بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

بقية العالم الإسلامي

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


باكستان والحرب الأمريكية.. تحالف خطر

4/10/2001

أحمد إبراهيم محمود - القاهرة

خبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام

الشارع الباكستاني يدوس على العلم الأمريكي

منذ بداية أزمة تفجيرات واشنطن ونيويورك، أكَّدت الإدارة الأمريكية أن باكستان سوف تلعب دورًا محوريًّا في أي عملية عسكرية تقوم بها الولايات المتحدة ضد حركة طالبان، وحرصت إدارة جورج بوش على التشاور بسرعة مع باكستان في هذا الصدد، ومارست عليها ضغوطًا عنيفة، كما قدمت لها إغراءات قوية، من أجل ضمان تعاونها.

وقد صنعت هذه التطورات معضلة حادة أمام السياسة الباكستانية؛ بسبب ما يمكن أن تسببه أية ضربة عسكرية أمريكية ضد أفغانستان من ردود فعل داخلية عنيفة في باكستان؛ ولذلك تبنت القيادة الباكستانية سياسة حذرة للغاية، تقوم من ناحية على قبول التعاون العسكري مع الولايات المتحدة في أي عمل عسكري قادم، جنبًا إلى جنب مع بذل جهود دبلوماسية مكثَّفة مع حركة طالبان من أجل إقناعها بتسليم أسامة بن لادن، باعتبار ذلك مخرجًا مثاليًّا من الأزمة من وجهة النظر الباكستانية، وتفاديًا لضربة عسكرية أمريكية مُتوقَّعة ضد أفغانستان، إلا أن هذه السياسة فشلت حتى الآن في تحقيق الهدف المرغوب منها.

باكستان شريك إستراتيجي لأمريكا

تعتبر باكستان حجر الزاوية في الإستراتيجية العسكرية الأمريكية لحرب أفغانستان. وبدا ذلك واضحًا بقوة في أن باكستان كانت واحدة من أولى الدول التي حرصت الإدارة الأمريكية برئاسة جورج بوش على التشاور والتعاون معها فور نشوب الأزمة، ومارست عليها ضغوطًا بالغة، حتى تضمن تجاوبها مع الخطط العسكرية الأمريكية ضد أفغانستان.

وتعود أهمية باكستان إلى العديد من الاعتبارات الإستراتيجية والجيوبوليتيكية والسياسية التي تعطي لباكستان دورًا محوريًّا في الإستراتيجية الأمريكية، إلى درجة أن هناك إجماعًا في كافة التحليلات السياسية والإستراتيجية على أنه من غير الممكن للولايات المتحدة أن تقوم بعمل عسكري فاعل ضد أفغانستان بدون تعاون كامل من باكستان.

ويستند الدور الحالي لباكستان في الإستراتيجية العسكرية الأمريكية إلى تاريخ طويل من التعاون الإستراتيجي بين الجانبين. وعلى الرغم من العديد من الأزمات التي تنشب بين الحين والآخر، فإن باكستان تعتبر في التحليل الأخير بمثابة شريك إستراتيجي حيوي للولايات المتحدة منذ فترة ليست بالقصيرة.

أثناء الحرب الباردة، كانت باكستان حجر الزاوية في الإستراتيجية الأمريكية في جنوب آسيا خلال الخمسينيات والستينيات، في مواجهة كل من الاتحاد السوفيتي السابق والصين والهند.

ومنذ بداية السبعينيات، دخلت باكستان عضوًا فاعلاً في محور واشنطن - بكين - إسلام آباد، الذي نشأ عقب التقارب بين الولايات المتحدة والصين.

في هذا الإطار، كانت أفغانستان على الدوام واحدة من مجالات التعاون الإستراتيجي العديدة بين الولايات المتحدة وباكستان. وبلور الجانبان - لفترات طويلة - إستراتيجية مشتركة للتعامل مع "المسألة الأفغانية"، ولا سيما في فترة الاحتلال السوفيتي لأفغانستان وما بعدها.

وخلال الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، كانت باكستان مركز تجميع الجهود الأمريكية والعربية والإسلامية والدولية الخاصة بدعم موقف جماعات المجاهدين الأفغان، وذلك في إطار الإستراتيجية الأمريكية التي كانت ترمي وقتذاك إلى تحويل أفغانستان إلى "مستنقع" لاستنزاف الاتحاد السوفيتي. وقد قدَّمت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية مساعدات هامة للغاية لجماعات المجاهدين، وكان أغلبها من خلال باكستان.

وتُقدِّر بعض المصادر قيمة المساعدات التي قدمتها الولايات المتحدة لجماعات المجاهدين الأفغان بأكثر من مليار دولار، خلال الفترة ما بين 1979م - 1989م، وكان من بين هذه المساعدات شحنات هامة من الأسلحة والمعدات، ومنها صواريخ ستينجر المتقدمة المضادة للطائرات، كما أقامت المخابرات الأمريكية قواعد عسكرية متطورة لتدريب وتسليح "المتطرفين" القادمين من العديد من الدول العربية والإسلامية.

تعاون أمريكي - باكستاني

وخلال فترة ما بعد الانسحاب السوفيتي من أفغانستان، استمر التعاون الأمريكي - الباكستاني فيما يتعلق بالمسألة الأفغانية، ولا سيما عقب محاولة تفجير مركز التجارة العالمي في فبراير 1993م، التي أدَّت إلى إجراء مراجعة جذرية للسياسة الأمريكية في أفغانستان. وفي بادئ الأمر، حاولت السلطات الأمريكية اعتقال المشتبه في مشاركتهم في العملية في أفغانستان، بالتعاون مع باكستان، إلا أن حكومة نواز شريف التي كانت تحكم وقتذاك في إسلام آباد، رفضت التعاون تمامًا مع الولايات المتحدة في هذا الشأن؛ بسبب خوفها من ضغوط الرأي العام الداخلي.

وبعد وصول حكومة بنظير بوتو إلى الحكم في باكستان في أكتوبر 1993م، تعاون الجانبان الأمريكي والباكستاني في ترحيل أو اعتقال "الأفغان العرب"، وفي الإعداد لوضع إستراتيجية مشتركة لإزاحة قادة الفصائل الأفغانية المتصارعة، وتصفية "المتطرفين الإسلاميين"، وإغلاق معسكراتهم، وقطع طريق تهريب المخدرات، لا سيما أن الجانبين الأمريكي والباكستاني كانا قد فقدا أي أمل في الوصول إلى حل أو تسوية مع قادة الفصائل الأفغانية، وبالذات برهان الدين رباني وقلب الدين حكمتيار. كما أصبحا مقتنعين بأن الوضع بات في حاجة إلى ظهور قوة فاعلة جديدة على الساحة الأفغانية تفرض هيمنتها بالكامل على أفغانستان، وتقضي على لوردات الحرب التقليديين، بما يضمن مصالح كل من الولايات المتحدة وباكستان.

ومن المفارقات أن الولايات المتحدة هي التي أنشأت حركة طالبان، بالتعاون مع باكستان، فقد أفضى التفاهم الأمريكي - الباكستاني بشأن أفغانستان في عام 1994م إلى اتفاق الجانبين على دعم جماعة من طلاب الشريعة لتصير قوة مسلحة ومنظمة ومدربة وذات إمكانيات مالية ضخمة باسم حركة "طالبان" (أي الطلبة) في أكتوبر 1994. ولعب وزير الداخلية الباكستاني وقتذاك، الجنرال نصر الله خان بابار، ومسئولة دائرة جنوب آسيا في الخارجية الأمريكية وقتذاك "روبين روفائيل" دورا هاما في تكوين حركة طالبان ورعايتها.

وكان أكبر مؤشر إلى دور الولايات المتحدة وباكستان في تدعيم هذه الجماعة قد ظهر- على سبيل المثال- في قيام السفير الأمريكي في باكستان ووزير الداخلية الباكستاني بزيارة لمعسكرات حركة طالبان في باكستان في أواخر عام 1994، كما كانت الحركة تركز في البداية على إحراق حقول المخدرات، وإغلاق معسكرات "الأفغان العرب"، وهما المطلبان الأساسيان للولايات المتحدة.

تفجير السفارتين مفترق طرق

ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة لم تنجح في مواصلة التعاون مع طالبان في اتجاه إعادة النظر في استضافة طالبان للجماعات "الأصولية المتطرفة" التي تنفذ أعمالا ضد الأهداف الأمريكية حول العالم. وقد جاء تفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام في أغسطس 1998 بمثابة تعبير ناصع على فشل السياسة الأمريكية إزاء أفغانستان؛ حيث جاءت الضربة من جماعات تحظى برعاية ودعم حركة طالبان التي كانت واشنطن تدعمها لأسباب من بينها تجنب مثل هذه العمليات.

فقد أعلنت منظمة مجهولة (الجيش الإسلامي لتحرير المقدسات) مسئوليتها عن عمليتي تفجير السفارتين، وهي منظمة كان واضحا أنها مجرد غطاء سياسي لـ (الجبهة الإسلامية لقتال اليهود والصليبيين)، التي كانت قد أنشئت في فبراير 1998 من شخصيات وجماعات من مصر والسعودية وباكستان وبنجلاديش.

وعندما قامت الولايات المتحدة بقصف أفغانستان بصواريخ كروز، ردَّا على تفجير السفارتين، فإن ذلك كان علامة فارقة على حدوث انقطاع نهائي بين الولايات المتحدة وطالبان.

لماذا اختارت أمريكا باكستان؟

وخلال الأزمة الحالية، استحوذت باكستان على مكانة محورية في الإستراتيجية الأمريكية منذ البداية، بسبب ثلاثة عوامل رئيسية، هي:

1) الموقع الجغرافي الذي يجعل باكستان أقرب نقطة ارتكاز يمكن للعمل العسكري الأمريكي أن ينطلق منها ضد أفغانستان، ولا سيما فيما يتعلق بالعمليات الخاصة، وهو ما يعطيها ميزة نسبية أكبر بكثير من الهند مثلا، التي لا تمتلك حدودا مشتركة مع أفغانستان. بل إن باكستان تحظى بمزايا أكبر حتى من الدول التي تمتلك حدودا مشتركة مع أفغانستان، مثل أوزبكستان وطاجيكستان. ولذلك، فإن الموقع الجغرافي لباكستان يجعل مشاركتها ضرورية في أعمال عسكرية أمريكية، سواء فيما يتعلق بفتح الأجواء الباكستانية أمام الطائرات والصواريخ الأمريكية، أو فيما يتعلق بنزول قوات برية أمريكية في الأراضي الباكستانية.

2) الثروة المعلوماتية التي تمتلكها الاستخبارات الباكستانية عن مختلف الشئون الأفغانية، وبالذات بالنسبة للمعلومات الأكثر إلحاحا للولايات المتحدة بشأن قدرات حركة طالبان، ومناطق الانتشار المحتملة لقواتها، ومناطق وجود أسامة بن لادن ومساعديه، وأعدادهم وحجم قدراتهم التسليحية، وأفضل طرق العمل العسكري في أفغانستان، وطبيعة مسرح العمليات المحتمل في أفغانستان.. وغير ذلك.

3) البنية العسكرية القوية والمتماسكة نسبيا التي تمتلكها باكستان، ويمكن أن تتيح للقوات الأمريكية الاستفادة منها في المهام القتالية عموما، وفى عمليات الدعم والإسناد بصفة خاصة.

سياسة العصا والجزرة

نظرًا لحالة التوتر والانفعال التي تعاملت بها الإدارة الأمريكية مع الأزمة الحالية، فقد كانت صيغة التخاطب الأمريكي مع باكستان أقرب إلى "الإنذار"؛ حيث وجَّهت إدارة بوش للجنرال برويز مشرف قائمة طلبات "غير قابلة للنقاش". ويبدو أن هذه الطلبات كانت مشفوعة بتهديدات عنيفة لباكستان في حالة عدم تعاونها. وركَّزت هذه الطلبات على ثلاثة مجالات هي:

- قيام المخابرات الباكستانية بتسليم كل ما لديها من معلومات عن حركة طالبان إلى الولايات المتحدة.

- فتح الأجواء والأراضي الباكستانية أمام أي عمل عسكري أمريكي  قادم ضد أفغانستان.

- توفير المساعدات اللوجستية للقوات الأمريكية.

وقد بدا واضحا أن الإدارة الأمريكية استخدمت سياسة العصا والجزرة في تعاملها مع القيادة الباكستانية؛ حيث وعدت بأنها سوف ترفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على باكستان منذ إجرائها التجارب النووية في عام 1998، كما مارست عليها ضغوطًا عنيفة.

ويبدو واضحا من تصريحات الجنرال مشرف أن الولايات المتحدة هددت بإمكانية استهداف البرنامج النووي الباكستاني، كما كانت هناك تهديدات لكيان الدولة الباكستانية ذاتها. وربما تكون الإدارة الأمريكية قد لوّحت بأن باكستان ربما يُنظر إليها بوصفها مسئولة، ولو بشكل غير مباشر، عن تفجيرات واشنطن ونيويورك، في حالة عدم تعاونها مع الولايات المتحدة.

حدود التوافق الأمريكي ـ الباكستاني

لم يكن الجنرال برويز مشرف في وضع يسمح له برفض الاستجابة للطلبات الأمريكية أو حتى محاولة المراوغة منها، وهو ما دعاه إلى القول بأن الأزمة الحالية تعتبر أقسى محنة تتعرض لها باكستان في تاريخها منذ حربها مع الهند عام 1971. ويمكن الإشارة إلى ثلاثة عوامل لعبت دورًا بالغ الأهمية في توجيه الموقف الباكستاني، وكانت واضحة للغاية في الخطاب السياسي الرسمي للقيادة الباكستانية، وهي:

1) الخوف على البرنامج النووي الباكستاني؛ حيث أعرب مشرف صراحة عن خوفه على مستقبل وسلامة القدرات النووية الباكستانية، ولكن ليس معروفًا على وجه الدقة ما الذي دعاه إلى مثل هذا التخوف، وما هي طبيعة التهديد الذي سمعه من المسئولين الأمريكيين في هذا الشأن، إلا أن هناك إشارات باكستانية بشأن إمكانية أن تحاول الهند وإسرائيل استغلال الأزمة لتوجيه ضربة عسكرية ضد المنشآت النووية الباكستانية، وربما تكون الإدارة الأمريكية قد لوَّحت للقيادة الباكستانية أنها يمكن أن تغض الطرف عن مثل هذه الضربة الهندية ـ الإسرائيلية، إن لم تشجعها.

2) العمل على تفويت الفرصة على الهند. فقد سعت الهند إلى استغلال الأزمة الحالية ضد المصالح الباكستانية؛ حيث سعت الهند إلى طرح نفسها للولايات المتحدة كبديل ملائم في أي عمل عسكري ضد أفغانستان، بهدف إغراء الولايات المتحدة على الاستغناء عن باكستان، وعرضت فتح الأراضي والأجواء الهندية أمام القوات الأمريكية. بل إن المسئولين الهنود صاغوا هذا العرض بحيث يبدو أفضل من الموقف الباكستاني، إلا أن العرض الهندي كان ضعيفًا لعدم وجود حدود مشتركة للهند مع أفغانستان، وهو ما يجعل باكستان خيارًا أفضل للولايات المتحدة.

3) المكاسب الاقتصادية والإستراتيجية لباكستان؛ فالوعود التي قدَّمتها الإدارة الأمريكية لباكستان بشأن رفع العقوبات الاقتصادية عنها، في حال تعاونها في الأزمة، سوف تساعد في التقليل من حدة الأزمة الاقتصادية العنيفة التي تمر بها باكستان، والتي تعود في أحد عناصرها إلى توقف المساعدات الأمريكية والدولية لباكستان عقب إجرائها للتجارب النووية في عام 1998. وقد قرر الرئيس الأمريكي جورج بوش بالفعل في 23 سبتمبر الماضي رفع العقوبات الاقتصادية عن باكستان، وأيضا الهند، مكافأة لهما على دعمهما للجهود الأمريكية، استعدادًا لضربة عسكرية ضد أفغانستان. ومن ناحية أخرى، فإن الفكر الإستراتيجي الباكستاني يقوم على أن التعاون العسكري مع الولايات المتحدة سوف يمنح باكستان الفرصة – ليس فقط لتبرئة نفسها من المسئولية عن أخطاء حركة طالبان - ولكن أيضا القيام بدور هام في رسم مستقبل أفغانستان في فترة ما بعد الهجوم الأمريكي.

مشرف يحاول تبرير موقفه أمام الشعب

على الجانب الآخر، فإن هناك ضغوطاً داخلية عنيفة في مواجهة برويز مشرف، فيما يتعلق بالشأن الأفغاني؛ حيث إن هناك قطاعات واسعة من الشعب الباكستاني تؤيد بقوة حركة طالبان، وترفض بالكامل مشاركة باكستان في أي عمل عسكري ضد أفغانستان أو طالبان. وقد عبَّر هذا التيار عن ارتياحه لتفجيرات واشنطن ونيويورك. وهو تيار قوي الآن، ويُرجَّح أن يصبح أكثر قوة في حالة بدء العمل العسكري وحدوث درجة عالية من التصعيد؛ ويستند هذا التيار إلى ركائز عرقية ودينية.

فمن الناحية العرقية، يرتكز هذا التيار على التقارب العرقي بين طالبان وقطاعات واسعة من المجتمع الباكستاني؛ حيث تتألف حركة طالبان في الأغلب من قبائل الباشتون، التي تمتد في باكستان أيضا، وبالذات في مناطق شمال غرب باكستان، ومن الطبيعي أن تتبنى قبائل الباشتون الباكستانية موقفا داعما لأشقائهم في أفغانستان.

ومن الناحية الدينية، تلعب العوامل الدينية دورًا جوهريًا في باكستان؛ حيث إن المشاركة في مثل هذا العمل العسكري تعتبر أمرًا بالغ الخطورة يمكن أن يضعف مشروعية الدولة الباكستانية كدولة إسلامية؛ حيث قامت الدولة الباكستانية باعتبارها تجمعًا لمسلمي شبه القارة الهندية، إبان تقسيمها عقب جلاء الاستعمار البريطاني عام 1947، ويعتبر الإسلام بمثابة العامل اللاحم للشعب الباكستاني الذي تتنازعه انقسامات إثنية وطائفية وإقليمية حادة للغاية، وهو ما يعنى أن انهيار أساس وجود دولة باكستان يمكن أن يؤدي إلى تفكك كيان الدولة ذاته.

وفي هذا الصدد، فإن العامل الديني في باكستان يلعب لصالح طالبان؛ حيث إن تطبيق طالبان للشريعة الإسلامية يعطيها مصداقية كبيرة في أوساط المتدينين الباكستانيين. وفي حالة بدء العملية العسكرية الأمريكية ضد أفغانستان، فإن المتوقع أن تعلن حركة طالبان وعلماء دين باكستانيون الجهاد ضد الولايات المتحدة، وهو ما سوف يكون له تأثير قوي في باكستان، وبالذات لدى أعضاء ومؤيدي الأحزاب الدينية، وفي مقدمتها حزب الجماعة الإسلامية بزعامة الشيخ قاضي حسين، كما أن هناك تيارا أصوليا قويا في القوات المسلحة الباكستانية.

ولذلك، فإنه على الرغم من أن القيادة الباكستانية كانت مضطرة إلى قبول الطلبات أو الإملاءات الأمريكية، فإنها حاولت من ناحية أخرى إدارة الأزمة بصورة لا تسبب ردود فعل داخلية عنيفة، وذلك من خلال محاولة بناء إجماع داخلي واسع بشأن الموقف من الأزمة الحالية؛ حيث دعا مشرف إلى اجتماع موسع للفعاليات السياسية والعسكرية والاقتصادية والدينية في البلاد، وشرح لهم تعقيدات الموقف، من أجل الحصول على تأييدهم ومساندتهم، أو على الأقل تفهمهم لموقفه.

وفي الوقت نفسه، حاولت القيادة الباكستانية احتواء حالة السخط الشعبي المتزايدة، من خلال مناشدة الأحزاب الدينية المتشددة الامتناع عن تنظيم مظاهرات استفزازية، ومراعاة الظرف الدولي الذي تمر به البلاد، كما حاولت إظهار قوة موقفها من خلال السماح لمؤيديها وأنصارها بتنظيم مظاهرات حاشدة في البلاد، بهدف الإيحاء بوجود موقف شعبي متماسك خلف القيادة الباكستانية. وفي الوقت نفسه، وضع مشرف شروطا لقبول المشاركة في أي عمل عسكري أمريكي ضد أفغانستان، وهي:

1-أن تكون القوات متعددة الجنسيات.

2- أن تضم ممثلين من الدول الإسلامية.

3-عدم مشاركة إسرائيل والهند في هذه القوات.

4-أن تكون مدة وجود القوات الأمريكية والدولية في باكستان محددة ومؤقتة، بحيث لا تبدو كما لو كانت نوعًا من الاحتلال.

وقد حاول مشرف تبرئة ساحته في مواجهة الضغوط الداخلية من خلال القيام بجهود دبلوماسية مكثفة مع طالبان من أجل إقناع قادتها بتسليم أسامة بن لادن للولايات المتحدة، تفاديًا لضربة عسكرية أمريكية، وقامت باكستان بالعديد من المبادرات في هذا الصدد، إلا أن جميعها باءت بالفشل. وحاولت باكستان استخدام كافة الخيارات الكفيلة بتفادي الهجوم العسكري الأمريكي ضد أفغانستان، بما في ذلك الحديث عن إمكانية قيام الاستخبارات الباكستانية باغتيال أسامة بن لادن، باعتبار ذلك مخرجًا مثاليًا من الأزمة، وتفاديًا لتداعياتها السلبية والخطيرة على باكستان، إلا أن هناك صعوبات هائلة تحيط بهذا الخيار.

الانعكاسات الداخلية والإقليمية

خلقت الأزمة الحالية تحديات بالغة العنف في الساحة الداخلية الباكستانية، وسببت حالة من الاستقطاب الحاد في المجتمع الباكستاني بين أحزاب وقوى دينية ترفض بشدة مشاركة باكستان في أي عمل عسكري ضد أفغانستان، وفي مقدمتها حزب الجماعة الإسلامية بزعامة الشيخ قاضي حسين، وجماعة علماء الإسلام التي يتزعمها مولانا فضل الرحمن. وعلى الجانب الآخر، فإن القيادة الباكستانية تجد نفسها في موقف حرج لا يسمح لها قط بالتملص أو المراوغة في مواجهة الضغوط الأمريكية، ناهيك عن أن هناك تيارا داخل المؤسسة العسكرية الباكستانية يرى أن الإطاحة بحركة طالبان سوف تخفف بعض الضغوط الداخلية في باكستان من خلال إضعاف نفوذ الجماعات الدينية الباكستانية المؤيدة لطالبان.

وبالتالي، فإن الأزمة الحالية تهدد بتداعيات بالغة الخطورة في الساحة الداخلية الباكستانية، بل وتذهب بعض التحليلات إلى تصور إمكانية وقوع انقلاب عسكري أو نشوب حرب أهلية في باكستان، في حالة تصاعد أي هجوم أمريكي ضد أفغانستان، لا سيما إذا استمر هذا الهجوم لفترة طويلة من الزمن.

أما على الصعيد الإقليمي، فإن العامل الرئيسي الذي يحكم الموقف الباكستاني يتمثل في القلق الشديد بشأن مستقبل أفغانستان، وهو ما يعتبر مسألة مصيرية لباكستان؛ حيث إنها لا تحتمل قط وجود نظام معاد لها في كابول، لما قد يسببه ذلك من فتح جبهة عسكرية ثانية أمام باكستان، وهو ما يستنفد قدراتها العسكرية.

وقد ظلت هذه المسألة موضوعًا لخلاف طويل بين باكستان والإدارة الأمريكية. فالولايات المتحدة تسعى إلى الاستفادة من التحالف الشمالي المعارض الذي يتزعمه برهان الدين رباني، في أي عمل عسكري ضد حركة طالبان، بل وتوظيف هذا التحالف كرأس حربة في العمليات العسكرية والاستفادة مما لديهم من معلومات قيِّمة عن الأوضاع الجغرافية لأفغانستان، مع إمكانية السماح لهذا التحالف بالوصول إلى الحكم في فترة ما بعد الإطاحة بطالبان.

أما على الجانب الباكستاني، فإن هناك رفضًا شديدًا لهذا التعاون؛ لأن هناك حالة من العداء الشديد بين باكستان والتحالف الشمالي؛ حيث إن باكستان هي التي أطاحت به من خلال حركة طالبان. كما أن هذا التحالف يتلقى مساعدات عسكرية ومالية من الهند وإيران وروسيا الاتحادية، وهي الدول التي تعتبرها باكستان أعداء ومنافسين في البيئة الإقليمية. وسوف يكون التحالف الشمالي معاديا لباكستان، حال وصوله إلى الحكم. ولذلك، فقد شدد المسئولون الباكستانيون على ضرورة اقتصار العمل العسكري على مجرد القبض على أسامة بن لادن، ولكن من دون محاولة إسقاط حركة طالبان، مع التحذير بقوة من تحالف الولايات المتحدة مع المعارضة الأفغانية بقيادة برهان الدين رباني. ولم يفلح الجانبان الأمريكي والباكستاني على ما يبدو في الوصول إلى حل لهذه القضية الشائكة حتى الآن.

اقرأ أيضًا:


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع