رئيس حزب الرابطة الكوسوفية)، والآخر
عسكري تحول إلى العمل السياسي (بقيادة
هاشم ثاتشي، رئيس الحزب الديمقراطي
الكوسوفي، الذي برز كقائد لجيش تحرير
كوسوفا، والذي استجاب للمطالب
الدولية، وقام بتفكيك الجيش بعد أن
أقنع الغرب بضرورة إلحاق عناصره في
قوة الشرطة المحلية).
أسفرت
انتخابات البلديات – أكتوبر 2000 - عن
فوز مستحق لحزب إبراهيم روجوفا،
اعتبر دليلا على حرص الشعب الألباني
على السلام وتأكيده للنهج السلمي في
المرحلة المقبلة. وأعتقد أن نجاح
تجربة العام الماضي كانت السبب
المباشر في اقتناع منظمة الأمن
والتعاون الأوربي والأمم المتحدة
بأهمية إجراء انتخابات المجلس
التشريعي، التي أجريت قبل أيام (17
نوفمبر 2001). فما الذي تغير في العالم
وأوربا وكوسوفا خلال عام 2000؟ نحاول
هنا أن نقدم قراءة لهذه الانتخابات في
ظل ما جرى للعالم بعد أحداث سبتمبر 2001.
صربيا:
من المقاطعة إلى المشاركة
عمدت
الحكومة في صربيا إلى إفشال انتخابات
أكتوبر الماضي، وعملت ما في وسعها من
أجل التقليل من أهميتها. وقد نجحت في
إقناع صرب كوسوفا بعدم المشاركة
ومقاطعة الانتخابات، فأعلن الرئيس
الصربي كوستنيتشا أن الانتخابات
المحلية لا قيمة لها؛ لأنها لم تحظ
بدعم صربي لا في بلجراد ولا داخل
كوسوفا.
لكن
في انتخابات نوفمبر 2001 كانت الأحوال
مختلفة؛ فصربيا – التي ضغطت من أجل
المقاطعة في انتخابات الأولى – ضغطت
هذه المرة من أجل المشاركة. وبالفعل،
فقد شارك في انتخابات نوفمبر 2001 قرابة
50% من السكان الصرب، مع الوضع في
الاعتبار أن قرابة عشرات الألوف من
الصرب الذين فروا إبان القصف الأطلسي
1999 رفضوا العودة إلى كوسوفا واستقروا
في جنوب بلجراد. فلماذا غيّرت الحكومة
الصربية من موقفها؟
هناك
عدة أسباب، يأتي في مقدمتها الوضع
الدولي الراهن وموقف الإدارة
الأمريكية المتشدد تجاه صربيا الذي –
بالرغم من تحوله بعد تسليم
ميلوسوفيتش – ما زال يرقب التغيرات
داخل صربيا. ويعتقد البعض في الإدارة
الأمريكية أن كوستنيتشا لا يزال يحلم
بضم كوسوفا إلى صربيا، وأنه لم يتخل
عن حلمه في أن تبقى ضمن السيطرة
الصربية. وربما جاءت أحداث سبتمبر
2001– وما تلاها من موقف أمريكي وتشكيل
تحالف دولي ضد الإرهاب – لتشكل ضغطا
نفسيا على الطرفين الألباني والصربي.
فكلاهما يعرف أن أي محاولة لاستخدام
القوة ضد الآخر تعني وضعه في قائمة
الإرهاب، بما يعنيه ذلك من استحقاقه
إما عملا عسكريا أو حصارا سياسيا
واقتصاديا على غرار ما حدث مع طالبان
وتنظيم القاعدة.
وفي
اعتقادي، أن الحكومة الصربية - وكما
جاء في تقارير من داخل بلجراد - باتت
تدرك أكثر من أي وقت مضى أن كوسوفا لا
يمكن أن تعود مرة أخرى إلى أحضان
صربيا، لكي تديرها كما كانت تفعل من
قبل. وعليه، فقد رأت هذه الإدارة أن
تواجد الصرب تحت قبة البرلمان
الجديد، ومشاركتهم في تقرير مصير
الإقليم سيكون أجدى من المقاطعة التي
تمنح الألبان شرعية ومصداقية،
وتنزعهما عن الصرب في داخل كوسوفا
وخارجها. كما أن الصرب يمكنهم أن
يصوتوا لحزب أو لكتلة واحدة ، وهذا ما
لن يفعله الألبان الذين سوف تتقسم
أصواتهم على الأحزاب الألبانية
المشاركة في الانتخابات (حزب الرابطة
الكوسوفية – حزب الديمقراطي
الكوسوفي – حزب التحالف من أجل
مستقبل كوسوفا).
كما
أن الصرب داخل الإقليم أصبحوا يدركون
أن عدم مشاركتهم في الانتخابات وفي
العملية الديمقراطية ستضعف من موقفهم
السياسي أمام المنظمات الأوربية
والدولية؛ وستجعل منهم رقما منسياً
في الوقت الذي يبحثون فيه عن دور في ظل
التوجه الأمريكي الداعم للألبان في
الإقليم.
ألبان
كوسوفا.. الرسالة وصلت!
في
أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر
الماضي، خرجت مسيرات يقودها بعض
الساسة الألبان في إقليم كوسوفا ترفع
أعلاما أمريكية وألبانية.. أضاء
المشاركون الشموع، ووضعوا أكاليل
الزهور على أرواح من ماتوا في هذه
التفجيرات. وقد نقلت وكالات الأنباء
العالمية الخبر، بل إن مجلة "تايم"
الأمريكية قد أشادت بهذا التحرك
واعتبرته "وقفة صديق" من
المسلمين في كوسوفا.
وأشارت
المجلة - في مقال نشر في الثامن عشر من
نوفمبر الجاري بعنوان (Friend in Need ) (أصدقاء
عند الحاجة) - إلى أن ألبان كوسوفا
رفضوا أي دعم من المجاهدين العرب إبان
حربهم ضد الصرب، وأن هذا الموقف
بالطبع كان موقفا مصيبا.
وفي
ظل التحرك الدبلوماسي الكوسوفي،
والتعاطف مع أمريكا في محنتها،
يمكننا القول بأن ألبان كوسوفا قد
أجادوا إدارة الصراع مرة جديدة. فقد
أدركوا أن الاستقلال لم يعد رهنا
بإرادة الشعوب وحدها، بل بشبكة
العلاقات الدولية ومدى توغلها ومدى
وجود أصدقاء من النوع الثقيل أو مدى
وجود مصالح مشتركة. من هنا، فكما أن
أحداث سبتمبر قد أثرت على القرار
الصربي فقد أثرت وبشكل كبير على
القرار الألباني في انتخابات نوفمبر
2001.
الألبان
يدركون أن المجلس التشريعي الجديد لن
يكون بإمكانه وحده تقرير مصير
الإقليم، لكنهم يدركون كذلك أنه بدون
هذا المجلس لا يمكن تقرير مصير
الإقليم. ويبقى قرار استقلال الإقليم
مرهونا بالسلوك الديمقراطي الذي يجب
أن يسلكه الشعب الألباني في كوسوفا،
وبمدى تخليه عن النهج العسكري أو
القتالي لتحقيق أهدافه السياسية.
ورغم أن الولايات المتحدة الأمريكية
شجعت قيام جيش التحرير الكوسوفي،
فإنها - وفي ظل رفضها لأعمال العنف حتى
ولو كانت من أجل الاستقلال ومقاومة
المحتل (كما فعلت مع حماس والجهاد
وحزب الله) - ستضع أي تنظيم ألباني أو
حتى بلقاني تحت المجهر.. وربما ستنال
منه بقوة إذا ما تمرّد عليها.
وفي
ظل إخضاع العالم كله لوجهة النظر
الأمريكية، لم يكن هناك من بد سوى
الاستجابة للعمل السياسي والتحلي
بروح الديمقراطية. وفي ظل هذا المناخ،
توجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع.
لذا لم يكن مستغربا أن يفوز إبراهيم
روجوفا وحزبه في هذه الانتخابات؛
فالألبان – رغم تقديرهم لدور جيش
تحرير كوسوفا في الحرب ضد الصرب –
فهموا الرسالة، وكانت النتيجة فوزا
ساحقا لحزب الرابطة الكوسوفية،
وبنسبة تصل إلى سبعين في المائة. فكما
فهم الساسة الألبان رسالة سبتمبر وما
بعدها، فهم الشارع الألباني ما هو
المطلوب، ومن المطلوب وصوله إلى
البرلمان الذي يكون له دور فاعل في
استقلال الإقليم.
مشاهد
على المسرح الكوسوفي
جرت
الانتخابات، وفي الذاكرة أحداث العنف
التي طالما علقت بالإقليم. ووسط مخاوف
من اندلاع أعمال عنف، فهذه المرة كان
التنافس حادا، خصوصا في ظل هزيمة هاشم
ثاتشي وحزبه في انتخابات المجالس
المحلية في أكتوبر 2000؛ وكذلك في ظل
ارتفاع مستوى الوعي العام داخل
الشارع الألباني، وارتفاع مستوى (الحلم)
بوجود دولة كوسوفية مستقلة.
المهمة
بدت صعبة، لكنها لم تكن مستحيلة.
فهناك 38 ألف جندي من حلف الأطلسي
وسبعة آلاف رجل شرطة محلي ودولي
لمراقبة 1600 مركز اقتراع؛ وهذا الشعور
بالطمأنينة عبّر عنه "دريك شابيل"
المتحدث باسم شرطة الأمم المتحدة في
كوسوفا.
الاستقلال..
الحلم.. الحقيقة
رغم
الشعور العام في الشارع الكوسوفي بأن
هذه الانتخابات هي الدرجة قبل
الأخيرة في سلم الاستقلال، ويستندون
في ذلك إلى أنهم مارسوا ضبط النفس
بشكل كبير، وبأنهم نالوا شهادات
دولية من الممثل الدولي السابق
كوشنر، ومن منظمة الأمن والتعاون
الأوربي، خصوصا في مرحلة ما بعد
انسحاب الصرب -فإن الإدارة الدولية
الجديدة (بقيادة هانس هايكروب) ترى أن
الانتخابات لا علاقة لها بالاستقلال؛
وبأن التصويت على الاستقلال أمر لم
يحسم بعد؛ وأن مستقبل الإقليم ما زال
متعدد الخيارات.. وهذا وإن أغضب
الألبان، فهو حسب رأي البعض يخدم
عملية التصالح وتهدئة الجانب الصربي.
وفي
المقابل، فإن الزعماء السياسيين في
الجانب الألباني يرون أن عملية
الاستقلال هي مسألة وقت، بل إن
إبراهيم روجوفا قد ذهب بعيدا، حين قال
بأن الاستقلال سيساهم بشكل كبير في
استقرار أوربا. فهل سيساهم الاستقلال
فعلاً في دعم استقرار أوربا أم سيزيد
من الاضطرابات؟
باسترجاع
التجارب التاريخية مع الاحتلال في
مناطق عدة حول العالم، نجد أن معظم
الصراعات في العالم لم تهدأ إلا بعد
الوصول إلى تسوية سياسية ترضي الشعوب
المحتلة في المقام الأول؛ وإن حافظت
على مصالح أو بعض مصالح المحتل في
أحيان كثيرة.
وفي
هذا المجال، فإن استقلال كوسوفا يمكن
أن يلعب دورا فعليا في استقرار أوربا؛
لأن هذا الاستقلال سيؤدي إلى اختفاء
العمل المسلح كليا من الإقليم،
وسيحول الأنظار إلى عملية التنمية
التي تجمدت لعشرات السنين هناك. كما
أن استقلال الإقليم سيضع أي قيادة
سياسية جديدة فيه على محك المصداقية
والالتزام بالمعاهدات والمواثيق
وعدم الاعتداء. وبكلمات مختصرة، لن
تصبح كوسوفا مسرحا لتدريب قوات، أو
ملجأ آمنا لأي تنظيمات من هنا أو هناك.
وهذا ما يلوح به الألبان وما يكررونه
بقولهم: لم نستعن بأي مقاتلين من
الخارج، ولم نسمح بدخول مجاهدين إلى
أراضينا.
لكن
من ناحية أخرى، فإن استقلال كوسوفا قد
يلعب دورا سلبيا في استقرار أوربا؛
لأنه ببساطة سيفتح الباب على مصراعيه
أمام المقدونيين، لكي يطالبوا بتقسيم
مقدونيا أو إقامة كونفدرالية بين
الألبان والمقدون في مقدونيا في حال
تعثر الإصلاحات الدستورية الراهنة. (وهذا
ما يفسر لماذا وافق البرلمان
المقدوني على الإصلاحات رغم تردده في
الموافقة قبل أحداث سبتمبر).
لكن
في المحصلة، فإن انتخابات نوفمبر
ستضع كوسوفا في مصاف الدول بعد أن ظلت
مجرد إقليم متمرد على إدارة الصرب في
يوغوسلافيا؛ وستمكن شعبها من تشكيل
حكومة واختيار رئيس يدير البلاد إلى
جوار الإدارة الدولية.
اقرأ
أيضًا:
|