 |
|
التضحيات
مستمرة حتى بعد أحداث أمريكا |
هل ستتغير
خريطة العالم؟ هل لدى الإدارة
الأمريكية سيناريوهات معدة في
أدراجها، وتتعامل مع العالم كالجسم
البشري كما يشخص الطبيب المرض لوصف
الدواء أو العلاج المناسب؟
أسئلة
عديدة تدور حول التحركات الأمريكية
المتوقعة على صعيد مناطق كثيرة في
العالم وعلى مستويات مختلفة، والصراع
العربي- الصهيوني سيحتل موقعا متقدما
على الأجندة الأمريكية لاعتبارات
كثيرة، منها اعتقاد الولايات المتحدة
أنه مرتبط بهجوم 11 سبتمبر من قريب أو
من بعيد. وليس من السهولة التكهن
بالأمور، خاصة أن تحرك الولايات
المتحدة في حملة الإرهاب انتشر أفقيا
وليس رأسيا؛ الأمر الذي لا يتيح
الاعتماد على مقدمات محددة والانتهاء
أيضا إلى نتائج سهلة متوقعة.
ولا
بد من التساؤل: ما هي التأثيرات
المحتملة لحملة الإرهاب على القضية
الفلسطينية سواء على صعيد العملية
السلمية أو الانتفاضة وشرعية
المقاومة وفصلها عن الإرهاب، أو على
وزن القضية على المستوى العربي
والإسلامي والدولي؟
هذه
التساؤلات طرحها "إسلام أون لاين.نت"
في الندوة التي عقدتها في عمان، وشارك
فيها:
د.
أحمد سعيد نوفل - أستاذ العلوم
السياسية في الجامعة الأردنية.
أ.
جواد الحمد - مدير مركز دراسات الشرق
الأوسط.
أ.
عاطف الجولاني: محلل سياسي ورئيس
تحرير صحيفة السبيل الأسبوعية.
أ.د.علي
محافظة - أستاذ التاريخ في الجامعة
الأردنية.
أ.
محمد خروب - مركز صحيفة "الرأي"
الأردنية للدراسات.
وقد
أدار الندوة أ. نواف الزرو - محرر
الشؤون الفلسطينية في صحيفة "الدستور"
الأردنية.
وقد
دارت الندوة حول المحاور التالية:
محاولة للفهم
قبل
الحديث عن التأثيرات المحتملة لحملة
الإرهاب على القضية الفلسطينية، لا
بد من التوقف عند أهم الظروف
والملابسات في هذا الحادث، ودوافع
الحملة الأمريكية والأهداف التي ترمي
إليها من هذه الحملة.
فمع
تداعيات الأزمة وتطوراتها اليومية،
لم تدع أي جهة حتى الآن مسئوليتها عن
هذا الحادث، ولم تظهر إلى حيز الوجود
جهة معينة- سواء أكانت جهة أمريكية
غربية أو أوروبية عربية أو إسلامية
وسواها. ولذلك يتاح للعقل الإنساني أن
يذهب مذاهب مختلفة في تحليل دوافع هذا
العمل والجهة التي تقف وراءه وفق ما
يراه د. علي محافظة، وأول مآخذ اتهام
العرب والمسلمين أو أسامة بن لادن
وقاعدته أنه صدر فورا عقب الحادث،
وقبل التأكد أو معرفة أي شيء.
تحقيق
أجهزة الأمن الأمريكية اتجه نحو
البشرة السمراء والعيون السوداء.
ونظروا في قوائم الموجودين على
الطائرات الأربع، فاكتشفوا أن من بين
هؤلاء عربا ومسلمين، رغم أنهم مثل
غيرهم منتشرون في كل مكان.
من
السهل على الإدارة الأمريكية أن تتهم
العرب والمسلمين بهذا التفجير، فنسيت
قوى الإرهاب الموجودة في الغرب. في
العديد من الدول الأوروبية، توجد قوى
لا تتهم بالإرهاب مثل جيش التحرير
الأيرلندي الـ IRA ، ومنظمة "إيتا"
في إقليم الباسك في إسبانيا – وهي
ترتكب أسبوعيا على الأقل أعمال تفجير
كثيرا ما تستهدف المدنيين – وكذلك
الحال بالنسبة لأيرلندا الشمالية.
هنالك قوى في ألمانيا وفي فرنسا
وإيطاليا واليابان؛ فماذا يلصق
الإرهاب بالعرب والمسلمين ولا يلصق
بالقوى الأخرى؟
هذا
تحيز منذ البداية من الغرب نحونا؛
ونوع من أنواع العداء التاريخي
بين العرب والمسلمين من ناحية،
والغرب من ناحية أخرى- والذي تغذيه
وتقويه دول الغرب. وإذا عدنا إلى كتب
التاريخ وكتب السياسية في الغرب (الأمريكية
والأوروبية)، نجد صورة مشوهة.. العرب
فيها هم الأعداء التاريخيون لكل هذه
الشعوب، ومن خلال دراستي لكتب وتاريخ
الغرب الحديث، فإنني أجد هذه الحقيقة
تربى عليها الأجيال هناك من أجل
كراهية العرب، رغم أن الدول العربية
المستقلة وغير المستقلة – منذ الحرب
العالمية الأولى - سارت مع الغرب ولم
تخرج عن طريقه، فكيف تكون هذه الدول
حليفة للغرب وعدوة له في الوقت نفسه؟
..
من ناحية أخرى، هنالك القوى اليمينية
في الولايات المتحدة التي دمرت مبنى
أوكلاهوما، وعندما سئل مرتكب الحادث
قبل إعدامه قال: إنه غير نادم على ما
حدث، ولو أتيحت له الفرصة لارتكبها
مرة أخرى. لماذا إذن تستثنى هذه القوى
من التحقيق؟ ولماذا لا يحقق مع القوى
المعارضة لسياسيات الولايات المتحدة
– كالتحرك المناهض للعولمة - والتي
تقوم بالمظاهرات ولجأت أحيانا إلى
العنف؟ لماذا لا يحقق مع قوى دينية في
الولايات المتحدة لا تؤمن بالإدارة
الأمريكية، وتعتبرها خارجة على
الإنجيل والعهدين القديم والجديد،
وتنظر إلى من يحكم الولايات المتحدة
بالمجرمين؟ لماذا لا تحقق الولايات
المتحدة مع هؤلاء جميعا ويعلن فورا
بعد الحادث مسؤولية بن لادن عن
التفجيرات؟
حتى
الآن، لا يوجد شيء واضح.،والأدلة –
التي تقول الولايات المتحدة أنها
أطلعت حلفاءها عليها – لم تطلع عليها
أي دولة عربية أو إسلامية مثل مصر
والسعودية وباكستان؛ ولكنها تريدها
في الوقت نفسه أن تتعاون معها في
حربها ضد الإرهاب، الأمر الذي يوحي
بأن هذه الدلائل قد تكون غير صحيحة
وغير دقيقة.
إسرائيل
مستبعدة حتى الآن
وحول
احتمالات تورط إسرائيل في التفجيرات،
قال عاطف الجولاني: حتى الآن لا أجد
أية مؤشرات مباشرة يمكن أن تدفع
بتوجيه اللوم تجاه طرف معين، سواء كان
إسرائيل أو منظمات داخل أمريكا أو قوى
دولية خارجية أو عرب ومسلمون. وأعتقد
أن الذين يوجهون الاتهامات يعتمدون
على التحليل والبحث عن مصالح لهذا
الطرف أو لذاك. ولكن حتى اللحظة،
تحتكر الولايات المتحدة المعلومات
المتوفرة - وهي ليست متاحة للمحللين -
وبالتالي بحكم الموقف تجاه الكيان
الصهيوني، كان ذلك دافعا لاتهام
إسرائيل. ولا أود أن أكون منساقا إلى
هذا التحليل وأستبعده، وأعتقد أن
الكيان الصهيوني يدرك تبعات ذلك. ربما
أن كل ما سمعناه في هذا الصدد - كتغيب 4
آلاف موظف يهودي عن أعمالهم في يوم
الهجوم وما سواه - يندرج في إطار
الإشاعات. ولم يثبت حتى الآن أي من هذه
المعلومات؛ ويجب عدم تعاطي هذه
المعلومات بما يمكن أن يساهم في تضليل
وعي الشارع العربي بالانسجام مع
رغباته.
دوافع
حملة الإرهاب
يرى
د.أحمد سعيد نوفل أن الكثيرين من
المنظرين في الغرب- وفي أمريكا
بالتحديد بعد انهيار الاتحاد
السوفييتي- بدءوا يضعون هذا الخيار من
خلال ما طرح في صراع الحضارات - ليس مع
الاتحاد السوفييتي - إنما مع الخطر
الأصفر الممثل بالحضارة الصينية
والكونفوشية، أو بالأخضر الممثل
بالحضارة الإسلامية؛ ويعيش ذلك في
داخل العقلية والوجدان الأمريكي.
الولايات
المتحدة فوجئت بالأحداث الأخيرة؛
والأهم أنها فكرت بكيفية الاستفادة
من هذه الأحداث وبشكل سريع.. فوجهت
أصابع الاتهام لأسامة بن لادن، وحرضت
على كل ما هو عربي ومسلم من خلال حملة
مكثفة عبر وسائل الإعلام.
إن
هدف الولايات المتحدة هو السيطرة على
النظام العالمي، والظفر بمنابع النفط
الجديدة في بحر قزوين وسيطرتها على
آسيا الوسطى- وهي منطقة إستراتيجية
بلا شك- من خلال تواجد عسكري شبيه بما
جرى في منطقة الخليج العربي بعد حرب
الخليج الثانية عام 1991.
ويضيف
د.علي محافظة أن الولايات المتحدة-
فضلا عن الهدف والمكاسب الاقتصادية
في بحر قزوين- تسعى إلى تضييق الخناق
على روسيا ومحاصرتها حتى لا تستطيع في
المستقبل ممارسة أي دور مؤثر في آسيا
الوسطى وغيرها من المناطق، إضافة إلى
محاصرة الصين؛ العدو القوي المحتمل
في المستقبل.
محمد
خروب له رؤية مغايرة، فيرى أنه لا
يوجد ثمة خلاف في أن إستراتيجية
الولايات المتحدة كانت موجودة في
أدراج الإدارة الأمريكية قبل 11
سبتمبر الماضي، وكانت تنتظر ظروفا
دولية ملائمة، لكن الآن –ربما-
أمريكا خسرت إستراتيجيا، واهتزت
صورتها كالأسد الجريح، بمعنى أن
واشنطن تريد أن تحقق أهدافها، ودعت
إلى بناء التحالف العريض والفضفاض..
لكن أين هذه الدول المدعوة إلى
التحالف من مسألة الهيمنة، كالصين
وروسيا مثلا؟ وهل ستتقبل هذه الدول
الأمر بسهولة؟
أمريكا
والقضية الفلسطينية.. سياسة مرتبكة
"الإرباك"
هو العنوان العريض الذي يصف تعامل
الإدارة الأمريكية مع الأزمة ومع
الحدث وفق ما يراه عاطف الجولاني،
وربما يعبر عن ذلك كثرة الخطابات التي
يلقيها بوش بمعدل خطاب يوميا.
مصطلح
"الإرباك" هو الذي سيحكم تعامل
الإدارة الأمريكية مع العديد من
القضايا أيضا، وفي مقدمتها الصراع
العربي-الإسرائيلي في المرحلة
القادمة، ولذلك يجب عدم التسليم في ظل
هذا الإرباك بأية تصريحات تصدر في هذه
الفترة نستطيع أن نصنفها بأنها تعبر
عن مواقف تكتيكية وليس إستراتيجية.
ويشير عاطف الجولاني هنا إلى ما قاله
الرئيس الأمريكي في 2/10/2001 عن حق
الفلسطينيين في إقامة دولتهم…
ويعتقد أن مثل هذه التصريحات جاءت
نتيجة نصائح من أطراف رسمية عربية حتى
تسهل على نفسها المشاركة في تحالف
دولي ضد الإرهاب. لكن هل سيكون هناك
تغير حقيقي وجوهري في موقف الإدارة
الأمريكية حيال قضايا المنطقة؟
بالتأكيد
الإدارة الأمريكية ستعيد النظر تجاه
العديد من القضايا في المنطقة وفي
المقدمة منها الصراع العربي-الإسرائيلي،
ولكن ليس في هذه المرحلة وإنما في
مراحل متأخرة. ولا يستبعد أن تكون
هناك مدريد جديدة على نحو مشابه مما
جرى في حرب الخليج الثانية عام 1991.
ويرى
د.علي محافظة أن هدف الفلسطينيين من
الانتفاضة واضح ومحدد، فهم يريدون
الاستقلال وإنهاء الاحتلال، وإقامة
دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس
وعودة اللاجئين. وانتفاضة
الفلسطينيين تعبير عن رفض كل
الاتفاقيات منذ أوسلو عام 1993 وحتى
الاتفاقيات الأخيرة بعد اندلاع
الانتفاضة.
يجب
أن نفكر كيف يمكن أن يؤثر على
الانتفاضة ما حدث في نيويورك وواشنطن
وكيف يمكن أن يؤثر عليها التحرك
السياسي والعسكري الأمريكي في
المنطقة وفي العالم. في تقديري هنالك
احتمالان أو سيناريوهان:
الأول:
أن يستفيد الفلسطينيون والعرب من هذا
التحرك الأمريكي، بحيث يشعرون
الولايات المتحدة وأوروبا أن حل
المشكلة الفلسطينية وفق الأهداف التي
يطالب بها الشعب الفلسطيني سيساهم
إلى حد كبير في حملة مقاومة الإرهاب
في العالم.
إذا
نحج العرب والفلسطينيون كحكومات في
ذلك، فإن الولايات المتحدة ستمارس
ضغوطها على إسرائيل من أجل تحقيق هذا
الهدف، وهذا السيناريو الإيجابي
المحتمل في المستقبل، ومن غير
المتوقع أن يحدث ذلك في عام أو عامين
بل قد يمتد إلى فترة طويلة تصل إلى
سنوات، ولكن هناك تخوف من الإرادة
السياسية العربية المتقطعة وغير
الثابتة.
السيناريو
الثاني: أن تهمل الدول العربية هذا
الموضوع وأن تبقى القضية الفلسطينية
من الناحية السياسية عالقة؛ ويستمر
الصراع العربي-الإسرائيلي على أساس
فلسطيني-إسرائيلي سنين طويلة، وهنا
غير معروف الموقف العربي الرسمي من
دعم الانتفاضة.
مدريد
جديدة..
أي
تغيير حاصل من الجانب الإسرائيلي
حيال التسوية، يتعلق بالضغوطات
الأمريكية من وجهة نظر د.أحمد سعيد
نوفل الذي يرى أنه إذا كانت هناك ضغوط
حقيقية، فمن الممكن أن تشهد السياسية
الإسرائيلية تغييرا تجاه التسوية
والفلسطينيين. أما إذا كان هذا الضغط
الأمريكي غير واضح المعالم وضغطا
هامشيا غير مؤثر، فمن المستبعد أن
تغير إسرائيل سياستها؛ بل على العكس،
لوحظ أن إسرائيل حاولت بعد هجوم 11
سبتمبر استغلال كل لحظة من الوقت من
أجل ضرب الانتفاضة والفلسطينيين على
أساس أنها تضرب الإرهاب. وشارون كان
دائما يشبه عرفات ببن لادن، ومورست
ضغوطات أمريكية على حكومة إريل شارون
من أجل كبح جماح الضربات
الإسرائيلية؛ لأنه من غير المعقول أن
تسعى الولايات المتحدة إلى كسب العرب
والمسلمين إلى جانبها وضمهم إلى
التحالف الدولي ضد الإرهاب وتغض
الطرف عن الاعتداءات الإسرائيلية على
الفلسطينيين.
في
المقابل، هناك خشية من أن تتكرر
التجربة الماضية، كما حدث في مدريد
عام 1991، مدريد أتت بعد حرب الخليج
الثانية؛ والولايات المتحدة وعدت
وأرادت حل القضية الفلسطينية وسعت
إلى هذا المؤتمر ومارست ضغوطات على
الأطراف المختلفة بما فيها إسرائيل
من أجل عقد هذا المؤتمر؛ وبالتالي حصل
تغيير في هذا الاتجاه، لكن لاحظنا أن
الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون
بدأ يتملص من الوعود التي التزم بها
تجاه الدول العربية والفلسطينيين؛
والخوف من تكرار ذلك الآن.
مراهنات
صعبة على موقف إسرائيل
تصريح
الرئيس الأمريكي في 2/10/2001 وسط أجواء
شبيهة بالحرب، وانشغال الولايات
المتحدة بالهجوم - عن حق الفلسطينيين
في دولة مستقلة - ينطوي على إشارات
ورسائل إيجابية، والمطلوب من الدول
العربية - حسب د.محمد سعيد نوفل - هو
قدر أكبر من التنسيق، بحيث يتم إدارة
الأحداث الأخيرة لمصلحة القضية
الفلسطينية على المدى البعيد، على
أساس أن القضية الفلسطينية إذا لم تحل
فإن موضوع الإرهاب سوف يستمر، خاصة
وأن الإرهاب يرتبط على الدوام بالشرق
الأوسط.
والسؤال
الآن هو: عندما يجتمع المسؤولون العرب
مع الإدارة الأمريكية هل يثيرون هذه
القضية؟ وهل يمارسون نوعا من
الضغوطات؟ أم يريدون إعطاء الدعم
الكامل للولايات المتحدة بدون مقابل؟
المراهنات
باختصار على ثلاث نقاط:
1. مراهنة على الدول العربية
في أن تضغط على الإدارة الأمريكية،
وأثبتت التجربة أن الدول العربية لا
تضغط ولا تستطيع أن تضغط على الولايات
المتحدة بسبب وضعها المفكك ومواقفها
المتمايزة.
2. مراهنة على الإدارة
الأمريكية بأن هناك احتمالا أن تتغير
السياسة الأمريكية بشكل أكثر وضوحا
من القضية الفلسطينية؛ وثبت أيضا أنه
لا يمكن المراهنة على السياسية
الأمريكية من الصراع العربي-الإسرائيلي.
3. ومراهنة على أن الحكومة
الإسرائيلية قد تتجاوب مع أي ضغوطات
أمريكية لاحقة أو غيرها لتقديم
تنازلات للفلسطينيين، وهو أمر صعب.
ولكن
جواد الحمد يعيد طرح التساؤل: ما الذي
سيغير سياسات الإدارة الأمريكية؟
المسألة لديها مسألة مصالح قومية في
المنطقة، وهي تشعر أنها آمنة تماما،
وليس هناك أي إشارات عربية رسمية
– سواء في الظاهر أو في العلن – بأن
هذه المصالح قد يجري عليها تعديل أو
تغيير في حال لم تغير أمريكا من
سياستها المنحازة إلى إسرائيل.
وبالتالي،
لا تتوفر دوافع حقيقية لديها للتغير
حتى اللحظة؛ كما أن الوعي الأمريكي
على صعيد الشارع مضلل من خلال
الإعلام، ومن غير المتوقع، أن يتغير
هو الآخر في فترة قريبة جدا.
وبالتالي، يصعب الرهان على تغير
مقبول في السياسة الأمريكية لصالح
القضية الفلسطينية خلال الأشهر
القريبة القادمة.
إن
إمكانية تغير السياسة الأمريكية
ممكنة على المدى البعيد؛ ولكنها لن
تكون بديلا على الإطلاق عن الإمكانات
الذاتية التي تتمثل اليوم بالانتفاضة
والمقاومة في فلسطين، ولئن تغيرت،
فسوف تتمحور حول الكثير من الجانب
الشكلي، لأن أساسها يقوم على حفظ أمن
إسرائيل كما أعلن جورج دبليو بوش.
ولذلك لا يعتقد أن من الحكمة الحديث
عن صفقة مقايضة بين وقوف العرب مع
الولايات المتحدة في حربها العالمية
على ما تسميه بـ"الإرهاب" وبين
تطور موقفها إزاء الحق العربي في
فلسطين، خاصة وأن المطلب العربي
الرسمي يتمحور فقط حول التدخل
الأمريكي لإعادة عملية السلام إلى
مسارها الذي سبق الانتفاضة، وهو الذي
كان مختلا لصالح العدو الصهيوني.
إسرائيل.. لا فرق بين القديم والجديد
والتوجه
الإسرائيلي في عهد رئيسي الوزراء
الإسرائيليين إيهود باراك وإريل
شارون لم يطرأ عليه أي تغيير، ويقول
جواد الحمد: ما قام به باراك بعد
اندلاع الانتفاضة هو استمرار لما
بدأه شارون عندما دخل الحرم القدسي
الشريف في 28/9/2000. ولم يستخدم شارون أية
وسائل أو أساليب جديدة عما استخدمه
باراك أيضا، والآن نسمع أن إسرائيل
نجحت في استغلال الأزمة الحالية في
ضرب الانتفاضة.
الانتفاضة
الآن قائمة والشعب الفلسطيني يقع
عليه عدوان حقيقي ومستمر، ولكن ما حدث
في الأسبوع الأول من الأزمة (أزمة
الهجوم على أمريكا) لم يعد قائما كما
كان؛ إذ لم يعد خبر الهجمات على
الولايات المتحدة الخبر الوحيد على
شبكات وشاشات التلفزة العربية
والعالمية؛ ولذلك ما نشهده الآن من
تصعيد إسرائيلي هو تصعيد متواصل لم
يتوقف، يزداد في لحظة ثم يتراجع في
لحظة أخرى، بسبب ضغوط دولية أوروبية
أو أمريكية، رغم قناعتي بأن الولايات
المتحدة لا تمارس ضغوطا حقيقية على
إسرائيل، وإنما هي مجموعة من
الإحراجات.
الآن
نحن نتعامل مع برنامج إسرائيلي قائم
على: كسر شوكة الشعب الفلسطيني؛
وإفشال الانتفاضة وإجهاضها؛ ومنعها
من تحقيق أهدافها؛ والعودة إلى مائدة
المفاوضات تحت الشروط الإسرائيلية.
الإعلام
سيؤثر على الموضوع.. وإذا وجهت
الولايات المتحدة ضربة عسكرية
لأفغانستان أو لأي دولة عربية أو
إسلامية فسوف يزداد التعاطف مع
الانتفاضة الفلسطينية والمقاومة في
انتقامها من الاحتلال الإسرائيلي
باعتبار أن إسرائيل تمثل الابن
المدلل للولايات المتحدة. فتوجيه
ضربات من المقاومة الفلسطينية ضد
إسرائيل ما زال مقبولا عربيا
وإسلاميا، لأنها احتلت أرضا عربية
ومسلمة، وتشن حربا عدوانية على الشعب
الفلسطيني، ولا تستجيب حتى للحلول
الوسط.
الإرهاب
والمقاومة..المدان والمشروع
وحول
فهم واضح للإرهاب من ناحية والمقاومة
من ناحية أخرى، يقول جواد الحمد: نحن
معنيون في العالم العربي أن نكون
جريئين، وأن نسعى لبلورة رؤية واضحة.
بالتأكيد هناك أعمال للعرب والمسلمين
لا يختلف أحد على اعتبارها إرهابا؛
ولذلك فإن هذا المصطلح بحاجة إلى
إعادة تعريف لتتعامل معه الحكومات
العربية وترفض الإملاءات الأمريكية
التي تخالفه، والتعريف الأمريكي
للإرهاب - الذي أشير إليه في أول تقرير
عن الإرهاب صدر عن وزارة الخارجية
الأمريكية عام 1979 (ولا يزال يصدر
سنويا) - غير مقبول وفق مقاييس حقوق
الإنسان؛ ويعتريه العديد من
الإشكاليات القانونية والمتعلقة
بمقاومة الاحتلال.
الإرهاب
في مضمونه يجب أن يعرف بالأعمال التي
تستهدف الأبرياء أينما كانوا، وفق
فهم متفق عليه، وليس فقط وفق الفهم
الأمريكي، وهذا الإرهاب يختلف كليا
عن أية أعمال مقاومة ضد عدوان أو ظلم
أو اعتداء، لأن مقاومة ذلك كله مشروعة.
وأمريكا نفسها عاشت ذلك في حروبها
الأهلية، كما دعمت المقاتلين الأفغان
في حربهم ضد الاتحاد السوفييتي سابقا
تحت الغطاء نفسه. وهنا تبرز شرعية
المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال
الإسرائيلي بشكل واضح، فكل فلسطيني
من حقه أن يقاوم الوجود الإسرائيلي
على أرضه، هذا الوجود الذي جاء في
عملية إحلال لليهود الغرباء مكان
الشعب الفلسطيني، ومثل فلسطين عشرات
المواقع في العالم من حقها كذلك أن
تقاوم.
ويضيف
جواد الحمد في التعاطي مع حملة
الإرهاب: نحن أمام تحد حقيقي يدفعني
لاقتراح عقد مؤتمر عربي شعبي أو
أكاديمي علمي لإصدار وثيقة واضحة
محددة المعالم حول الإرهاب الذين
ندينه ولا نقبله؛ والمقاومة المشروعة
التي لا نقبل أن تساوى بالإرهاب أينما
كانت، وتصادق عليها الدول العربية
الإسلامية. ولا بد من الشروع بالعمل
لتحقيق هذه الخطوة قبل أن نكون ضحايا
الحملة الأمريكية ضد الإرهاب دون ذنب
ارتكبناه، إلا تقصيرنا في توضيح موقف
محدد مبني على مصالحنا.
وفي
نظرة سريعة على المشهد العربي
الرسمي، يرى محمد خروب أنه اتسم في
بداية الأزمة بالخوف الشديد، وأعلن
تضامنه السريع والمطلق مع الولايات
المتحد ضد الإرهاب. وكان هناك قبول
دولي للاتهام الأمريكي بأن ما يسمى
"الإسلام السياسي" يقف خلف
الهجوم.
وبالتالي،
فإن الحكومات العربية -ربما- وجدت
فرصتها في تحسين أوضاعها بعد مرور عام
على الانتفاضة، شهد المزيد من
التضييق ومنع مظاهر التأييد
والتضامن، الأمر الذي قد يعني القبول
الكامل بالمنطق والشروط الإسرائيلية
لدرجة يصبح فيها النضال الفلسطيني
معادلا موضوعيا للعنف، الأمر الذي قد
يؤثر سلبا على الانتفاضة والمقاومة،
فضلا عن أن إسرائيل قد تتخذ ذلك ذريعة
للتخلي عن كل الاتفاقات والمعاهدات
والتفاهمات التي أبرمت مثل تقرير "ميتشل"
ووثيقة "تينت" في محاولة لنفض
الأوراق، أملا بأن تعيد ترتيبها
مستقبلا ولكن بشروطها.
مستقبل
الانتفاضة والمقاومة
من
الإيجابيات الثانوية لما حصل في
أمريكا من وجهة نظر عاطف الجولاني أن
المواطن الأمريكي قد نشهد له خلال
المرحلة القادمة تأثيرا على السياسية
الخارجية للولايات المتحدة خلافا عما
كان في السابق... ما حصل في أمريكا شكل
صدمة، ورغم انشغال الأمريكيين
بالأحداث فهم مضطرون للإجابة عن
أسئلة كثيرة ومهمة على مستوى الإدارة
والمواطن بعد أن تنخفض أصوات الحرب
حول سبب ما جرى لأمريكا، وحول سبب هذا
الحجم من العداء للسياسات الأمريكية،
وهو ما قد يؤدي إلى نوع من التغيير في
الموقف الأمريكي وربما بدأ ذلك
بالفعل.
النقطة
المهمة المتعلقة بما حصل بأن عقلانية
الأطراف العربية - في التعاطي مع قضية
الصراع العربي-الإسرائيلي - لم تنجح
في التأثير على توجهات الإدارة
الأمريكية من هذه القضية، واللافت
للانتباه أن أي تغيير قد يحصل في
السياسة الأمريكية لن يحدث نتيجة
العقلانية وإنما نتيجة عمل صاخب
ومدمر، في المقابل، فإن إقبال
الأطراف العربية على المفاوضات
والتنازل لم ينجح أيضا بأي تغيير في
السياسة الأمريكية أو الإسرائيلية؛
ولكن المقاومة – كما حدث في جنوب
لبنان ويحدث الآن - هي التي نجحت في
ذلك.
بالنسبة
لمستقبل الانتفاضة والمقاومة، فعند
بداية الأحداث كان هناك نوع من
الارتياح في المجتمع الإسرائيلي من
الانعكاسات المتوقعة لما جرى في
الولايات المتحدة، وكانت هناك دعوات
لاستغلال هذا الظرف من أجل توجيه
ضربات قاضية للسلطة الفلسطينية
والانتفاضة، ودفع باتجاه ذلك - اليمين
الإسرائيلي على وجه التحديد - بأن يتم
استغلال هذا الانشغال الدولي ضد ما
يسمى بالإرهاب من أجل التخلص من
الانتفاضة.
ولكن
بعد أيام قليلة من بداية الأحداث،
تغير المزاج العام الإسرائيلي، وبدأت
تطرح التخوفات من قبل السياسيين
الإسرائيليين، البعض توقع أن يكون
هناك تدخل قوي من أمريكا؛ ونظروا له
من الزاوية الثابتة على أساس الضغط من
أجل أن يقدم الجانب الإسرائيلي
المزيد من التنازلات حتى ينجحوا في
تهدئة الوضع، والبعض الآخر توقع أن
تكون حالة عزوف وانشغال أمريكي عن
قضايا المنطقة، والنظر لها بسلبية.
منعطفات
كثيرة
الانتفاضة
مرت خلال العام الماضي بمنعطفات
كثيرة، مثل تقرير لجنة ميتشل ووثيقة
جورج تينت. توقع الكثيرون أن تتوقف
الانتفاضة نتيجتها، وآخر هذه
المنعطفات الأحداث الأخيرة،
والمتابع لفعاليات الانتفاضة، يلحظ
وجود نشاط متزايد على الصعيد الشعبي
في الآونة الأخيرة، وإذا تكلمنا عن
الفعل المقاوم، فقد شهد أيضا وتيرة
متزايدة مع مرور عام على الانتفاضة
وقرابة شهر على أحداث نيويورك
وواشنطن، ونلاحظ أن من يقوم بهذه
العمليات جميع الفصائل والقوى
الفلسطينية فتح والجهاد وحماس التي
لم تكن موحدة في يوم من الأيام مثل
الآن، وخلال عام الانتفاضة، لم نشهد
اختلافات جوهرية بين الفصائل رغم
وجود خلاف بينها من جانب والسلطة من
جانب أخر على الموقف السياسي. القوى
الفلسطينية لأول مرة تتفق على برنامج
سياسي لهدف معين.
صحيح
أن حركتي حماس والجهاد تختلفان مع
حركة فتح والجبهة الشعبية في مدى
التحرير بين الأراضي المحتلة عام 1948
والمحتلة عام 1967، لكن هناك توافقا على
أن هذه الانتفاضة يجب أن تنجز تحرير
الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس
كعاصمة؛ والتنظيمات الإسلامية تقبل
بذلك كمرحلة أولى.
وبالتالي،
التخوف في ظل حملة الإرهاب ليس على
فرقة القوى والفصائل الفلسطينية
وإنما على موقف السلطة الفلسطينية
التي يتوقع أن تواجه ضغوطا متزايدة في
المرحلة القادمة، وأن تتحول المواجهة
بين السلطة من جهة والقوى الفلسطينية
من جهة أخرى.
ولاحظنا
في المرتين الأخيرتين أن وقف إطلاق
النار من جانب القوى الفلسطينية تم
خرقه من قبل حركة فتح؛ وهو إجراء ذكي
لا يستبعد أن يكون بالتنسيق بين القوى
الفلسطينية الأمر الذي يجعل السلطة
الفلسطينية تتوقف قبل اتخاذ أي ردة
فعل، ولو كانت التنظيمات الأخرى
والإسلامية على وجه التحديد هي التي
بادرت بخرق وقف إطلاق النار؛ لكانت
النتيجة هي حملة ضد هذه الأطراف "الإرهابية
المتطرفة".
إن
القوى الفلسطينية ستأخذ التطورات على
الساحة العالمية بعين الاعتبار؛ ولكن
ليس إلى درجة وقف الانتفاضة كما تدل
أغلب المؤشرات.
خيارات
الشعب الفلسطيني
يرى
جواد الحمد أن الفلسطينيين أمام
برنامجين اختلطا معا هما: الانتفاضة
والمقاومة، ولا بد من التمييز بينهما.
فالمقاومة عمل عسكري موجه مباشرة
لأهدافه باستخدام السلاح، أما
الانتفاضة فهي مواجهة ميدانية مدنية.
كما أن الانتفاضة يرتبط قراراها
بإجماع الفصائل الفلسطينية القائمة
عليها، أما المقاومة، فيرتبط
استمرارها بقرار فصيل واحد. ولذلك
عندما قررت حركتا حماس والجهاد
الإسلامي الاستمرار بالمقاومة بعد
توقيع اتفاقات أوسلو، استمرت
المقاومة فعلا إلى أن اندلعت انتفاضة
الأقصى بعد سبع سنوات.
وقد
اتفقت مختلف القوى على تحديد
الانتفاضة بحدها الأدنى نحو تحرير
الضفة والقدس والقطاع تماما وعودة
اللاجئين، وبرغم أن ذلك لم يكن
متبلورا منذ البداية، غير أنه تشكل
سياسيا مع الوقت، وأصبح الاتفاق عليه
واضحا.. والسؤال الآن ما الذي تحقق من
هذه الانتفاضة؟ هناك من يرى بأن
الانتفاضة قد حققت العديد من
الإنجازات النوعية، لكنها حتى اللحظة
– وبعد مرور عام عليها – لم تحقق
الهدف الإستراتيجي لها بعد، وإنما
حققت أهدافا أخرى تعد مقدمات لازمة
لتحقيق الهدف الإستراتيجي، وبالتالي
فإنها ستتواصل.
هناك
من يتحدث عن إنجازات أولية ومقدمات
للإنجاز بوصفها الإنجاز الإستراتيجي
ويحاول أن يطوع هدف الانتفاضة لشيء
آخر لا يصل إلى الهدف الإستراتيجي "التحرير"،
ويرى هؤلاء أن الانتفاضة قد استنفذت
أغراضها، ويؤيدون في نفس الوقت
العودة إلى التسوية وعدم تحرير الضفة
والقطاع بشكل كامل، وهم ليسوا
بالضرورة مع عودة كل اللاجئين إلى
ديارهم، وإنما المسائل لديهم مفتوحة
لتسويات وحلول وسط، لا تتفق من وجهة
نظر البعض مع هدف الانتفاضة وتضحيات
الشعب الفلسطيني.
أما
عن حجم التضحيات - التي قدمها الشعب
الفلسطيني - فهي كبيرة من خلال عدد
الضحايا الذي تجاوز 640 شهيدا، والبكاء
على التضحيات والعودة إلى التسوية
بحجتها، أو الاستمرار كشعب وكقوى
سياسية وتقديم المزيد هو سؤال سيجيب
عنه الفلسطينيون أنفسهم.
ولكن
التضحيات والصمود والتحمل الفلسطيني
- كعمق إستراتيجي للمواجهة مع عنف
وإرهاب الاحتلال - يمثل أبرز عوامل
الانتصار والإنجاز المتوقعة، ولأول
مرة يلحق الفلسطينيون بالعدو خسائر
مادية وبشرية؛ تشير الإحصاءات أنها 1:6
وفي بعض الأحيان 1:1 بالمقارنة مع
التفوق النوعي في السلاح بين
الفلسطينيين والإسرائيليين.
كذلك
نجحت الانتفاضة في نقل المعركة لأول
مرة إلى داخل العمق الإسرائيلي
المحتل أو القائم ضمن كيانه، وهو الآن-أي
الاحتلال- يدافع عن أمنه وعن أمنه
الداخلي بالتحديد وليس عن الحدود
الخارجية للكيان، وبذلك فرضت عليه
تغيير إستراتيجيته الأمنية.
الفلسطينيون
الآن في طور الإنجاز والتقدم؛ ولا بد
من التضحيات.. وهكذا هي معارك الجيوش
والمعارك السياسية، فإذا لم يراهن
الفلسطيني على الانتفاضة والمقاومة
بعد أن فشلت التسوية السلمية في
استرداد حقوقه.. فعلى ماذا يراهن إذن؟
اقرأ
أيضًا:
|