 |
|
عرفات
وبلير يوضحان مواقفهما من
الإرهاب |
منذ
أن أعلنت الولايات المتحدة عن نيتها
تشكيل التحالف الدولي لمكافحة
الإرهاب برز البُعد العربي والإسلامي
في ذلك التحالف بوصفه الأكثر أهمية
والأكثر إشكالية في آنٍ معاً، لا سيما
بعد أن حسمت واشنطن موقفها منذ اللحظة
الأولى متهمة العرب والمسلمين
باقتراف الهجمات على نيويورك
وواشنطن، وتحديداً أسامة بن لادن
كمتهم رئيسي.
على
إيقاع الجزء العربي والإسلامي في
تشكيل التحالف الدولي برزت جملة من
التصريحات والتحركات الأمريكية، كان
أهمها قصة مديح الإسلام بشكل يومي
بوصفه دين التسامح ونبذ الإرهاب،
والعودة عن زلّة لسان بوش التي تحدث
فيها عن "الحرب الصليبية"،
وصولاً إلى تغيير اسم الحملة "العدالة
المطلقة" بسبب تعارضها مع المفهوم
الإسلامي، إضافة إلى دفع وزير
الخارجية الإيطالي "بيرلسكوني"
إلى الاعتذار عن إهانته للمسلمين.
الأهم
من ذلك كله هو ما يتصل بالملف
الفلسطيني؛ فواشنطن تدرك تماما أن
هذا الملف كان ولا يزال الأكثر حساسية
في الوعي الإسلامي والعربي، ولذلك
فهي حرصت منذ البداية على عدم استفزاز
العرب والمسلمين في تفاصيله؛ كي لا
يؤثر ذلك سلبا على تشكيل التحالف،
ويدفع باتجاه التعاطف مع "الإرهاب"
وأسامة بن لادن.
قائمة
الـ “27” وقوى المقاومة
بدا
ذلك واضحاً حين أعلنت الولايات
المتحدة قائمة بـ “27” منظمة وشخصية
أمر الرئيس الأمريكي بملاحقة أموالها
وأرصدتها داخل الولايات المتحدة
والخارج، وقد لفت الأنظار حينها خلو
القائمة من أية منظمة ذات صلة بالصراع
العربي الصهيوني، سواءً أكانت
فلسطينية أم لبنانية.
الأمريكان
برروا ذلك للإسرائيليين الذين احتجوا
عليها، بأن ثمة قائمة سابقة وردت فيها
أسماء "حماس" و"الجهاد" و"حزب
الله"، بيد أن ذلك لم يكن مقنعاً؛
إذ إن عدداً من أسماء المنظمات التي
وردت في اللائحة الجديدة كانت قد وردت
في القديمة أيضاً.
ولم
يمضِ وقت طويل حتى حان موعد تجديد
القائمة القديمة التي تشمل "حماس"
و"حزب الله" و"الجهاد"؛ حيث
لم يكن بإمكان الإدارة الأمريكية
تغييرها؛ لأن ذلك سيكون بمثابة
استفزاز لا يُحتمل بالنسبة لتل أبيب
واللوبي الصهيوني، فضلاً عن مخالفته
لقناعات الإدارة الأمريكية نفسها،
غير أن ذلك لا يغير من حقيقة أن واشنطن
قد تجنبت إدراج حركات المقاومة في
القائمة الأولى؛ انطلاقاً من مجاملة
الوضع العربي والإسلامي، الذي يرفض
سحب صفة الإرهاب على حركات المقاومة،
لا سيما خلال هذه المرحلة التي شهدت
انتفاضة الأقصى وما أفرزته من إجماع
عربي وإسلامي غير مسبوق خلف خيار
المقاومة.
استهداف
العراق وقصة الدولة الفلسطينية
في
هذه الأثناء زار العاهل الأردني
الملك عبد الله واشنطن، والتقى
الرئيس الأمريكي “بوش”، وبعد عودته
بيوم خرجت وكالة الأنباء الأردنية
بخبر يقول: "إن الرئيس الأمريكي قد
وعد الملك عبد الله بعدم استهداف
العراق". ولما كان الخبر من النوع
غير المحتمل؛ نظراً لكونه يقيد أهداف
الحملة الأمريكية، فقد اضطُّرت
الإدارة الأمريكية إلى التوضيح نافية
الخبر. وبالطبع فقد أدرك الساسة
الأمريكيون أن ذلك النفي سيؤثر
تأثيراً سلبياً على خطوات المجاملة
للوضع العربي والإسلامي الرامية إلى
ضمها إلى التحالف والخروج من عقدة
تحويل الحملة من حرب على الإرهاب إلى
حرب على الإسلام والمسلمين.
في
هذه الأثناء -وتحديداً في “2/10”-
اضطُّر بوش إلى الخروج بتصريح حول
الصراع العربي الصهيوني، أعلن فيه
"أن فكرة دولة فلسطينية كانت
دائماً جزءا من التصورات، طالما تم
الحفاظ على حق إسرائيل في الوجود".
الأوساط
العربية الرسمية رحبت بتصريح الرئيس
الأمريكي؛ نظراً لحاجتها إليه لتمرير
دعمها للتحالف الدولي، على رغم
هامشية التصريح وعدم وضوحه. إذ إن
أحداً –بما في ذلك القادة
الإسرائيليون- لم يعارض قيام دولة
فلسطينية، حتى إن “نتنياهو” قد ذهب
إلى أن بالإمكان تسميتها "إمبراطورية"،
بيد أن السؤال الجوهري هو المتصل بشكل
تلك الدولة وحجم سيادتها، وما إذا
كانت تشمل القدس الشرقية أم لا، وهو
ما لم يُشِرْ إليه بوش من قريب ولا
بعيد.
شارون
يحتج
لم
يحتمل “شارون” تصريح “بوش” ولا
جملة المواقف الأمريكية السابقة،
بدءًا من رفض مشاركة فريق إنقاذ
إسرائيلي في أعمال الإنقاذ في مركز
التجارة، وصولاً إلى رفض المشاركة في
التحالف الدولي، ومع ذلك كله جملة
التصريحات الأوروبية الرافضة للربط
بين عمليات المقاومة الفلسطينية
وعمليات “بن لادن”.
هنا
صرخ “شارون” متهماً العالم الغربي -وعلى
رأسه أمريكا- بتسليم رأس إسرائيل
للإرهاب، كما فعل الغرب مع
تشيكوسلوفاكيا، حين سلمها لهتلر في
ميونيخ عام 1938. وعندما أوضح موقفه ذاك
لشمعون شيفر وناحوم برنياع من صحيفة
"يديعوت أحرونوت"، قال: "هناك
لحظة معينة تكتشف فيها أنهم يكيدون من
خلف ظهرك"، مضيفاً: "قررت أن أوقف
ذلك، بعد قليل ستبدأ الحرب (نشر
التقرير في 7/10) وستطالب إسرائيل
بتقديم تنازلات مفرطة للفلسطينيين،
وإذا رفضت ستتهم بإفشال الحرب، وهذه
كانت اللحظة الأخيرة.
حسب
محرري “يديعوت أحرونوت” فقد طلب
شارون من الأمريكيين أن يدرجوا "حماس"
و"الجهاد الإسلامي" و"حزب
الله" في قائمة الإرهاب، فرفضوا
بدعوى أنها تندرج في قائمة سابقة "أما
شارون ففهم الرفض بشكل مغاير". وقد
وصف “تسفي برئيل” مراسل الشؤون
العربية في صحيفة "هآرتس" تلك
الحالة بقوله: "فجأة أصبح لأمريكا
جدران خاصة بها، وفجأة أصبحت لها حرب
ضد الإرهاب، وهو ليس الإرهاب الذي
حددته إسرائيل، ولا بالوتيرة التي
حددتها، ولا بالحجم الذي ترغب فيه
وتنشده". وقد وصل به التشاؤم حد
القول: "إن المحللين السياسيين
الإسرائيليين قد شرعوا منذ الآن في
كشف الضحيتين الحقيقيتين للمعركة
الدولية ضد الإرهاب: أفغانستان
وإسرائيل"!.
المُلاسنة
بين “شارون” والإدارة الأمريكية جرى
استيعابها بسرعة من قِبل صهاينة
الولايات المتحدة، وتمت خمس مكالمات
بين “شارون” و”باول” لترطيب
الأجواء؛ حيث قام الأول بالاعتذار
علناً عن تصريحاته أكثر من مرة. وفي
العموم فقد وصف المحللون ما جرى بأنه
محض سحابة عابرة في مسيرة علاقة
إستراتيجية لا تنفصم عُراها، مذكّرين
بأزمة بوش الأب ووزير خارجيته جيمس
بيكر مع إسحاق شامير، وأزمة نتنياهو
مع الرئيس السابق كلينتون.
الأمريكان
والعلاقة مع "إسرائيل"
مجلة
"نيوزويك" الأمريكية دخلت على خط
العلاقة بين واشنطن وتل أبيب من زاوية
بدت مهمة؛ فالاستطلاع الذي نشرته
المجلة أثبت أن 58% من الأمريكيين يرون
أن العلاقة مع دولة الاحتلال تقف في
خلفية الهجمات على نيويورك وواشنطن،
بيد أن 63% لم يؤيدوا مقولة "إن الحد
من تلك العلاقة يمكن أن يقلل الإرهاب
الموجه إلى بلدهم"، فيما رأى 22%
منهم ذلك، وهو تطور مهم على كل
الأحوال، ومؤشر على إدراك له ما بعده
في الوعي الأمريكي.
“بن
لادن” والملف الفلسطيني
كان
الشريط الذي بثته قناة “الجزيرة”
ويظهر فيه أسامة بن لادن إلى جانب
الدكتور أيمن الظواهري زعيم تنظيم
الجهاد المصري وسليمان بوغيث الذي
وُصف بأنه الناطق باسم “القاعدة”..
كان مفاجأة الأحداث.
في
الشريط أوضح الرجال الثلاثة أهداف
حربهم على الولايات المتحدة، وكانت
المفاجأة المهمة للأوساط الأمريكية
هي وضعهم للملف الفلسطيني على رأس تلك
الأهداف؛ فقد وصفت الحرب بكونها الرد
على دعم العدو الصهيوني وحصار العراق
وإذلال الأمة، ورددت الأصداء قسم “بن
لادن” في نهاية كلمته بأن "لا تحلم
أمريكا ولا من يعيش في أمريكا بالأمن
قبل أن نعيشه واقعاً في فلسطين، وقبل
أن تخرج الجيوش الكافرة من أرض محمد".
وقد ردد الرجلان الآخران المضمون
ذاته واضعين فلسطين وقضيتها في مقدمة
أسباب استهداف الولايات المتحدة
ومصالحها.
هذا
الموقف -حسب معظم المراقبين- دخل كل
بيت أمريكي، وسيكون له تأثيره على
الناس هناك. أما تأثيره في الوضع
العربي والإسلامي -ومعه الفلسطيني-
فقد كان مثيراً؛ ففي اليوم التالي
دفعت غزة ثلاثة شهداء وستين جريحاً في
مظاهرة تأييداً لـ"بن لادن"
قمعتها الشرطة الفلسطينية؛ حيث تصر
السلطة هناك على الانسجام مع مقتضيات
التفاهم مع إسرائيل على وقف إطلاق
النار.
إعلامياً،
نجح “بن لادن” في استعادة زمام
المبادرة، واستقطاب الشارع
الفلسطيني والعربي والإسلامي من خلال
تبني القضية الفلسطينية؛ وهو ما أثار
الأوساط الإسرائيلية التي لم تنسَ
حتى الآن مشاهد الحشود الغاضبة في
العواصم العربية والإسلامية تضامناً
مع انتفاضة الأقصى.
مستقبل
تعاطي واشنطن مع الملف الفلسطيني
من
المؤكد أن تبني "بن لادن" للملف
الفلسطيني، وترديد أكثر من مسؤول
عربي لأهمية ذلك الملف في سياق محاربة
"الإرهاب"، واستقرار المنطقة
سيترك آثاره على التحرك الأمريكي في
المنطقة العربية، بيد أن ذلك سيظل
محكوما بشرط أساسي يتجاهله
المتفائلون بذلك التحرك، والداعون
إلى الانسجام مع معركة واشنطن ضد
الإرهاب، وقد لخص المراسل السياسي
لصحيفة "هآرتس" العبرية "عكيفا
إلدار" ذلك الشرط بقوله: "طالما
بقي أصدقاء الجمهوريين في الطائفة
اليهودية واليمين المسيحي يؤيدون
إسرائيل، يبقى شارون هو القاضي
الوحيد في شؤون وقف إطلاق النار
والاستيطان والتصفيات". وبالطبع
فإن ذلك ينسحب بالضرورة على مشاريع
التسوية الجديدة التي لا يمكن أن
تتجاوز بحال ما عرضه "باراك" في
"كامب ديفيد 2".
ثمة
جانب آخر يتصل بمآل معركة واشنطن
الطويلة ضد الإرهاب، وهو أن خروجها
منتصرة -كما حصل في حرب الخليج- إنما
يعني مزيدا من الانحياز إلى تل أبيب،
ومزيدا من محاولة إخضاع الوضع العربي
لشروطها لإنجاز التسوية، لا سيما إذا
وقع المحظور -المتوقع- بجعل العراق
وسوريا وحركات المقاومة هدفا من
أهداف المعركة المذكورة.
من
هنا يمكن القول: إن أعواما أخرى من
التيه ستكون بانتظار القضية
الفلسطينية بعد أن اتخذت القيادة
الفلسطينية -ومن ورائها النظام
العربي الرسمي- قرار الانضمام إلى
التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب. ومن
الصعب الجزم بمدى ذلك التيه، بيد أن
العودة إلى خيار المقاومة بعده ستكون
مؤكدة، مع أن قوى المقاومة لن تتوقف
حتى لو أصابها التعاون الأمني بمقتل
كما حصل خلال أعوام (1997-2000).
اقرأ
أيضًا:
|