|
منذ
أن تعرضت الولايات المتحدة الأمريكية
للهجوم وهي تستعد للرد. وخلال العشرة
أيام الأخيرة (11/ 21-9-2001) تبلورت هذه
الاستعدادات في شكل جهود كثيفة
لتشكيل ما يُسمى "التحالف الدولي".
وتشير متابعة هذه الجهود إلى أن
الولايات المتحدة تقرع طبول حرب
حضارية شاملة.
فإذا
كانت الهجمات على الولايات المتحدة
بمثابة أكثر الأحداث أهمية منذ نهاية
الحرب الباردة، فإن عواقب هذه
الهجمات ستؤثر بعمق على النظام
الدولي، وستمثل ساحة مصيرية لاختبار
الأبعاد السياسية للنظام الدولي
وإعادة تشكيلها، وعلى رأس هذه
الأبعاد قيادة الولايات المتحدة
للتحالف الغربي، ودورها العالمي كقوة
عظمى وحيدة، ووضع الأمة الإسلامية (شعوبا
وأنظمة) في ظل هذه القيادة؛ حيث يرجح
أن الأمة هي الطرف الأساسي المستهدف
بهذه الحرب.
ويمكن
تحليل هذه الأبعاد من خلال ثلاثة
محاور متراكمة مترابطة، وهي:
أولا:
البعد الثقافي الحضاري في إدراك
الغرب لمصادر التهديد
لم
يخل الخطاب الرسمي في الغرب- على
الأقل طوال العقد الأخير- من الإشارة
إلى المخاطر التي تتعرض لها الحضارة
الغربية، الناجمة من أوضاع الجنوب،
وعلى رأسها "الحركات الأصولية
المتطرفة"، أو "الإرهاب". ومع
ضرب قائدة العالم الغربي في 11-9-2001، لم
يكن غريبا أو مفاجئا أن الأبعاد
الثقافية والحضارية قد غلبت على
الخطابات الرسمية وغير الرسمية
الأمريكية والغربية عامة.
فنجد
أن هذه الخطابات- سواء وردت في
تصريحات رسمية، أو تعليقات وتحليلات
مكتوبة ومسموعة ومرئية، وعلى رأسها
أول تصريحات بورش عقب الهجمات مباشرة
وتصريحاته المتوالية خلال العشرة
أيام الأخيرة، وخاصة في خطابه أمام
الكونجرس- تصف الهجمات بأنها حرب ضد
الديمقراطية والحرية؛ ضد العالم
المتحضر؛ ضد قيم وقواعد الحضارة
الغربية، وبأنها حرب بين الخير
والشر، وبين الحرية والخوف.
ومن
ناحية أخرى وصفت هذه الخطابات الحرب
الجاري إعدادها بأنها حرب القرن
الحادي والعشرين لحماية الحضارة
الإنسانية ضد أعدائها؛ حرب ضد كل من
يرفض قيم الحضارة الغربية ومبادئها
في الديمقراطية والحرية؛ حرب ضد عدو
جديد بدون وجه وبدون حدود.
مَن
إذن يمثل مصدر هذه التهديدات؟ وإلى
مَن تتجه الحرب الشاملة ضد الإرهاب؟
فصل
تكتيكي
بالرغم
من التأكيدات الرسمية الأمريكية
والغربية على أنه لا يجب الخلط بين
الإسلام والإرهاب، أو بين المسلمين
والعرب وبين الإرهابيين، فإنها لم
تكن إلا تأكيدات ذات طابع تكتيكي
تحركها دوافع عدة، على رأسها القلق
تجاه قضية الاندماج الداخلي، سواء في
المجتمع الأمريكي أو بعض مجتمعات
أوروبية؛ ومن ثم الحاجة إلى تأمين
التماسك خلال الأزمة.
ومما
لا شك فيه أن قضية التعددية الثقافية
والدينية في هذه المجتمعات قد زادت
أهميتها وخطورتها في الوقت نفسه،
خوفا من أن تصبح مصادر التهديد من
الداخل، وليس من الخارج فقط، وخاصة في
ظل التساؤلات حول التحديات التي
ستفرضها الإجراءات الأمنية
والاستخبارية الجديدة على الطابع
المدني الديمقراطي لهذه المجتمعات.
ومن
ناحية أخرى، كانت هذه التأكيدات تمثل
مخرجًا لبعض النظم العربية
والإسلامية التي لا بد من تعبئة
مشاركتها في التحالف الدولي لتوفير
غطاء شرعي عربي وإسلامي لهذه الحرب
الجديدة.
وبالرغم
من هذه التأكيدات، وجدنا أن العرب
والمسلمين هم المتهمون الأساسيون منذ
البداية وقبل أن تكتمل التحقيقات
وتعلن النتائج. وتثير هذه التحقيقات
كثيرًا من علامات الاستفهام في ظل
التخبط الذي يحيط بقائمة المشتبه
فيهم التي تم الإعلان عنها، وفي ظل
استبعاد المراقبين ووسائل الإعلام
الغربية، مناقشة احتمالات أخرى حول
منفذي الهجمات ومدبريها، والمقصود
بذلك بالطبع قوى أخرى، مثل: ميليشيات
اليمين المتطرف الأمريكي؛ منظمات
الجريمة المنظمة والمخدرات،
والموساد… إلخ.
إسرائيل
جزء من المنظومة الغربية
وفي
المقابل، نجد أن إسرائيل تجتهد
لتتطابق مع المعسكر المهدد؛ أي معسكر
العالم الحر، الديمقراطي، المتمدين،
ولتأكيد أن الصراع العربي-
الإسرائيلي ليس مسئولا عن تصعيد
العداء للولايات المتحدة، وأن
إسرائيل عرضة لـ"الإرهاب
الفلسطيني الإسلامي" مثلها مثل
الغرب، وأن العرب والمسلمين مصدر
التهديد الأساسي للغرب، ناهيك بالطبع
عن استغلال ضباب نيويورك وواشنطن
لتصعيد العدوان على الشعب الفلسطيني،
وانتهاك ما تبقى من ملامح الحكم
الذاتي الفلسطيني في الضفة الغربية
وغزة.
هل
يعي المسلمون ما يجري؟
ومن
ناحية أخرى، وإذا كانت النظم
والحكومات العربية والإسلامية قد
حرصت على الإشارة إلى أن الإرهاب
الإسرائيلي ليس أقل خطورة من مظاهر
الإرهاب الأخرى، فإن انضمام البعض
منها إلى التحالف الدولي لأداء أدوار
متنوعة لم يقترن بموقف جماعي واضح
يعلن التمسك بمفهوم متفق عليه
للإرهاب، ويميز بين الأعمال
الإرهابية وأعمال المقاومة ضد
الاحتلال، وأعمال الكفاح من أجل
التحرير في أرجاء العالم الإسلامي
كافة. ولذا لا بد أن نتساءل: هل تعي هذه
النظم العربية والإسلامية حقيقة
الحرب الحضارية الشاملة التي تغلف ما
يسمى بالتحالف الدولي ضد الإرهاب؟
ألن تعني مشاركتها في مثل ذلك التحالف
تقسيما جديدا، ونمطا جديدا من
التجزئة في العالم الإسلامي؟ ألن
يعني إعادة تشكيل التحالفات الدولية
الإقليمية والعالمية على أسس جديدة؟
ثانيا:
دلالات الجهود الأمريكية لتشكيل
التحالف الدولي
يمثل
التحليل التراكمي للاتصالات الرسمية
الأمريكية: المعلنة وغير المعلنة؛
على مستويات مختلفة؛ سواء مع حلفائها
الأوروبيين، أو مع روسيا والصين، أو
مع الدول العربية والإسلامية، منذ
بداية الأزمة، منطلقا هاما لدراسة
إشكاليات وآفاق هيكل النظام الدولي
ووضع الولايات المتحدة فيه بالمقارنة
بالقوى الدولية الأخرى في مرحلة ما
بعد الهجمات على نيويورك وواشنطن.
ويمكن تسجيل الملاحظات التالية:
موارد
الحرب
أ-
يقود بوش حملة كثيفة داخلية لتعبئة كل
الموارد الممكنة المالية،
والمعنوية، والسياسية وراء هذا
التحالف الذي تقوده الولايات
المتحدة، من أجل حرب وصفها بوش أكثر
من مرة بأنها حرب جديدة؛ غير تقليدية؛
لن تكون القوة العسكرية إلا إحدى
أدواتها، حيث ستتضافر كل أدوات
السياسة الأمريكية في تنفيذها عبر
فترة ممتدة.
وبالرغم
من بعض الاحتجاجات الأمريكية
الداخلية الداعية للنهج السلمي في
مواجهة التهديدات، فإن الأصوات
الداعية للنهج "الأكثر واقعية"
بلغة السياسة الأمريكية هي الأعلى
والأكثر انتشارا، في ظل الحديث عن "الصحوة
الوطنية الأمريكية". وبالرغم من
بعض الانتقادات التي تعالت حول قصور
الخدمات الاستخبارية والأنظمة
الأمنية الدفاعية، يبدو أن الأمة
الأمريكية بكافة روافدها قد قررت- على
الأقل حتى الآن- أن تتوحد وراء
الإدارة الجمهورية لخوض هذه الحرب
الشاملة، باعتبارها الرد الأمثل على
ما أصاب الهيمنة الأمريكية من انتهاك.
ولعل
الصورة التي عكسها خطاب بوش
بالكونجرس في 19-9-2001 تترجم حقيقة هذا
الوضع. فإن كلمات بوش القاطعة
والحاسمة، التي تجسد كل معاني غطرسة
القوة الأمريكية، قد أظهرته بمظهر
جديد لم يظهر عليه منذ تولّيه الرئاسة.
ومع ذلك يظل الأمن الداخلي الأمريكي
هاجسًا يعكر صفو الاستعداد "للتدخل
الخارجي". ومن هنا مغزى تكوين ما
سُمي "إدارة الأمن الجديدة" في
الولايات المتحدة التي سيرأسها حاكم
بنسلفانيا. كذلك يظل وضع الاقتصاد
الأمريكي المتأرجح يمثل هاجسًا آخر،
ليس لأمريكا بمفردها، ولكن للعالم
كله.
ولذا
يثور التساؤل: كيف ستقوم الولايات
المتحدة بتمويل عمليات هذه الحرب
الممتدة- وفق وصف بوش- لعدة سنوات
قادمة؟ وهل يتم ذلك بكل الوسائل وعبر
أرجاء العالم أم ستشارك أطراف أخرى-
وخاصة الخليجية- في تحمل بعض الأعباء
المالية؟ أم أن هذه الأعباء المالية
سيتم توفير الموارد اللازمة لها من
خلال التخلي– ولو مؤقتًا– عن تنفيذ
أحد أهم خطط الدفاع الإستراتيجي
الأمريكي وهي خطة أو برنامج الدرع
الصاروخي؛ حيث أعلن مجلس الشيوخ في
20-9-2001 تحويل ميزانية هذه الدرع
لميزانية مكافحة الإرهاب. ومن
المعروف أن الكونجرس قد خصص 40 مليار
دولار لهذه المكافحة.
مساندة
مع التحفظ
ب-
بالرغم من إدانة كل الدول للهجمات ضد
المدنيين الأبرياء، وإدانة الإرهاب
الدولي، وتأكيد الحاجة للتعاون
الدولي للقضاء عليه، وبالرغم من
إعلان دول عديدة مساندتها الكاملة
للولايات المتحدة فيما ستقدم عليه
ردًا على هذه الهجمات، يمكن أن نلاحظ
أمرين، سواء على الصعيد الأوربي أو
الآسيوي أو العربي والإسلامي، ولو
بدرجات مختلفة:
-
الأمر الأول هو نوع من التردد والحذر
من مساندة استخدام القوة العسكرية ضد
أفغانستان، وذلك استناداً إلى عدة
اعتبارات من أهمها ضرورة التأكد من
مسئولية أسامة بن لادن، أو الأضرار
الشديدة التي ستحيق بالمدنيين
الأفغان الذين يرزحون تحت خط الفقر،
أو مخاطر الانزلاق الأمريكي في
مستنقع أفغانستان، أو مخاطر اتساع
نطاق استخدام القوة العسكرية على نحو
يهدد بحرب إقليمية.
-
والأمر
الثاني هو نوع من الاتهام – الضمني
أحيانًا والصريح أحيانًا أخرى – بأن
السياسات الأمريكية العالمية مسئولة
عن إثارة العداء ضد الولايات
المتحدة، وأن على الولايات المتحدة
أن تتأنى في حساباتها وتحركاتها؛
حفاظًا على السلام العالمي.
الدور
الإسرائيلي
ج-
بالرغم من أن إسرائيل قد أعلنت منذ
الساعات الأولى بعد الهجمات، عن
الضرورة الملحة لتكوين تحالف دولي ضد
الإرهاب، للدفاع عن الحضارة الغربية
والعالم الحر، وحيث تصاعدت الأسئلة
لاحقا عن كيفية اشتراك دول عربية
وإسلامية في تحالف تشارك فيه
إسرائيل، فإننا نجد تصريحًا أمريكيًا
– على لسان وزير الخارجية – بأن
إسرائيل لن تشارك في هذا التحالف.
وبالطبع فإن المقصود هو التحالف
العسكري لتوجيه ضربة لأفغانستان،
وليس التحالف على أصعدة أخرى قائمة
بالفعل بين الولايات المتحدة
وإسرائيل، وعلى رأسها التحالف ضد
الحركات الإسلامية التي يسميها
الطرفان "الحركات الأصولية
الإسلامية" أو "الإرهاب
الإسلامي". كما أن إسرائيل تشارك
أطرافًا أخرى – مثل تركيا، والهند،
وروسيا، والصرب- في تحالفات ضد قوى
إسلامية أخرى.
ويذكرنا
هذا السيناريو بسيناريو التحالف
الدولي ضد العراق في 1991. والجدير
بالتسجيل هنا أن إسرائيل تجني حتى
الآن ثمار تحالف لم تشترك فيه منذ عشر
سنوات، وهاهي تجني منذ الآن ثمار
تحالف جديد يتم تشكيله؛ ولذا فلا بد
أن يكون مثارًا بقوة الآن على الصعيد
العربي والإسلامي – ما إذا كان لهذه
المشاركة العربية والإسلامية مردود
إيجابي على القضايا المصيرية للأمة
الإسلامية: الداخلية منها أو الدولية
أو البينية.
وفي
حين أعلنت إسرائيل وضعها القواعد
الجوية الإسرائيلية تحت تصرف
الولايات المتحدة، فإن عمرو موسى
أمين عام جامعة الدول العربية أعلن في
21-9- 2001 أن الدول العربية لا يمكن أن
تشارك في تحالف تشترك فيه إسرائيل.
طوعا
أو كرها
د-
إن الولايات المتحدة ليست بسبيل
تعبئة مساندة دولية عارمة نابعة من
إرادة حركة في كل الحالات، ولكنها في
الواقع تقوم بممارسة ضغوط وتهديدات
مباشرة وغير مباشرة على بعض الأطراف،
ملوحة أحيانًا بالجزرة، وملوحة
أحيانًا أخرى بالعصا؛ ولذا فإن آليات
تشكيل هذا التحالف وطبيعته ونتائجه،
خلال المرحلة المقبلة، لا بد وأن تثير
أكثر من تساؤل حول هيكل النظام الدولي
الجديد وحقيقة القوة الأمريكية: هل هي
قوة صلدة تستطيع إجبار الجميع على
قبول ما تريده؟ أم هي قوة مرنة تستطيع
الإقناع بقبول ما تريده؟ بعبارة أخرى:
هل ستؤكد أمريكا انفرادها بوضع القوة
العظمى الوحيدة؟ أم ستتواتر المؤشرات
على تآكل هذا الوضع نتيجة تراكم
التحديات له؟
وهنا
يمكن توجيه النظر إلى الحالات
التالية: حالة باكستان وما يثير وضعها
الخاص من إشكاليات أمام قبول رئيسها
التحالف المباشر العسكري لتوجيه
الضربة ضد أفغانستان، حالة دول مثل
مصر والسعودية وإندونيسيا وتعبئة
تحالفها غير المباشر الذي يتمثل في
التعاون المالي أو الاستخباراتي
أساسًا (فضلا عن توظيف القواعد
الأمريكية في الخليج)، حالة الصين
وروسيا وإيران، وتعبئة عدم المعارضة
المفتوحة للعمليات العسكرية أساسًا،
حالة الاتحاد الأوروبي وتعبئة تحالفه
المشروط. فإذا كانت أوروبا قد سارعت
بالإعراب- منذ اليوم الثاني للهجمات-
عن تضامنها العسكري الكامل مع
الولايات المتحدة، من خلال وضع
المادة الخاصة بالدفاع الجماعي لحلف
الناتو موضع التنفيذ، فسرعان ما بدأت
بعض الشروط تظهر على صعيد اجتماعات
الأجهزة الأوروبية الرسمية
الجماعية، ومن خلال تصريحات بعض
قادتها- خاصة شيراك وباستثناء توني
بلير- وتتمثل أهم هذه الشروط في ضرورة
أن تكون الأعمال العسكرية الأمريكية
محددة، وأن تحوز غطاء شرعيًا من مجلس
الأمن.
ولقد
أقر اجتماع القمة الأوروبي
الاستثنائي في بروكسل في 20-9-2001 هذين
الشرطين، كما أقر إجراءات أمنية
جماعية جديدة لمكافحة الوجود
الإرهابي داخل الدول الأوروبية.
الدلالات
بالنسبة للأمة الإسلامية
خلاصة
القول بهذا الصدد ودلالته بالنسبة
للأمة الإسلامية:
1-
أن المرحلة الحالية- في نظر إدارة بوش-
تمثل لحظة اختيار صعب وحاسم بالنسبة
للجميع، اختيار "أن تكون مع أمريكا
أو ضدها"، هكذا قالها بوش، في خطابه
أمام الكونجرس. وهي، أكثر من ذلك،
لحظة تدشين لمرحلة تقسيم جديدة
للعالم. وإذا كانت الدول الكبرى تقدر
على المناورة حول شروط هذه
الاختيارات، فإن هناك بعض الدول التي
تعلن أوضاعها أنه لا سبيل أمامها
للاختيار؛ لأن التحالف مفروض عليها
أرادت أم لم ترد؛ ولذلك لا عجب أن
تجتهد مثل هذه الدول- وهي إسلامية-
لإيجاد المبررات لإضفاء شرعية على
"اختياراتها"، وعلى رأس هذه
المبررات ضرورة الالتزام بمتطلبات
"التعاون الدولي" ضد "الإرهاب"
وفقًا لمقررات "الشرعية الدولية"،
متناسية أنه تعاون في مواجهة دول
وشعوب إسلامية ستتعرض لضربات عسكرية
بقيادة أمريكية وليس ما يسمى الشرعية
الدولية.
2-
أن كل دولة إسلامية تتبنى موقفها من
التحالف بشكل فردي، ولا نجد أية
مؤشرات عن مواقف جماعية إسلامية تجاه
هذه التطورات الخطيرة التي تمس الأمة
الإسلامية بصورة واضحة. فإذا كان
الناتو قد اجتمع، وكذلك الاتحاد
الأوروبي، بل منظمة الدول الأمريكية،
في اجتماعات استثنائية، فلم ترد
بادرة عن إمكانية انعقاد قمة طارئة
للجامعة العربية أو منظمة المؤتمر
الإسلامي، هذا بالرغم من أن العرب
والمسلمين هم المستهدفون الأساسيون
سواء بالإجراءات العسكرية أو الأمنية
أو الاقتصادية أو الدبلوماسية.
3-
أن الأمر الآن أكثر خطورة مما كان
عليه خلال حرب الخليج 1991، أو خلال حرب
الناتو ضد الصرب 1999، وهما حدثان- على
ما بينهما من اختلافات في السياق
المكاني- أثارا الجدل حول مشروعية
وشرعية مساندة التحركات الأمريكية
تجاههما، فالآن نجد أن الولايات
المتحدة خصمًا أساسيًا ومباشرًا، كما
أن الائتلاف الجاري إعداده ليس لعقاب
دولة مسلمة لاعتدائها على دولة مسلمة
أخرى- كما احتجت بذلك الموقف بداية
التسعينيات-ولكن الوضع الآن يتصل
باستعدادات أمريكية لضرب دولة مسلمة،
باعتبارها مؤيدة للإرهاب وفقًا
لمفهوم الولايات المتحدة وحلفائها
وعلى رأسهم إسرائيل.
لذا
لا عجب أن تذرو الرياح بيانات طالبان
وقادة الجماعة الإسلامية في باكستان
القاضية بعدم شرعية مساعدة الولايات
المتحدة ضد دولة إسلامية، كما لا عجب
أيضًا أن تذرو الرياح الآراء الداعية
الولايات المتحدة لأن تتأنى في اتخاذ
قراراتها وأن تتجه نحو خيارات أكثر
سلمية ومن هذه الآراء تلك التي صرّح
بها الرئيس المصري مبارك، موضحًا أن
التهم لم تثبت بعد على أسامة بن لادن
وطالبان، ومن ثم فإن الضربة العسكرية
الأمريكية يجب أن تتأنى حتى لا تودي
بحياة المدنيين الأبرياء.
ثالثا:
النوايا والأهداف "الحقيقية"
الأمريكية
كانت
التحركات العسكرية الأمريكية
المنفردة الضخمة في كافة أرجاء
العالم، هي بالطبع الاستجابة
الطبيعية والمتوقعة من جانب الدولة
العظمى، التي تعرض أمنها لاختبار جاد
مع الهجمات القاتلة على رمزي قوتها:
المال والقوة العسكرية.
ولكن
يظل السؤال التالي يفرض نفسه بإلحاح:
هل الهدف الوحيد هو الاستعداد
لاستئصال أسامة بن لادن وتنظيمه
ونظام طالبان الذي يؤويه؟ أم أن هناك
أهدافا أخرى حقيقية تستدعي كل هذه
الاستعدادات العسكرية الجارية وحشد
ذلك التحالف؟
أعتقد
أنه لا يجب البحث عن إجابة هذا السؤال
المزدوج في اتصاله المباشر بما يُسمى
مكافحة الإرهاب، ولكن يجب النظر إليه
في سياق الإستراتيجية الأمريكية
العالمية بعد نهاية الحرب الباردة،
وموضع مكافحة الإرهاب منها، ما يتصل
بذلك من أحاديث التدخلات الدولية من
أجل حقوق الإنسان والديمقراطية.
إن
الخبرتين السابقتين للاستخدام
الأمريكي للقوة العسكرية ضد العراق،
وضد صربيا خلال التسعينيات، تقدمان
لنا دلالات شديدة الوضوح، وهي أن
الولايات المتحدة لا تحرك القوات
الضخمة تحت غطاء دولي لتحقيق أهداف
محدودة (مثل تحرير الكويت أو حماية
ألبان كوسوفا) فقط، ولكن تكون تلك
الأخيرة مجرد منطلق لإعادة تشكيل
التوازنات الإقليمية في المناطق
المعنية، ولاختبار التوازنات
العالمية حولها، بما يحقق حماية
المصالح الإستراتيجية الأمريكية
وتحقيق الأهداف المرتبطة بها
وتدعيمها.
مناطق
وقضايا خطيرة
ولهذا،
وعلى ضوء استدعاء دلالات هاتين
الخبرتين، يمكن القول بأن العمليات
العسكرية المقبلة ضد أفغانستان- أيًا
كانت طبيعتها- إنما يحركها ويرتبط بها
قضية التوازنات الدولية في آسيا،
ووضع العامل الإسلامي في هذه
التوازنات؛ ولذا تفرض مجموعة من
القضايا نفسها على تحليلنا الراهن،
وعلى متابعتنا للتطورات القادمة، مع
تنفيذ العمليات وبعدها، وهنا يمكن أن
نطرح الأسئلة التالية:
-هل
ستقدم جمهوريات آسيا الوسطى وخاصة
أوزربكستان وتركمنستان خدماتها
اللوجسيتيكية للولايات المتحدة؟
ومقابل ماذا؟ وما أثر هذا على تزايد
النفوذ الأمريكي في مقابل الروسي؟ هل
يمكن أن تتجدد الحرب الأهلية في
طاجكستان تحت اعتبارات المساندة مع
حكومة طالبان من جانب الجماعات
الإسلامية الطاجكية؟
-هل
يمكن أن تتزعزع أوضاع باكستان
الداخلية من جرار المواجهة بين
النظام الباكستاني والقوى الإسلامية
المعارضة للتعاون مع الولايات
المتحدة، أم أن المكاسب التي سيحققها
الاقتصاد الباكستاني قد تؤثر على
إضعاف هذه المعارضة في نظر "الشارع
الباكستاني"؟
-
هل
ستراقب إيران ضرب نظام طالبان غير
الموالي لها؟ وما الفائدة
الموجودة؟
-
أين
صوت الهند؟
-
هل
ستكتفي الصين بإعلان رفضها للخيار
العسكري؟ وما الذي يجري في كواليس
العلاقات الأمريكية- الصينية،
وخاصة مع الإعلان الأمريكي الأخير
عن قبولها انضمام الصين لمنظمة
التجارة العالمية؟
-
هل
ستكتفي روسيا بتحذير الولايات
المتحدة من الانزلاق في مستنقع
أفغانستان أم ستدفعها حساباتها إلى
تقديم التعاون الاستخباراتي وغيره
للعمليات العسكرية الأمريكية؟ أم
ستكون هذه العمليات الأمريكية
القريبة من البطن الروسي ذات آثار
مباشرة على الأمن الروسي تقتضي من
بوتين حسابات أخرى؟
-
هل
ستكون العراق واليمن وليبيا أهدافا
متزامنة مع الهدف الأفغاني؟
-
ما
الآثار المحتملة لقيام نظام أفغاني
جديد موال للولايات المتحدة تكونه
قوى المعارضة الشمالية.
أبعد
من أفغانستان وتوازنات آسيا
وعلى
صعيد آخر، فإن التحركات العسكرية
الأمريكية لا تستهدف أفغانستان فقط
أو التوازنات الآسيوية بصفة عامة،
ولكن تمثل استعراضًا هائلاً للقوة
العسكرية، وهي القوة التي تمثل إحدى
الدعائم الأساسية في الحرب الحضارية
الشاملة الجاري إعدادها بقيادة
أمريكية، وبمشاركة أوروبية،
وبمراقبة عربية وإسلامية ضد ما يُسمى
"الإرهاب الدولي" والدعائم
الأخرى لهذه الحرب الممتدة والشاملة
عديدة ومتنوعة، فمنها الاقتصادية
المتمثلة أساسًا في أوراق الضغط
المالية والتجارية، ومنها
الاستخبارية والأمنية المتمثلة في
الإجراءات المتطورة ضد الناشطين
الإسلاميين في أوروبا وفي الدول
العربية والإسلامية ذاتها، وهي
الإجراءات التي تثير في الغرب الكثير
من الجدل حول كيفية الموازنة بين
حماية الحريات الفردية والحقوق
المدنية في ظل الديمقراطية الغربية،
وبين منع استغلال تلك الحريات
والحقوق لأغراض إرهابية.
كم
يتبقى من حرياتنا؟
وإذا
كان هذا الجدال يأخذ أبعادًا جديدة
الآن في أوروبا والولايات المتحدة
بعد الاتجاه لتطوير الإجراءات
الأمنية والاستخبارية في المجتمعات
الغربية، فإن نظيره في الدول العربية
والإسلامية يحمل أبعادًا أخرى
يترجمها السؤال التالي: ما القدر
المتبقي من مساحة الحركة أمام
الناشطين إسلاميًا: سواء المحجوبون
عن الشرعية، أو الذين يتمتعون بها، أو
المحاصرون؟ هل ستمثل الهجمات ضد
الولايات المتحدة وعواقبها بالنسبة
لوضع المسلمين داخل وخارج الولايات
المتحدة، منطلقا جديدًا للسلطات
الرسمية نحو مزيد من الحوار
والانفتاح؟ أم نحو مزيد من الصدام
والمواجهة والحصار، سواء على الصعيد
المشاركة السياسية أو المجتمع المدني
أو التوجهات الثقافية والخدمية
العامة؟ بعبارة أخرى كيف ستجري إدارة
الأبعاد غير العسكرية للحرب الحضارية
الشاملة ضد ما يُسمى "الإرهاب"
داخل وخارج مجتمعاتنا العربية
والإسلامية.
أقرا
أيضا:
الهجمات
على أمريكا ومستقبل العالم
قبل
أن يشهد العالم هيروشيما جديدة
مغامرات
أمريكا تقلق الأوربيين ويريدون كبح
جماحها
الإسلام
والغرب.. العودة إلى المربع رقم 1
تفجيرات
أمريكا نافذة فرص نادرة للصهاينة
مهام
عاجلة ضد الحرب
علماء
المسلمين.. إجماع على حرمة تحالف بوش
مبارك
لبوش: لا تكونوا كالإرهابيين
|