|

|
|
الرئيس السوداني عمر حسن البشير |
لم تكن
العلاقات السودانية- الأمريكية تتسم
بالتوتر والاضطراب في بدايات عهد
ثورة الإنقاذ الوطني، التي اندلعت
عام 1989م، قاضية على النظام
الديمقراطي المنتخب منذ أبريل 1986م
برئاسة "الصادق المهدي" زعيم حزب
"الأمة".
فالولايات
المتحدة لم تستخدم القانون "513": (القاضي
بحجب المساعدات الاقتصادية عن
الأنظمة أو الحكومات التي تطيح بوضع
ديمقراطي، أو لا تذهب لتطبيق الأسلوب
الديمقراطي في الحكم)، وقد ذكر مسؤول
أمريكي للرئيس البشير: "رغم أن
القانون 513 لا يجيز التعاون معكم،
فإننا بصدد مخرج لهذه المادة؛ لأننا
مقتنعون بأن الوضع الحالي أفضل من
الماضي". ويرجع ذلك إلى أن الولايات
المتحدة كانت تريد التخلص من الصادق
المهدي -طوال الأشهر الستة التي سبقت
الإنقاذ-، لكنها في الوقت نفسه لم
تُرِد الظهور علانية بمظهر الموافق
على السماح بالتخلص من الديمقراطية.
بداية
العداء المتبادل
وبعد
أن تكشفت هوية نظام الإنقاذ
الإسلامية، ورفضه لهيمنة النظام
الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة،
كما عبر عن ذلك النظام في موقفه من حرب
الخليج الثانية -ازدادت الأمور
تعقيدًا. وبعد تأسيس المؤتمر الشعبي
الإسلامي في 1991م الذي ضم عددًا من
الحركات الإسلامية العالمية وتزعمه
الدكتور الترابي، بدأت الولايات
المتحدة في تغيير سياستها تجاه
السودان، وتمثلت سياستها الجديدة في:
1- اتهام السودان بالإرهاب وإيوائه
ودعمه.
2-
وضعه ضمن الدول الراعية للإرهاب
في 1992م.
3-
مساندة حركة التمرد بجنوب
السودان ودعمها.
من
جانبها رفضت الحكومة السودانية ذلك،
وبدأت تعمل على التعبئة ضد الولايات
المتحدة، فظهرت في أدبيات الإنقاذ
الأنشودة الجهادية التي دائمًا ما
تتكرر في حضور الرئيس البشير:
|
ليكم
تسلحنا
|
الطاغية
الأمريكان
|
|
ليكم
تدربنا
|
بقول
الله وقول الرسول
|
وبدأت
الولايات المتحدة تحشد المنظمات
الدولية والدول الغربية ضد السودان،
وقد نجحت في ذلك، وتمثل ذلك في:
1- قرار الاتحاد الأوروبي تجميد
عضوية السودان ومخصصاته من اتفاقية
لومي حتى 1991م.
2- تجميد عضوية السودان في صندوق
النقد الدولي في 1994م.
3-
قرارات مجلس الأمن 1044، 1054، 1070
بالإدانة والعقوبات عقب محاولة
اغتيال الرئيس المصري بأديس أبابا 1995م
واتهام السودان في الضلوع بتلك
المحاولة.
وكانت
ذروة التصعيد الأمريكي ضد السودان هو
قصف الصواريخ الأمريكية لمصنع الشفاء
للأدوية في 1998 بحجة أنه يصنع مواد
كيميائية، وذلك عقب تفجير سفارتي
الولايات المتحدة بكينيا وتنزانيا.
السياسة
الأمريكية تجاه جنوب السودان
تدخلت
الولايات المتحدة في مشكلة جنوب
السودان بالدعم المادي والمعنوي
لحركة التمرد، وتقديم العديد من
المساعدات المالية، وفي أكتوبر 1993
أقامت لجنة الشئون الإفريقية
بالكونجرس ومؤسسة السلام الأمريكية
ندوة "السودان: المأساة المنسية"
لدراسة أسباب الصراع في السودان، وقد
اتفقت الندوة على أن مسببات الحرب
عديدة إلا أن السبب الرئيسي يرجع
للعامل الديني.
وتبنت
الولايات المتحدة صراحة دعم مبادرة
"إيجاد"، لأنها تتضمن حق تقرير
المصير، وفصل الدين عن الدولة، ووعدت
بدعمها.
وفي
فبراير 2001م أصدر "مركز الدراسات
الإستراتيجية" مشروعا أمريكيا
بعنوان: "الورقة الأمريكية لتحقيق
الحل السياسي الشامل"، وأوصى
بتكوين تحالف دولي للضغط على حكومة
السودان.
تحول
السياسة الأمريكية تجاه السودان
إلى
فبراير 2001م كانت السياسة الأمريكية
تضغط على نظام الإنقاذ لتفكيكه
والعمل على انصهاره، إلا أن تحولا طرأ على
هذه السياسة، نتيجة عدة أسباب:
1-
اقتناع الإدارة الأمريكية (الجمهورية)
بالفشل النسبي للإدارة الأمريكية
السابقة (الديمقراطية) في تدابيرها
تجاه عزلة السودان عن المجتمع
الدولي، التي لم تؤد إلا إلى تقوية
النظام السوداني.
2- زار السودان وفد أمني رفيع
المستوى في أواخر شهر أغسطس 2001م
واطمئن على عدم رعاية السودان
للإرهاب، بعد أن تجوّل في عدد كبير من
الولايات السودانية، وقدم تقديره
للإدارة الأمريكية، ذلك التقرير الذي
وصفه وزير الخارجية السوداني بأنه
"تقرير إيجابي".
3-
لقاء وزير الخارجية، د. مصطفى
عثمان، بمساعد وزير الخارجية
الأمريكية للشئون الأفريقية "ولتر
كانستنر" في لندن، وقد اتسم اللقاء
بالصراحة وإعادة فتح العلاقات بنهج
جديد، ويعتبر ذلك اللقاء أول لقاء بين
مسؤولَيْن سوداني وأمريكي في الإدارة
الجمهورية. الجدير بالذكر، أن ذلك
اللقاء سبقه اتصال هاتفي بين وزيري
خارجية الدولتين.
4-
بات السودان ضمن الدول النفطية،
التي يعتبر نفطها من النوع الجيد،
وتنبهت الولايات المتحدة لذلك،
بالإضافة إلى دخول الدول الآسيوية من
بوابة البترول وبسط نفوذها في
السودان، خاصة الصين، الأمر الذي
أزعج الولايات المتحدة وجعلها تسارع
بالتحرك تجاه السودان.
5-
أدى الانقلاب الداخلي لنظام
الإنقاذ على منظّره الدكتور الترابي-
الذي تعتقد الولايات المتحدة وقوفه
خلف جميع حركات الإسلام السياسي في
العالم العربي- وإدخاله السجن، إلى
تغيير كبير في نظرة الولايات
المتحدة، وإمكانية الاستفادة من ذلك
الانقلاب لمصلحتها.
6-
أدى تسارع الخطى نحو تحقيق السلام
بالسودان وإمكانية إيجاد الحل
السياسي الشامل، بعد قبول جميع
الأطراف المبادرة المصرية- الليبية،
إلى خشية الولايات المتحدة من
استبعادها تمامًا من عملية إدارة
الصراع السوداني، فبادرت بالتحرك
نحوه.
7-
أوضح رد الفعل السوداني بعد أحداث
سبتمبر 2001 والذي تمثل في رفضه للإرهاب
وإدانته له، وتقديم العزاء للضحايا،
وتقديم معلومات للولايات المتحدة عن
عدد من الحركات التي تُتّهم بدعم
الإرهاب -تغييرا كبيرا في مدركات
النخبة الحاكمة تجاه الولايات
المتحدة، التي من جانبها تحمست
للتقارب والتطبيع.
مظاهر
التقارب الأمريكي- السوداني
تمثلت هذه المظاهر فيما يلي:
1-
إرسال مبعوث السلام الأمريكي، وهو
يختلف عن هاري جونسون المبعوث الشخصي
للرئيس السابق عام 1996 ، فمنذ الوهلة
الأولى تمت تسمية المبعوث بـ"مبعوث
السلام" دلالة على تحقيق الحل
السياسي للمشكل السوداني وإحلال
السلام بالبلاد.
2-
رفع العقوبات عن السودان من قبل مجلس
الأمن بعد امتناع الولايات المتحدة
عن التصويت (لتمرير القرار)، فقد تم في
جلسة المجلس التي تم تأجيلها بسبب
أحداث الولايات المتحدة الأمريكية ـ
من 16/9 إلى 27-9-2001 رفع العقوبات
الاقتصادية عن السودان، بعد أن قدمت
مصر وإثيوبيا تقريرهما عن السودان،
وأكدا فيه عدم ضلوعه في محاولة اغتيال
الرئيس المصري بأديس أبابا 1995.
3-
تقديم الولايات المتحدة مساعدات
للسودان تصل إلى (30) مليون دولار، مع
التصريح بإمكانية رفعها إلى (100) مليون
دولار، للتنمية في المناطق الشمالية
والجنوبية؛ ما يؤكد عدم تحيز
الولايات المتحدة للمناطق الجنوبية
فقط.
ردود
الفعل حول التقارب السوداني-
الأمريكي
الحكومة
السودانية:
رحبت
ترحيبًا كبيرًا بالتقارب والتطبيع،
اللذين كانت تسعى لهما منذ أواخر
التسعينيات من القرن العشرين، وباتت
مستعدة للتعاون مع الولايات المتحدة
بفعل الضغوط الخارجية، وازدياد نشاط
المعارضة، وحركة التمرد، ولتحقيق عدد
من المكاسب:
1-الخروج
من دائرة الحصار برفع العقوبات.
2-
التقارب مع دول الاتحاد الأوروبي-
حليفة الولايات المتحدة- وبالفعل فقد
صرحت السوق الأوروبية باستعدادها
لشراء صادرات اللحوم والسكر من
السودان.
3-
إغلاق ملف المشكلات مع دول الجوار،
خاصة إريتريا، وأوغندا، وقد أبدت
الدولتان استعدادًا لذلك.
4-
تقوية موقفها في المفاوضات مع حركة
التمرد، إذ أصبحت الحكومة ميالة
للمبادرة المصرية- الليبية، وتحاول
الوصول لحل سلمي من خلالها، ومن جهة
أخرى تعمل على تفكيك مبادرة الإيجاد.
حزب
الأمة:
حزب
الأمة كان يرى في الولايات المتحدة
قوة تدفع نحو تحقيق أجندة
الديمقراطية والمؤتمر الشوري الذي
تسوّق له أجهزة الحزب. وقد زار رئيسه
الولايات المتحدة قبل عدة أشهر
لتوضيح رؤيته، وصرح بأن "التقارب
الأمريكي- السوداني، في مصلحة الشعب
السوداني، ولكن يجب أن لا يكون بأي
ثمن"!!
ومن
جانب آخر، كوّن الحزب لجنة لتدارس أمر
الإرهاب الدولي، وما لحق بالولايات
المتحدة مؤخرا.
الحزب
الاتحادي الديمقراطي:
يعيش
هذا الحزب أسوأ حالاته هذه الأيام،
بعد أن أصبح مع حركة التمرد والقوى
اليسارية والقبلية داخل التجمع، بعد
انسحاب حزب الأمة من التجمع، كما يعيش
انشقاقات حادة، عقب تكوين "الشريف
زين العابدين الهندي" الحزب
الاتحادي الديمقراطي، وتسجيله ضمن
أحزاب التوالي، وبالرغم من أن "لجنة
التوحد الاتحادية" فرغت من
أعمالها، فإن الانشقاق في صفوف الحزب
ما زال هو المسيطر.
وقد
بدأ الحزب إزاء الأحداث الأخيرة
سابحًا عكس التيار، ففي بيان له صدر
بإريتريا عقب أحداث 11-9 ورد فيه: "لا
بد من اجتثاث الحكومة السودانية التي
تحتضن الإرهاب"، في إشارة لتأليب
المجتمع الدولي ضد النظام بالسودان.
خلاصة
وتقويم
بالرغم
من التقارب السوداني- الأمريكي، فإن
طابع الحذر ما زال مسيطرًا على
الجانبين؛ فقد وجهت الولايات المتحدة
تحذيرًا لرعاياها بعدم السفر للسودان
بعد بدء ضرب أفغانستان.
ومن
جهته صرح د. "إبراهيم أحمد عمر"
الأمين العام للمؤتمر الوطني، بأن
التقارب السوداني- الأمريكي لم يؤثر
على علاقة الحكومة بالحركات
الإسلامية التي تقدر ذلك التقارب،
كما رفض اليسار السوداني الحرب على
أفغانستان، وطالب الولايات المتحدة
بوقف الحرب وإنشاء آلية دولية
لمكافحة الإرهاب، معتبرا أن الحرب
"لن تكون وسيلة فعالة لمحاربة
العنف"، وأكد ضرورة معالجة مثل هذه
القضايا تحت مظلة الأمم المتحدة.
اقرأ
أيضًا:
|