 |
|
فتح
تصر على مواصلة المقاومة |
كما
كان متوقعًا فإن اتفاق وقف إطلاق
النار لم يصمد ثانية واحدة، فأكثر من
ثلاثين شهيدًا فلسطينيًّا سقطوا منذ
أن توصَّل كل من الرئيس الفلسطيني
عرفات ووزير خارجية إسرائيل شمعون
بيريز لتفاهم وقف إطلاق النار.
في
المقابل شهدت هذه الفترة انقلابًا
نوعيًّا في عمليات المقاومة التي
قامت بها المنظمات الفلسطينية؛ فقد
أصيب رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون
ومؤسسته الأمنية بالصدمة عندما اقتحم
عنصران من الجناح العسكري لحركة
المقاومة الإسلامية (حماس) مستوطنة
"إيلي سيناي" في شمال قطاع غزة
التي استثمر جيش الاحتلال جُلَّ
إمكانياته لتوفير الحماية لسكانها.
كذلك أصيب بيريز -أكثر وزراء حكومة
شارون تحمسًا لوقف إطلاق النار-
بالحرج عندما كانت حركة التحرير
الفلسطيني "فتح" التي يرأسها
الرئيس عرفات هي أول منظمة تنفِّذ
عملية مسلحة داخل "الخط الأخضر"
بعد التوصل لتفاهم وقف إطلاق النار؛
إذ أعلن الجناح العسكري للحركة
المعروف بـ "كتائب شهداء الأقصى"
مسؤوليته عن تنفيذ عملية "العفُّولة"
التي أسفرت عن مقتل وجرح عشرين
إسرائيليًّا.
إطلاق
يد الجيش الإسرائيلي
هذه
التطورات أوجدت مبررًا لكل من شارون
ومن خلفه قادة الجيش لأن يمرِّروا
داخل الحكومة الائتلافية
الإسرائيلية جملة من القرارات
الميدانية التي تقبر تفاهم وقف إطلاق
النار. ولعلها كانت من المفارقات
القليلة أن يشارك كل من بيريز والوزير
رحبعام زئيفي -زعيم حركة "موليدت"
التي تطالب بطرد العرب من فلسطين– في
صياغة قرار الحكومة الذي يفوِّض
الجيش "للقيام بكل العمليات
الميدانية اللازمة لحفظ أمن إسرائيل
والإسرائيليين".
وقد
فسَّر شارون نفسه هذه القرارات بأنها
تعني العودة لسياسة التصفيات الجسدية
لقادة التنظيمات الفلسطينية
الأمنيين والسياسيين، إلى جانب إعادة
احتلال مناطق السلطة الفلسطينية،
وعدم تقديم أي تسهيلات حياتية
للفلسطينيين الذين يخضعون لحصار خانق
منذ أشهر.
وسرعان
ما وجدت هذه القرارات ترجمتها
الميدانية؛ فقد أعاد الجيش
الإسرائيلي احتلال حزام كبير في شمال
قطاع غزة، واحتلال ثلاثة من أكبر
أحياء مدينة الخليل، بحجة تواصل
عمليات إطلاق النار على الجيوب
الاستيطانية في المدينة، إلى جانب
تدمير البيوت واقتلاع الأشجار. كما
حاولت المخابرات الإسرائيلية "الشاباك"
اغتيال أحد نشطاء فتح في منطقة "بيت
لحم"، وجدَّدت القوات الخاصة
أنشطتها في مجال الاختطاف؛ إذ اختطفت
هذه الوحدات عددًا من عناصر فتح
والجهاد في شمال ووسط الضفة الغربية.
شارون
يهين بوش!
على
الرغم من كل هذه القرارات -التي جاءت
أيضًا لاسترضاء رجل الشارع
الإسرائيلي- فإن شارون يعي -كما يعي
جميع المراقبين الإسرائيليين- أن
استمرار الأوضاع الأمنية على هذا
النحو لا يمكن تقبله مطلقًا، وأن
مستقبله السياسي في خطر حقيقي. فقد
مرَّت ثمانية أشهر من انتخابه لرئاسة
الوزراء، ولم يتحقق وعده الشهير في
حملته الانتخابية بقمع الانتفاضة
خلال مائة يوم. ولم يجد مستشاروه
لشؤون الأمن الذين أعدوا الخطط -بدءاً
بخطة "المائة يوم"، وانتهاء بخطة
"سكين ذات أثر باهت"- أثرًا
لخططهم في وضع حدٍّ لأنشطة المقاومة
الفلسطينية.
لكن
الذي زاد الطين بِلَّة بالنسبة إلى
شارون أن الفلسطينيين أخذوا يحققون
منجزات سياسية -ولو بشكل رمزي- بالذات
بعد التفجيرات التي هزَّت كلاًّ من
نيويورك وواشنطن، مع العلم أن شارون
راهن على أن تشكل هذه الأحداث فرصة
تساعده في القضاء على الانتفاضة دون
أن يحقق الفلسطينيون أي إنجازات
سياسية. فقد شعر شارون بالصدمة عندما
كشف النقاب عن أن الإدارة الأمريكية -بالتنسيق
مع السعودية ومصر- قد أعدَّت خطة
سياسية لحل شامل للقضية الفلسطينية
تقوم على إقامة دولة فلسطينية.
والذي
أغضب شارون بشكل خاص تصريحات بوش التي
أعلن فيها أنه يؤيد إقامة دولة
فلسطينية. شارون وأركان اليمين في
دولة الاحتلال اعتبروا أن بوش -من أجل
تسهيل إقامة تحالف دولي بمشاركة
الدول العربية والإسلامية- يمكن أن
يذهب بعيدًا في استرضاء العرب.
ومن
هنا وجَّه شارون إهانة غير مسبوقة
للرئيس بوش، حين قال: "إن الولايات
المتحدة لم تتعلَّم من دروس التاريخ؛
فهي تتملَّق العرب من أجل إقامة
التحالف الدولي، وهي تريد بيع
إسرائيل، كما باعت الدول الديمقراطية
دولة تشيكوسلوفاكيا في عام 1938م
لألمانيا النازية". هذه الملاحظات
تعني أن شارون يشبِّه بوش برئيس وزراء
بريطانيا في عام 1938م "تشامبرلين"
الذي تكرَّست له صورة القائد الجبان
والمتردد أمام هتلر في الذاكرة
الجمعية للأوروبيين.
والذي
أحبط شارون بشكل خاص أن الإدارة
الأمريكية -حتى هذه اللحظة- رفضت ضم كل
من "حماس" و"الجهاد الإسلامي"
و"حزب الله" إلى قائمة المنظمات
الإرهابية التي تتوجَّب محاربتها من
قبل التحالف الجاري إنشاؤه بقيادتها -مع
العلم أن هذه الإدارة تُبْقي على هذه
المنظمات في قائمة المنظمات
الإرهابية من زاوية النظر الأمريكية
الخاصة-؛ وذلك لأن الإدارة الأمريكية
تعِي الدعوات المتصاعدة من الدول
العربية والإسلامية التي ترى ضرورة
التمييز بين المنظمات التي تتبنَّى
الإرهاب من أجل الإرهاب، وبين منظمات
المقاومة التي تقاتل من أجل الحرية.
"أنتلينا"
فلسطينية!
الرئيس
عرفات يشعر بأن هناك فرصة تاريخية
توشك أن تفلت من يديه. فقد حقَّق
إنجازًا كبيرًا عندما فشلت رهانات
شارون على أن تشكِّل التفجيرات في
أمريكا مناخًا دوليًّا يسهِّل ضرب
الفلسطينيين، كما أن كشف النقاب عن
الخطة الأمريكية والطمأنات التي بعثت
بها الحكومة السعودية للقيادة
الفلسطينية بشأن هذه الخطة كانت
مُغرية لعرفات لدرجة جعلته يبذل جهده
من أجل الإثبات للأمريكيين أنه يسعى
لاحترام وقف إطلاق النار، حتى بالرغم
من الخروقات الإسرائيلية المتزايدة
التي يصعب التعايش معها.
لكن
عرفات فشل في إقناع المنظمات
الفلسطينية بالالتزام بتفاهم وقف
إطلاق النار؛ فجميع قادة التنظيمات
الفلسطينية –بما فيها "فتح"-
أعلنوا أنهم ماضون في العمل المسلح،
وقد كان مُحرجًا لعرفات بشكل خاص أن
تكون "فتح" بالذات هي التي تنقل
العمل المسلح مجددًا إلى داخل "الخط
الأخضر"، بالذات بعد التوصل لتفاهم
وقف إطلاق النار.
وزير
الخارجية الأمريكي كولن باول أعلم
عرفات أن الإدارة الأمريكية لن يكون
بإمكانها القيام بأي خطوة تجاه
السلطة في حال لم تعمل على احترام وقف
النار بشكل تام. والسلطة بدورها تعي
أن الجدل في أروقة الإدارة لم يُحسم
بعد بشكل تام حول أولويات التحالف
الدولي الجديد. وأكثر ما يخشاه عرفات
وأركان السلطة أن تخضع الإدارة
الأمريكية في وقت لاحق للضغط
الإسرائيلي والصهيوني، وأن تضم "حماس"
و"الجهاد الإسلامي" لقائمة
المنظمات الإرهابية التي تتوجب على
التحالف الجديد محاربتها. وهذا يعني
أن التحالف الجديد سيفرض على السلطة
اشتراطات كبيرة في مجال محاربة هاتين
المنظمتين في الوقت الذي يتواصل فيه
الاحتلال، ومع علم عرفات أن شارون لا
يملك خطة سياسية لحل معقول للقضية
الفلسطينية.
شارون
استنجد بقادة المنظمات اليهودية من
أجل إقناع الإدارة الأمريكية بضم "حماس"
و"الجهاد" و"حزب الله"
لقائمة المنظمات التي سيحاربها
التحالف الجديد، والحيلولة دون أي
خطوة جدية تجاه السلطة الفلسطينية.
وهناك
ضغط آخر يمارسه رجال "اليسار"
الإسرائيلي الذين يحافظون على اتصال
مباشر مع عرفات، فهؤلاء يطلبون منه أن
يكون على غرار الزعيم الصهيوني بن
غوريون الذي أمر في العام 1948م بإغراق
السفينة "أنتلينا" التي كان على
متنها عشرات العناصر التابعين لحركة
"ليحي" الصهيونية المتطرفة التي
كان يتزعمها مناحيم بيجن؛ لأنه
توصَّل إلى قناعة مفادها أنه لا يمكن
السماح بالاحتفاظ بميليشيا مسلحة إلى
جانب القوات النظامية للجيش
الإسرائيلي. ويشدِّدون على مسامع
عرفات بأنه يتوجب عليه أن تكون له "أنتلينا"
خاصة به، في تحريض واضح على ضرب
المنظمات الفلسطينية التي تتبنَّى
العمل المسلح ضد إسرائيل، متجاهلين
أن بن غوريون عندما اتخذ القرار كان
يُعِدّ العدة للإعلان عن قيام "دولة
إسرائيل" على 78% من أرض فلسطين.
عرفات..
خطوات عملية
كل
الدلائل تشير إلى أن عرفات جاد في
العمل على إلزام المنظمات الفلسطينية
باحترام تفاهم وقف إطلاق النار.
والمعضلة أمام عرفات تتمثل في "فتح"
التي يتزعمها؛ فالعمليات العسكرية
التي تنفِّذها هذه الحركة تسبِّب
حرجًا كبيرًا له أمام الأمريكيين
والأوروبيين، فضلاً عن الإسرائيليين
الذين يقولون: إذا كان عرفات غير قادر
على إلزام الحركة التي يتزعمها بوقف
العمل المسلح، فإنه لن يكون قادرا على
إلزام حركات المعارضة.
عرفات
اتخذ خطوات عملية بعيدة المدى لمنع
رجال "فتح" من مواصلة العمل
المسلح؛ فقد أقال عددًا من المسؤولين
الأمنيين في قيادة الأجهزة الإدارية
والأمنية؛ لأنهم فشلوا في منع رجال
"فتح" من العمل المسلح ضد
الأهداف الإسرائيلية، فقد أقال عرفات
محافظ مدينة "بيت لحم" وقادة
الشرطة وقوات الأمن الوطني في
المنطقة؛ لأنهم لم ينجحوا في اعتقال
عدد من كوادر "فتح" الذين يرفضون
الالتزام بوقف إطلاق النار.
إلى
ذلك فإنه من المعروف أن عددًا كبيرًا
من رجال المقاومة الشعبية -لا سيما في
قطاع غزة- هم من عناصر "فتح"
الذين يخدمون في الأجهزة الأمنية. وقد
مُورست ضغوط على هؤلاء؛ لكي يُلقوا
السلاح من أجل إنجاح تفاهم وقف إطلاق
النار. وفي حال نجاح السلطة في إقناع
رجال "فتح" أولاً بعدم مواصلة
إطلاق النار؛ فمما لا شك فيه أنها
ستنتقل إلى المعارضة -لا سيما
الإسلامية- لإجبارها على وقف النار.
قادة
المعارضة أنفسهم يتوقعون أن تقوم
السلطة بحملة اعتقالات في صفوفها؛
فالسلطة تشعر بأنها في عجلة من أمرها،
وأنها معنيَّة تمامًا بعدم إغضاب
الإدارة الأمريكية بعد أن فشلت حكومة
شارون حتى الآن في استغلال ما جرى في
الولايات المتحدة وتوظيفه لصالحها.
من
هنا فإن اقتحام مدينة الخليل
والاستمرار في احتلال مناطق السلطة
الفلسطينية، لم يَحُل دون موافقة
قيادة السلطة الفلسطينية على مواصلة
إجراء اللقاءات الأمنية مع
الإسرائيليين.
من
يضمن التزام إسرائيل؟
احترام
وقف إطلاق النار ليس منوطًا بجهود
عرفات؛ فشارون مصمِّم على إعطاء جيش
الاحتلال أقصى هوامش المناورة
الميدانية للقضاء على الانتفاضة،
وعرفات يعي أنه سيكون حرجًا عظيمًا
بالنسبة إليه أن يشرع في حملة
اعتقالات في صفوف المعارضة
الفلسطينية، في الوقت الذي تواصل فيه
القوات الإسرائيلية عمليات القمع
التي تستهدف الشعب الفلسطيني. ولم
يستطع أي مسؤول في السلطة أن يردَّ
بدرجة كبيرة من الجدية على تساؤل عبد
العزيز الرنتيسي –أحد قادة حماس في
قطاع غزة– الذي قال: "كيف تضمن
السلطة الفلسطينية ألا تقوم القوات
الإسرائيلية بقصف المعتقلات
الفلسطينية التي يُعتقل فيها كوادر
وقادة التنظيمات الفلسطينية"؟! مع
العلم أن شارون يرفض مطلقًا أن يتعهد
بعدم قصف المعتقلات الفلسطينية في
حال قيام الأجهزة الأمنية باعتقال
عناصر التنظيمات الفلسطينية!
اللافت
للنظر أن شارون -في محاولة لاسترضاء
حلفائه في اليمين المتطرف والمتدينين-
قرَّر إقامة ثلاث مستوطنات يهودية؛
اثنتان منها في الضفة الغربية،
وواحدة في قطاع غزة، في حين تؤكد حركة
"السلام الآن" أنه في خلال
الشهرين الماضيين وحدهما تمّ رصد
خمسة وستين موقعًا استيطانيًّا
جديدًا في الضفة الغربية يتم العمل
فيها بصمت.
ستكون
مسؤولية تاريخية كبيرة على عاتق
القيادة الفلسطينية أن تعمل على
إنهاء انتفاضة الأقصى التي وصفت
بأنها "انتفاضة التحرير"، في
الوقت الذي يتعاظم فيه المشروع
الاستيطاني الصهيوني على مسمع ومرأى
من العالم بأسره. إلى ذلك فإن من يتحدث
إلى قادة السلطة الفلسطينية يعي أن
أيًّا منهم غير مطمئن إلى نوايا
الإدارة الأمريكية، حتى بعد الإعلان
عن المبادرة المذكورة.
مع
ذلك فإن الرئيس عرفات يبدو أنه عازم
على إعطاء فرصة لإنجاح تفاهم وقف
إطلاق النار.
اقرأ
أيضًا:
|