 |
|
الأنظمة العربية تستغل حرب الإرهاب لقمع المعارضين
|
وجدت
بعض الأنظمة العربية تفجيرات نيويورك
وواشنطن يوم 11 سبتمبر 2001م، بمثابة حبل
نجاة لإنقاذها - أو التخفيف عنها - من
وطأة أزمات سياسية خانقة، ناتجة عن
تصاعد أنشطة المعارضة الديمقراطية
والإسلامية ضدها، وتآكل شرعيتها
الشعبية - المهترئة أصلاً - بفعل عوامل
متعددة، من بينها شيوع الفساد في
مؤسساتها، وتشبثها بنهج الإدارة
الاستبدادية للشؤون العامة،
واستهتارها بآليات الحوار والمفاوضة
مع القوى الوطنية، وتفضيلها أساليب
المعالجة الأمنية القاهرة للقضايا
المستجدة.
وقد
سارعت بعض هذه الأنظمة إلى عرض
خدماتها على الولايات المتحدة
الأمريكية وحلفائها الأوروبيين،
مكرِّرة الأطروحات الاستئصالية
نفسها في التعامل مع الحركات
الإسلامية - وربما عموم الحركات
المعارضة - ومحاولة التأكيد على أن ما
جرى في الولايات المتحدة ما هو إلا
تصديق عملي لأفكارها القائلة بأن
الإسلاميين وسائر المعارضين من ملَّة
واحدة، وإنه ليس أمام الولايات
المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي إلا
سبيل واحد للقضاء على الإرهاب، ألا
وهو التعاون الوثيق معها؛ لتصفية
الأعداء المشتركين في ضربة واحدة.
عرض
خدمات أمنية
لم
تتردد عدَّة أنظمة عربية في إرسال
مبعوثين خاصين - من فئات استخباراتية
وأمنية غالبًا - إلى واشنطن وعواصم
أوروبية أخرى، مزوَّدين بقوائم طويلة
لأسماء من تصفهم بدورها بـ"الإرهابيين"،
وتعتقد جازمة أن لهم صلة بزعيم تنظيم
القاعدة أسامة بن لادن، وتقترح
تسليمهم إليها لمحاكمتهم على جرائم
تزعم أنهم اقترفوها.
وقد
فات هذه الأنظمة أن المتهمين
بالعلاقة مع بن لادن لا يسلمون إلى
دولهم الأصلية، بل يولون قبلة أخرى؛
كما فاتها أن الولايات المتحدة أو دول
الاتحاد الأوروبية – إذ كانت في
السابق تغضُّ طرفها عن خروقات هذه
الأنظمة وانتهاكها لحقوق مواطنيها –
إنما كانت تفعل ذلك من باب تقديرها أن
مصالحها تقتضي ذلك، وليس مصالح
البلدان أو الأنظمة التي تحكمها..
فعندما تحضر المصلحة تتراجع المبادئ
كثيرًا إلى الوراء.
لقد
أبدت بعض الأنظمة العربية، المصنفة
في خانة الدول الموالية للولايات
المتحدة، بعض الشماتة فيما وقع في
نيويورك وواشنطن، بالنظر إلى أن
الحكومة الأمريكية وسائر الحكومات
الأوروبية، لم تستمع إلى النصائح
التي وُجِّهت إليها، من قبيل أن
الإسلاميين من ملة واحدة، لا فرق فيهم
بين معتدل ومتطرف، ومسالم ومؤمن
بالعنف.
وقد
كان خطأ فادحًا - برأي الأنظمة
الشامتة - أن تقوم الولايات المتحدة
وبعض الدول الأوروبية بتوفير ملاجئ
آمنة وقواعد خلفية للإسلاميين، ولم
يظهر أن الأنظمة العربية صاحبة
النصائح المقدرة، مهتمة بالتثبت من
صحة الاتهامات الموجهة من واشنطن
لأعدائها المفترضين، أو حتى بالتثبت
من هوية المتهمين من قبل واشنطن في
التفجيرات، وليس من بينهم واحد من
اللاجئين السياسيين إلى الغرب، أو من
الوجوه القيادية في حركات إسلامية أو
معارضة، معروفة في بلادها.
وقد
ذكرت بعض التقارير الصحافية، أن
نظامًا عربيًّا كان سبَّاقًا في عرض
خدمته على الدول الغربية، قدَّم
للمسؤولين في هذه الدول، قوائم
بالمطلوب تسليمهم إليها، تضم معارضين
سياسيين لهذا النظام يقيمون في مدن
غربية مختلفة، ثبت أنهم ينتمون إلى
اتجاهات سياسية متعددة، وأن من بينهم
إسلاميين وعلمانيين، ومتدينين
وملحدين، وقد بدا بالتالي، طلب هذا
النظام العون من الغربيين على إبادة
المعارضة السياسية في بلاده برمتها،
وربما القضاء على أية معارضة قد تنشأ
في المستقبل؛ لأنها ستكون حتمًا
خطرًا على الغرب، ولعلَّ علاقة
مستترة قد تقوم بينها وبين تنظيم
القاعدة، أو تنظيمات إرهابية أخرى.
القضاء
على المعارضين لا الإرهابيين
لقد
أدرك محلِّلون غربيون الأهداف
الحقيقية لهذه الأنظمة العربية، في
مسعاها المزعوم للتعاون في حرب
الإرهاب، وكتبوا يحذِّرون حكوماتهم
من مغبَّة ارتكاب الأخطاء نفسها التي
ارتكبت في السابق، والتي تتسبب في
تصاعد نقمة الشعوب في العالم العربي
الإسلامي على الغرب، وتحميله مسؤولية
الأزمات المتعاقبة التي تعاني منها
الأغلبية الساحقة من أبناء هذه
الشعوب.
بهذا
الصدد، أشارت بعض الأطروحات الواردة
في الصحافة الغربية، إلى ضرورة قطع
الولايات المتحدة والدول الأوروبية
خطوات معاكسة لتلك التي تريدها بعض
الأنظمة العربية، التي أبدت
استعدادها للمساعدة في حرب الإرهاب،
ليس من أجل القضاء عليه كما تدعي،
ولكن لتحقيق هدفين أساسيين: أولهما
عرقلة مشاريع الإصلاح الديمقراطي
المعروضة عليها، وثانيهما تصفية
حساباتها مع الحركات الإسلامية
المعارضة. وهي حركات إصلاحية معتدلة،
تؤكد في مجمل أدبياتها على نبذ العنف،
بل هي في كثير من الحالات كانت ضحية له.
كما سارعت بعد وقوع تفجيرات 11 سبتمبر
2001م، على إدانة المنفِّذين والتضامن
مع أسر الضحايا وتقديم التعازي
للحكومة الأمريكية.
وثمَّة
من المحللين الغربيين من ذهب إلى أبعد
من تحذير الحكومات الغربية، إلى
نصحها بأهمية بناء إستراتيجيتها في
المنطقة العربية والإسلامية، على أسس
مغايرة للسائدة حاليًا. ومن أهمها
ضرورة التخلي عن دعم الأنظمة
الديكتاتورية التي تخرق حقوق الإنسان
وتنتهك الحريات العامة، وتقديم
المساعدة لمشاريع التغيير
الديمقراطي، حيث يظهر توقيع اتفاقيات
المصالح مع أنظمة شرعية ديمقراطية
متوفرًا على ضمانات أكبر للنمو
والاستمرارية، مقارنة بالتوقيع مع
أنظمة مستبدة مرشحة للانهيار في كل
لحظة.
ويقدِّم
أصحاب هذه الأطروحات - وهم ليسوا
قلَّة ومنتشرون في جلِّ الدول
الغربية - تفسيرًا آخر للعنف الذي
جنحت إليه بعض الجماعات الإسلامية
المتشددة، يستند إلى ما تشعر به
الأغلبية في العالم العربي الإسلامي
من امتعاض إزاء السياسة الخارجية
الأمريكية، والغربية عمومًا، خصوصًا
فيما يتعلق بموضوعين أساسين: الأول
انحياز واشنطن المطلق لإسرائيل،
والثاني الدعم الكبير الذي تجده بعض
الأنظمة العربية المستبدة من قبل
الولايات المتحدة، تحت ذريعة الحفاظ
على استقرار المنطقة.
غياب
الديمقراطية مصدر للعنف
ظهور
هذه الأطروحات تؤكد على أن العنف هو
نتاج لغياب الديمقراطية في العالم
العربي الإسلامي، وليس نتاجًا لمنح
بعض الدول الأوروبية أو الولايات
المتحدة الأمريكية اللجوء السياسي
لبعض الإسلاميين أو المعارضين
السياسيين. وقد أبانت الأحداث
الأخيرة على اعتدال توجهات الأقليات
العربية والمسلمة، وصدق توجهها في
الاندماج الإيجابي في المجتمعات التي
تحتضنها، ومن قادة هذه الأقليات
العديد من الإسلاميين العالمين في
حركات إسلامية معروفة.
والواضح
أن أطروحات العقلاء من المحلِّلين
الغربيين، قد وجدت صدى لدى بعض القادة
السياسيين في الغرب، وكان توجه
الرئيس جورج بوش إلى المنظمات
والمساجد الإسلامية، وتأكيده على
وعيه الفرق بين المسلمين عامة والقلة
من بينهم التي اختارت العنف، قد لجم
أطماع بعض الأنظمة العربية، التي
أرادت استئناف مسيرة الاستئصال التي
ابتدأتها في مواجهة الحركات
الإسلامية والمعارضة، خلال عقد
التسعينيات.
بعض
الوقت ما ستجنيه الأنظمة
وما
يبدو أن الأنظمة العربية ذات الطابع
الاستئصالي، مؤهلة لربحه من الأزمة
الدولية الطارئة بعد التفجيرات
الأمريكية، هو فقط القليل من الوقت،
الذي ستنشغل خلاله الدول الغربية
بحرب أفغانستان وتداعياتها. وسيصعب
على المنظمات غير الحكومية المعنيَّة
بحقوق الإنسان ووسائل الإعلام في هذه
الدول، تخصيص الحيِّز المعهود
للإحاطة بقضايا العالم العربي
والإسلامي.
ولا
شك أن الأحداث الدولية على المدى
المنظور - كما يشير إلى ذلك عدد من
المحللين -، ستخدم المشروع
الديمقراطي في العالم العربي
الإسلامي، في حين كانت رغبة بعض
الأنظمة العربية استغلال الموقف
للالتفاف على هذا المشروع، مثلما
ستخدم القضية الفلسطينية، التي يتأكد
المعنيون بها في الغرب أنها حجر الرحى
في المنطقة والعالم. ولن يكون
بالمقدور التسويف فيها إلى ما لا
نهاية، وليست تصريحات جورج بوش حول
قيام الدولة الفلسطينية، ودعوة توني
بلير الرئيس ياسر عرفات لزيارة لندن،
إلا بعض الأدلة على ذلك.
وكما
يتوقع أن تُعرِّي أزمة الإرهاب وحرب
أفغانستان، طبيعة العلاقات الدولية
المختلة بوضوح أكبر للقوى المهيمنة
على العالم، خصوصًا بعد الخروج من
أجواء رد الفعل والانتقام التي
تعيشها حاليًا الولايات المتحدة
وحلفاؤها. فإنها ستعري أكثر حقائق
الواقع السياسي في كثير من البلدان
العربية الرازحة تحت نير أنظمة
شمولية استبدادية، وستثبت أن طبيعة
هذه الأنظمة مصدر رئيسي من المصادر
المنتجة للعنف والإرهاب، فتضييق
الأفق على المواطنين، وسدُّ منافذ
التغيير السلمي والشرعي أمامهم، عادة
ما يولد الانفجار، وهي قاعدة عامة لا
تخصُّ العالم العربي الإسلامي وحده،
بل العالم بشكل عام.
اقرأ
أيضًا:
|