 |
|
مؤيدون لطالبان
|
يتساءل
الكثيرون بعد بدء الغارات الجوية
الأمريكية على أفغانستان: ماذا ستكون
نتيجة هذه الحرب؟ هل سيصمد نظام
طالبان؟ وإلى متى؟ وهل ستسقط حكومة
طالبان وتحقق أمريكا أهدافها؟
تتعدد
التصورات ويبرز في هذا السياق رؤيتان
متعارضتان، حول إمكانات كل طرف
وقدرته على توظيف العوامل المتاحة
على المستويين الداخلي والدولي.
طالبان
لن تصمد
يتوقع
كثير من المحللين أن حركة طالبان لن
تصمد طويلاً أمام الضربات الأمريكية،
ويعلِّلون ذلك بأن الظروف العالمية
قد تغيرت تمامًا عما كانت وقت دخول
قوات الاتحاد السوفييتي، فإن العالم
في ذاك الوقت وقف مع الشعب الأفغاني
ضد الغزو الأجنبي على أفغانستان،
وأمدَّهم بكل شيء، وخاصة الدول
المجاورة ودول العالم الإسلامي، أما
اليوم فالوضع يختلف تمامًا؛ فإن
أمريكا استطاعت بالترغيب والترهيب أن
توقف جميع دول العالم بجانبها، فلا
يمكن أن تتوقع طالبان أن تمدها دولة
من دول العالم في حربها ضد أمريكا،
إلا ما كان من بعض الشعوب الإسلامية.
ومن
المعلوم أن حربًا بهذا المستوى تحتاج
إلى أسلحة متطورة، وذخيرة، ومعدات
لوجستية ضخمة لا تكفي لها التبرعات
الشعبية وإن كثرت، وتحاول أمريكا أن
تجفِّف ينابيع هذا الدعم الشعبي
أيضًا عن طريق الضغط على دول العالم
الإسلامي، وخاصة الدول المجاورة بمنع
وصول هذه التبرعات إلى حركة طالبان،
وقد بدأت هذه الضغوط فعلاً عندما
طُلِب من الهيئات الخيرية الإسلامية
العاملة في باكستان أن تقلِّل من
نشاطها أو تغلق مكاتبها.
أمريكا..
النصر بأي وسيلة
ومن
جانب آخر فإن أمريكا خاضت هذه
المعركة؛ لتعيد هيبتها الضائعة في
أنقاض بنتاجون وبرجي مركز التجارة
العالمية، وخاضتها لتكسبها، ومن هنا
فإنها لن تتورع عن استخدام أي نوع من
السلاح، وقد لمحت القيادة العسكرية
الأمريكية باستخدام السلاح
البيولوجي والكيماوي عند الحاجة، وقد
تتخذ حوادث "الجمرة الخبيثة" في
أمريكا ذريعة لاستخدام هذا النوع من
السلاح، وليست لدى حركة طالبان
إمكانيات يتصدون بها للهجمات الجوية
الأمريكية والهجوم بالأسلحة
الكيماوية والبيولوجية.
وبدأت
أمريكا منذ أيام الحرب النفسية
الموجَّهة لحركة طالبان، وذلك عن
طريق البثِّ الإذاعي على موجات إذاعة
صوت الشريعة التابعة لحركة طالبان،
يطلب فيه عن مقاتلي طالبان الاستسلام
للجنود الأمريكان بالترغيب
والترهيب، وهذا يؤدي إلى انهيار
معنويات المقاتلين لحركة طالبان،
وخاصة في ظلِّ غياب القيادة النشطة،
وقيادة الحركة مختفية، وليست لديها
من وسائل الاتصالات باتباعه إلا
اللاسلكيات الصغيرة التي تفيد في
مسافة قصيرة، ويحتاطون في استخدامها
مخافة كشف المواقع.
والسلاح
الكبير الوحيد الذي يمكن الاستفادة
منه لحركة طالبان هو التعاطف الشعبي
الواسع معها في العالم الإسلامي، إلا
أن البيانات التي ينشرها الناطق
الرسمي باسم تنظيم القاعدة تقلِّل
هذا التعاطف الشعبي؛ لأنها تتضمن
تأييد الجرائم التي تمت في الولايات
المتحدة.
أساليب
شق صف طالبان
يرى
المحلِّلون أن أمريكا وحلفاءها
يحاولون محاولات مستميتة أن يشقوا صف
حركة طالبان؛ لكسب المعركة من غير
خسائر في أرواح جنودها، ويُعتبر ذلك
أسهل طريق للوصول إلى الهدف، وقد بدأت
هذه المحاولات قبل بدء الغارات
الجوية على أفغانستان، ولم تزل
مستمرة حتى الآن، وتستخدم عدة أساليب
لهذا الغرض، أهمها ما يلي:
1
- إثارة الصراع القبلي والجغرافي:
لقد
برزت في حركة طالبان قيادات من قبائل
بشتونية ومناطق جغرافية مختلفة،
وهناك تاريخ طويل للصراع بين بعض هذه
القبائل، مثل قبيلة "غلزايي"
وقبيلة "أبدالي"، فيمكن إثارة
هذا الصراع وتقسيم قيادة الحركة على
أساس القبيلة، وإلى جانب ذلك، فإن
قيادات حركة طالبان من غير الولايات
الجنوبية الغربية - مثل قندهار
وهيلمند وأورزجان - كانت تشعر بأنها
مهمَّشة وأن السلطة بيد القندهاريين،
ومن الممكن إثارة هذا الشعور عند
البعض لإذكاء الخلافات بين قيادات
حركة طالبان.
2
- إثارة الخلاف حول أسامة بن لادن:
كانت
مجموعة من قيادات حركة طالبان تعارض
وجود أسامة بن لادن في أفغانستان،
وكانت ترى أنه ليس من المصلحة أن
تتحمل عداء العالم كله وتنقطع عن
الدول الصديقة بإيواء أسامة بن لادن
وأصحابه، وكان الملا محمد رباني -
نائب الملا محمد عمر الذي توفِّي قبل
سنة - يتزعم هذا الفريق. ويُعتبر الملا
وكيل أحمد متوكل من أهم المؤيدين لهذه
الفكرة.
وفي
مقابل هؤلاء كان الملا محمد عمر وبعض
رفاقه يعتبرونه ضيفًا لديهم،
ويعتبرون إخراجه من أفغانستان
متعارضًا مع الأحكام الشرعية
ومخالفًا للأعراف الأفغانية،
والمسألة - وإن اتخذت بعدًا عقائديًّا
الآن عندهم - يمكن إثارتها لشقِّ عصا
طالبان.
3
- الاستخبارات الباكستانية:
يمكن
أن تلعب الاستخبارات الباكستانية
دورًا في شق صف حركة طالبان؛ لأن
مجموعة من قيادات حركة طالبان مرتبطة
بالاستخبارات الباكستانية، وتستطيع
أن تؤثر هذه المؤسسة فيهم.
4
- الفتوى:
يمكن
أن تطلب بعض الجهات الباكستانية أو
بعض الجهات من الدول الصديقة
لباكستان من بعض العلماء المعتمدين
لدى حركة طالبان أن يُصْدِروا فتوى
بأن القتال للدفاع عن أسامة ليس
جهادًا، وذلك مقابل بعض الأموال،
وستؤدي الفتوى إلى الخلاف بين أنصار
حركة طالبان، حيث يقبل البعض الفتوى
ويرفضها الآخرون، وإن لم تؤدِّ إلى شق
الصف فإنها ستؤدي إلى ضعف العامل
الديني في هذه المعركة التي تقوم عليه
أساسًا.
5
- الإغراءات المادية:
ويمكن
أن تقدم بعض الإغراءات المادية لبعض
القيادات في حركة طالبان، وخاصة بعد
تشكيل الحكومة المؤقتة التي تسعى لها
أمريكا وحلفاؤها بقيادة الملك
المخلوع محمد ظاهر شاه، فإن مجموعة من
قيادات حركة طالبان سيتم ترشيحهم
للمشاركة في الحكومة القادمة على
أنهم الفئة المعتدلة بين حركة
طالبان، وتقدم لهم الإغراءات
المادية، فينشقون عن حركة طالبان.
ترتيبات
ما بعد الحرب
كل
ما سبق احتمالات يمكن وقوعها، إلا أن
شق صف حركة طالبان يصعب لعدة أمور: فإن
القيادات المحتمل انشقاقها فيها ليس
لها تأثير كبير في داخل حركة طالبان،
فإذا انشقت ستنشق لوحدها أو مع مجموعة
صغيرة، إلا بعض الشخصيات الجهادية
السابقة، ومن جانب آخر فإن مشاعر
الشعب قد أثيرت ضد أمريكا إلى درجة
أنه لن يقبل من يؤيد أمريكا، وخاصة
ممن ينشق على حركة طالبان فإن ذلك
سيعتبر خيانة، إلا أن يستند المنشقون
إلى فتوى دينية.
ومن
هنا تفكِّر أمريكا في البديل بالقدر
نفسه من الاهتمام، فإذا لم تتمكن
أمريكا من شق صف حركة طالبان فإنها
ستعتمد في هذه الحال على إلحاق
الهزيمة العسكرية بها، وفي الغالب لن
تستخدم أمريكا جنودها في المعارك
البرية ضد طالبان - مع أن القيادات
السياسية والعسكرية تلمح بذلك من
بداية الغارات الجوية - بل ستعتمد على
تحالف الشمال، الذي لديه خبرة طويلة،
كمجموعات للاقتحام، ويمكن أن تستخدم
الوحدات الأمريكية الخاصة كمجموعات
للمساندة، ومجموعات المدفعية التي
تساعد في قصف المواقع قبل الاقتحام.
وبعد
الاستيلاء على كابل، وكسر مقاومة
طالبان، والقضاء على المراكز
الأساسية لتنظيم "القاعدة"
وقيادته، يمكن أن تنتقل الحكومة
المؤقتة التي تسعى أمريكا وحلفاؤها
لتشكيلها بقيادة الملك المخلوع محمد
ظاهر شاه إلى كابل، وبعد ذلك سيبدأ
دور الأمم المتحدة، التي يرجح أن
تتولَّى الترتيبات بعد ذلك، كما يمكن
إرسال جيش مكوَّن من كتائب جيوش
البلاد الإسلامية، تحت مظلَّة الأمم
المتحدة للحفاظ على الحكومة المؤقتة
إلى أن تتمكن من تثبيت دعائمها.
وستبدأ عملية إعمار أفغانستان،
وستأتي الأموال لإلهاء الناس، ويمكن
أن تستمر مقاومة طالبان في بعض
المناطق البعيدة عن العاصمة إلى فترة
من الزمن، وتتولى الحكومة المؤقتة
القضاء عليها أو أنها ستنتهي بمرور
الزمن بصورة طبيعية.
الرأي
الآخر
في
مقابل ما سبق، يرى البعض أن حركة
طالبان ستصمد إلى فترة تستنفد فيها ما
لديها من الذخيرة والوسائل
اللوجستية، وهذه الفترة لا تقل في نظر
هؤلاء المحلِّلين عن ثمانية أشهر -
على أقل تقدير - إذا استطاعت أمريكا أن
تحكم إغلاق حدود الدول المجاورة
لأفغانستان.
وإذا
وجدت طالبان المساعدات اللوجستية،
والوسائل، والمعدات الحربية، فستطول
المعركة، وستصبح أفغانستان "الجرح
النازف لأمريكا".
ويرى
المحلِّلون أنه يمكن لطالبان أن
تستفيد في الحصول على المعدات
العسكرية والمساعدات اللوجستية من
الموارد التالية:
1
- التبرعات الشعبية في العالم
الإسلامي:
استطلاعات
الرأي تثبت أن التعاطف الشعبي مع
طالبان قد ازداد بعد بداية القصف
الجوِّي الأمريكي على أفغانستان، وأن
الشعوب مستعدة أن تتبرع لحركة
طالبان؛ إما حبًّا في طالبان، وإما
كرهًا في أمريكا.
2
- إيران:
يمكن
لحركة طالبان أن تستفيد من إيران في
حربها ضد أمريكا، فإن إيران تشعر بخطر
كبير من القواعد الأمريكية في الجبهة
الخلفية لها، وكذلك تتخوف من حكومة
موالية لأمريكا في أفغانستان، فإن
المجتمع الإيراني معرض للانفجار
دائمًا لتركيبه الداخلي، وخاصة أن
المناطق الحدودية الإيرانية مع
أفغانستان يقطنها الشعب البلوشي
السنِّي، فإذا تحركت طالبان من هذا
المنطلق، وتعهدت لإيران بأنها لن
تزعجها - بعد استقرار الأمن في
أفغانستان - بإيواء المعارضة
الإيرانية، فيمكن أن تجد صدى لصوتها
لدى الحكومة الإيرانية.
3
- الصين:
كذلك
يمكن أن تستفيد حركة طالبان في الحصول
على المساعدات العسكرية واللوجستية
من الصين؛ لأن الصين تعرف أن أمريكا
هي التي كانت تشجع المسلمين في
تركستان الشرقية على الثورة ضد
الحكومة الصينية ضربًا لعصفورين بحجر
واحد؛ التخلص من المسلمين، وإيجاد
القلاقل في الصين، وتحاول أمريكا أن
تصل إلى الحدود الصينية المتمردة
عليها لتشجيع إشعال الفتن داخل الصين
الذي سيؤدي إلى توقف النمو الاقتصادي
الذي تخاف منه أمريكا في المستقبل في
سيادتها على العالم.
4
- روسيا:
يمكن
لحركة طالبان أن تستفيد من روسيا
أيضًا، فإن روسيا وخاصة تحت قيادة "بوتين"
الذي يحلم بإعادة إمبراطورية الاتحاد
السوفييتي، تفكِّر أن تأخذ بثأر
هزيمتها في أفغانستان من أمريكا،
وهذه هي الفرصة الذهبية لروسيا لكي
تجر الولايات المتحدة إلى معركة في
الأرض نفسها التي تذوقت فيها مرارة
الهزيمة.
هذه
احتمالات يمكن الاستفادة منها، لكن
المحلِّلين يرون أن ذلك يتوقف على
تحرك طالبان واستفادتها من التناقضات
الموجودة بين مواقف تلك الدول، وكذا
يتوقف على مدى اعتماد هذه الدول على
حركة طالبان، وأنها لن تُوجِد لها
مشكلات كما كانت تفعل قبل الهجوم
الأمريكي، ويتوقف أخيرًا على مدى ما
يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة
لهؤلاء الحلفاء المحتملين لطالبان
لضمان تأييدهم لها أو تحييدهم.
وعلى
الصعيد الداخلي، يمكن لحركة طالبان
أن تستفيد من الحساسية الشديدة ضد
الغزو الخارجي لدى الشعب الأفغاني،
فإنه لم يقبل طول تاريخه سيطرة
الأجانب على أفغانستان، ويمكن الآن
أن تستفيد حركة طالبان من هذه
الحساسية في المقاومة ضد أمريكا.
وتساعد
طالبان التجربة الطويلة في الحرب ضد
قوات الاتحاد السوفييتي، ثم في
الحروب الداخلية، وأن مقاتلي الحركة
متعوِّدون على شظف العيش، وتساعدهم
الظروف الجغرافية؛ لأنهم يحاربون على
أرض يعرفون تضاريسها وخفاياها.
الزمن
ضد الولايات المتحدة
ويرى
المحلِّلون أن أمريكا ستواجه مشكلة
بُعْد المسافة، فإن نقل المعدات
الحربية إلى القواعد الأمريكية في
المنطقة - وخاصة إذا طالت المعركة -
سينهك الاقتصاد الأمريكي، الأمر الذي
سيجعل أمريكا تتراجع عن قرارها.
إن
طول المعركة، وسرعة حسمها سيلعبان
دورًا أساسيًّا في نتيجة المعركة،
فإن المعركة إذا طالت يمكن أن ترتفع
أصوات من هنا وهناك تطالب أمريكا بوقف
الظلم والهمجية التي ترتكبها في
أفغانستان، ولن يستمر التحالف الدولي
الحالي، وأما إذا استطاعت أن تحسم
الموضوع بسرعة فيمكن أن لا تواجه
مشكلة كبيرة على مستوى العالم.
اقرأ
أيضًا:
|