|
الصراع
الدائر الآن والممتد في آسيا الوسطى
والقوقاز ليس وليد اليوم، وإنما تمتد
وقائعه لأكثر من خمسة قرون. وإذا كان
اللاعبون الدوليون على المسرح قد
تغيرت مسمياتهم اليوم، فإن بواعث
الصراع تظل كما هي دون تغيير - الثروة
والموقع الإستراتيجي - وهما جناحا
القوة لأي إمبراطورية تتطمح في
التمدد والهيمنة.
ما
الذي يجري هناك طوال هذه الحقبة
الضاربة في بطون التاريخ والجغرافيا
معا؟ في منتصف القرن الخامس عشر
الميلادي (التاسع الهجري) كانت
المنطقة ( آسيا الوسطى – القوقاز –
حوض نهر الفولجا) محلا لصراع طويل بين
القوى الكبرى المهيمنة في ذلك الوقت،
وهي الإمبراطورية العثمانية
والإمبراطورية القيصرية.
فقد
شهدت فاتحة القرن الخامس عشر
الميلادي بروز الإمبراطورية
القيصرية على الساحة الدولية - منطلقة
من "دوقية موسكو" - في نفس الوقت
الذي شهدت فيه الساحة على الجانب
الآخر بروز الإمبراطورية العثمانية
التي ترامت أطرافها إلى بقاع عديدة في
العالم.
ولم
ينتصف القرن الخامس عشر، حتى أصبح
العثمانيون والقياصرة يخوضان صراعا
دمويا مريرا للانفراد بالسيطرة علي
المنطقة وإعادة صياغة جغرافيتها
وتاريخها، كل وفق مشاريعه. في تلك
الآونة، كان مسلمو المنطقة يعيشون في
ظل مملكة مترامية الأطراف – ضمن
الإمبراطورية العثمانية - أطلق عليها
تاريخيا "مملكة المغول والتتار"؛
وقد أصبحوا رأس الرمح في مواجهة
القياصرة. لكن المملكة المغولية لم
تصمد طويلا؛ فقد دب الضعف في أوصالها،
وبدأت تعاني عوامل التحلل والانهيار
بعد أن عجزت الامبراطورية العثمانية
عن مواصلة الدعم والإسناد أمام الدعم
اللامحدود الذي لاقاه القياصرة من
شعوب المنطقة، مستغلين صلاتهم
العرقية (السلافية) والمذهبية (الأرثوذكسية).
وبعد حروب دامية امتدت من العام 1425م
حتي عام 1822م (أربعة قرون) كانت الغلبة
في نهايتها للقياصرة.
وبقيام
الثورة البلشفية عام 1917م، ورثت
الإمبراطورية السوفيتية القياصرة في
إدارة المنطقة. لكن القوى الكبرى في
ذلك الوقت - مثل بريطانيا العظمى
وألمانيا واليابان - رمقت المنطقة
باهتمام بالغ ولعبت مشاريع السيطرة
برؤوس قادتها. فقد أرسل هتلر - خلال
الحرب العالمية الثانية - حملة كبيرة
من جيشه إلى منطقة قزوين للاستيلاء
على حقول النفط؛ لكن الحملة منيت
بالإخفاق.
ولم
يلجم تلك الأطماع إلا ذلك التحالف
الذي انعقد بين السوفييت والإنجليز
ضد الألمان؛ وهو الحلف الذي وضع – في
نفس الوقت – نهاية للمواجهات التي
تفجرت بين الإنجليز والسوفييت صراعا
على نفط قزوين. وظل الاتحاد السوفييتي
محكما قبضته على المنطقة؛ فقد ضم جميع
دولها تحت علمه وفي قبضته خلال فترة
ازدهاره؛ فلم تتمكن أي من القوى
الدولية من الولوج إليها.
لكن
انهياره في العام 1991م، خلّف
إمبراطورية مفككة، سرعان ما دب
العداء بين دولها لرواسب متراكمة على
مدى عقود من الزمن. هذا الوضع أوجد
فراغا واسعا في المنطقة، بما أغرى قوى
دولية عديدة للسباق لملئه. وقد حفل
هذا السباق بتدافع وتصادم اتخذ
أشكالا عديدة. وربما يمتد هذا الصراع
لسنوات قادمة؛ فالمنطقة مالكة لموقع
إستراتيجي حاكم وتمتلك في باطنها
وظاهرها ثروات تستحق من أي قوة دولية
– طامحة في الانفراد بالنفوذ
والسيطرة على العالم – أن تبذل في
سبيلها الكثير.
وبين
بروز الإمبراطورية القيصرية في القرن
الخامس عشر، وسقوط الإمبراطورية
السوفيتية في نهايات القرن العشرين
شهدت المنطقة متغيرات عديدة. فقد
تغيرت القوى المهيمنة على المسرح
الدولي، وتغيرت المفاهيم وتغيرت
طبيعة الصراع وطرق إدارته؛ كما تغيرت
جغرافية المنطقة فأصبحت تحمل أسماء
متعددة لمناطق ودول جديدة. فقد انفك
الاتحاد السوفييتي إلى مناطق متعددة،
مثل آسيا الوسطى والقوقاز ودول
الكومنولث ودول أخرى؛ وأصبح طبيعيا
أن تتوزع الثروات بين دول متعددة كل
منها لها وجهتها وعلاقاتها الدولية،
وأصبحت المنطقة مسرحا واسعا وساخنا
لسباق قوى دولية عديدة.
اقرأ
في هذا الموضوع:
اقرأ
أيضًا:
|