|
لافت
للنظر هذا التبرم الشديد الذي أبداه
بعض الإعلاميين والسياسيين العرب
والفلسطينيين، من مطالبة أسامة بن
لادن للولايات المتحدة لتحقيق الأمن
الكامل للشعب الفلسطيني في أرضه. فقد
كان مفهومًا تمامًا أن تشعر الحكومة
الأمريكية بإشكالية جديدة في حملتها
ضد أسامة بن لادن، وهو يربط نفسه
بأقدس قضية يعيشها العرب والمسلمون
في العالم وهي تحرير القدس والمسجد
الأقصى.
وكان
مفهومًا أن تسعى شبكة الـ "سي.إن.إن"
بكل قوة لإثارة الشبهات والشكوك حول
مصداقية توجهه إزاء قضية فلسطين
وحقوق الشعب الفلسطيني، بل لقد كان
مفهومًا أن يتبرأ بعض العرب من خطاب
الودِّ الأمريكي كذبًا وخداعًا
وزورًا في محاولة سلخ بن لادن عن قضية
فلسطين.
لكنه
لم يكن مفهومًا أبدًا أن يتبرع بذلك
بعض الفلسطينيين من السياسيين
والإعلاميين للسير في نفس الركاب،
خاصة وأن أسامة بن لادن كان قد أكَّد
نفس المعاني في مقابلته مع شبكة الـ
"سي.إن.إن" عام 1997م، مشيرًا إلى
الظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني
على يد إسرائيل وبدعم أمريكي غير
محدود.
وبغضِّ
النظر عن تقييمنا لمدى مطابقة أسلوبه
في التعبير عن رأيه وخدمة قناعاته، مع
ما نراه نحن في نقطة الصراع الساخنة،
فإنه يعتقد أن قضية فلسطين قضية
مقدَّسة بالنسبة له كعربي ومسلم.
فلسطين
قاسم مشترك
فقضية
فلسطين لها عمقها العربي والإسلامي
في برنامج وتوجُّه ونفس كل عربي
ومسلم، سواء اتفقنا معه في العمل
والفكر السياسي أو لم نتفق، ولا شك أن
من مصلحة الشعب الفلسطيني أن يقف معه
كل العرب والمسلمين، بغضِّ النظر عن
انتماءاتهم وقناعاتهم وأساليب
عملهم، خاصة وأن القيادات السياسية
لمنظمة التحرير الفلسطينية - وطوال
عقود ثلاثة مضت من الصراع - كانت تسعى
وراء كل يهودي منبوذ في الأرض مؤيد
لبعض حقوق الشعب الفلسطيني، ووراء كل
أمريكي يؤمن بتطبيق بعض قرارات الأمم
المتحدة، برغم ظلمها للشعب
الفلسطيني، ولم يكن ذلك السعي وراء
هذا التأييد ومن أي مصدر يعني تبنِّي
مواقف الطرف الآخر أو فكره أو
أساليبه، وهو أمر معلوم جيدًا في
الساحة الفلسطينية.
ولا
بد من الإشارة هنا إلى مقولة القائد
الفلسطيني الراحل "أبو إياد" (صلاح
خلف) أثناء الحرب العراقية -
الإيرانية، حول موقف الشعب الفلسطيني
من الحرب: "نحن مع إيران إسلاميًّا
ومع العراق قوميًّا"؛ وذلك لتبقى
القضية الفلسطينية قاسمًا مشتركًا
لهموم الأمة العربية والإسلامية
ومصالحها حتى وهي في حالة اقتتال!.
ولذلك
أسْتَغْرِب وأسْتَهجِن هذا الموقف
الفلسطيني غير الحكيم والمبالغ فيه
سلبًا تجاه هذه التصريحات الإعلامية،
خاصة وأنها لا تحمل أي طرف فلسطيني أي
مسؤولية سياسية.
تساؤلات
هامة
من
جهة ثانية فقد سعى الجانب الفلسطيني
لالتقاط عبارات عامة حول بعض جوانب
مطالبه السياسية أشار إليها الرئيس
الأمريكي جورج بوش، مثل إقامة الدولة
الفلسطينية، حيث تم إبرازها وكأنها
تمثل تحولاً جذريًّا في السياسة
الأمريكية تجاه المنطقة، فلماذا لا
يستفاد من الصفقة التي عرضها أسامة بن
لادن حول تحقيق الأمن للشعب
الفلسطيني في السياق نفسه؟
ثم
كيف نفهم جدلية سياسية أصبحت من
المسلَّمات الفلسطينية والعربية في
مناقشة أحداث 11 سبتمبر 2001م في أمريكا،
بأن القضاء على منابع "الإرهاب"
يستلزم حل القضية الفلسطينية،
واستعادة عدالة أكبر في سياسات
الولايات المتحدة تجاه العالم
العربي؟ فهل ذلك يعني أن القائلين
بهذه الجدلية يؤيدون الهجوم على
أمريكا بهذه الطريقة؟ أم هل يعني ذلك
أن المقاومة التي تمارسها فصائل
فلسطينية وعربية محيطة بفلسطين ضد
الاحتلال الإسرائيلي تقع في خانة
الإرهاب؟
دائرة
خلط الأوراق
لا
شك أننا اليوم نقع في دائرة من خلط
الأوراق والمفاهيم، وغالب سببها
محاولة التبرؤ من ذنب لم نرتكبه، أو
محاولة كسب ودِّ الآخر الغاضب فحسب،
لكن هذا الخلط وخلال خمس سنوات من
اليوم سوف يشكِّل ثقافة الأجيال
العربية والإسلامية القادمة، وعندها
ستدفع قضية فلسطين ثمنه الأكبر
بعزلها عن عمقها العربي والإسلامي
فكريًّا وشعبيًّا إذا استمر موقف
البعض الزاهد في البُعْد الإسلامي
والعربي للقضية.
لقد
أبدت الإدارة الأمريكية والإعلام
الأمريكي تخوفًا واضحًا من ربط أسامة
بن لادن برنامجه بتحقيق الأمن للشعب
الفلسطيني، وهو ما يجب استثماره
سياسيًّا وشعبيًّا؛ لتصعيد الضغط على
الموقف الأمريكي المنحاز للعدو
الصهيوني، ودفعه إلى إعادة تقويم
سياساته في المنطقة، والعمل على دعم
كفاح الشعب الفلسطيني ونضاله لنيل
حريته وتحقيق عودته إلى أرضه ووطنه.
|