 |
|
هل نحن حقًا مبتهجون لتلك الكارثة؟ |
في حياة البشر
أحداث هامة ولحظات فارقة ينبغي أن
ترتفع فيها قدرات العقل على التأمل
والتفكير فوق اختلاطات المشاعر، مهما
كانت قوية وطاغية.
وقد
مرَّت بالمسلمين حوادث زلزلت نفوسهم
فاختلطت عليهم الأمور، ونزل القرآن
يضع النقاط فوق الحروف، ويستخلص
الدرس والعبرة؛ ليكون هذا منهاجًا
ناصعًا يتخذه المسلم لحركة حياته إلى
أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ومن
هذه الحوادث نذكر حادثتين: الأولى
هزيمة المسلمين في غزوة أُحُد، التي
جاءت بعد انتصار بدر العظيم الذي كان
نقطة تحول في مسار الصراع بين الإسلام
والكفر. جاءت أُحُد بكل أخطائها
وآلامها، والدماء التي سالت فيها،
والشائعات التي انطلقت فيها، والجو
النفسي المصاحب لها لتكون صدمة هائلة
للكيان الإسلامي الوليد... فماذا قال
الوحي؟!
هل
اكتفى القرآن بتطييب نفوس المسلمين
المهزومين، أو محاولة تبرير هزيمتهم،
أو مواساتهم في مصابهم؟! هل صمت عن
الأمر برمَّته مراعاة لمشاعر الحزن
والإحباط، والانكسار التي صاحبت
الهزيمة؟! ما أروع أن نعود لآيات الله
سبحانه نتلوها ونكرِّرها كل حين؛
لنتعلم ونستعيد الدروس والعبر، ونرى
كيف عالج الله جل وعلا ذلك الأمر من
كافة جوانبه، وبعمق يتجاوز المشهد
المباشر الظاهر للعيون.. كيف نَفَذ
إلى النفوس، وحلَّل العلاقات، وحدَّد
مصادر الخلل ومحاور الإصلاح بما يلفت
النظر للمهام المتوقعة أو المترتبة
على ما حدث في ميدان المعركة.
والحادثة
الثانية هي محنة الإفك التي قذفت في
عرض النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم):
القائد والقدوة، والصلة بين السماء
والأرض، حين لم يستسلم الوحي لمشاعر
الغضب العارم تجاه المخطئين، ولا
اكتفى بالتنديد بهم، ولكنه مرة أخرى
ينفذ إلى ما تحت السطح يحلِّل
ويحدِّد، ويصف الداء والدواء.
وعبر
هذه الحوادث وأمثالها، ورؤية القرآن
الكريم لها، تم تحويل هذه الرؤية إلى
منهاج وفعل يومي، وتمَّت عملية إنضاج
متنامية، وصياغة هادئة للشخصية
الإسلامية، بما جعلها قادرة على
مغادرة التكوين الجاهلي البدائي الهش
والمحدود - الذي كانت عليه الشخصية
العربية في عصور ما قبل الإسلام - إلى
تكوين أمكن معه المسلمون أن يمسكوا
بدفَّة الحضارة الإنسانية، ويقودوا
حركة التاريخ لقرون.
هل
نقول: إن فرصة المسلمين الوحيدة في
مستقبل لائق ترتبط شرطيًّا باستعادة
هذا التكوين النفسي المتقدم،
واسترداد هذا المنهاج العقلي
المتوازن العميق في رؤية الأمور
والتعامل مع الأحداث؟!
الكراهية
لماذا؟!
ربما
لم تنجح الإدارات الأمريكية
المتعاقبة في شيء، قدر نجاحها في
اكتساب الأعداء من شتَّى بقاع الأرض،
ومن مختلف الملل والنحل، حتى رصدت
أجهزتها المخابراتية أكثر من ستين
منظمة "إرهابية" يتوقع أن تصدر
عنها أعمال عنف ضد المصالح الأمريكية!!!
إضافة
إلى شعوب بأكملها أصبحت ترى أمريكا
بمثابة "الشيطان الأكبر" أو "إمبراطورية
الشر" من جرَّاء البرامج العسكرية،
والتدخلات السياسية والأمنية،
والعمليات التي قامت بها الدولة
الأمريكية تارة تحت لافتة "ملاحقة
الإرهاب"، وتارة تحت ستار "حماية
الديمقراطية" وأخيرًا، تحت شعار
"التدخل الإنساني"… فهل ستراجع
الإدارة الأمريكية هذا النهج؟! نرجو
ذلك، وإن كان هذا ليس هو موضوعنا.
كثيرون
إذن لهم أسبابهم في كراهية الدولة
الأمريكية؛ ومنهم بالطبع العرب
والمسلمون الذين عانوا ويعانون من
جرَّاء التوجهات الإستراتيجية،
والسياسات الثابتة للولايات المتحدة
تجاه الصراع حول فلسطين على سبيل
المثال. وليس مصادفة أن يقفز احتمال
اتهام جهة عربية أو إسلامية
بالتفجيرات الأخيرة رغم تعدُّد
الأعداء كما أوضحنا توًّا، فهناك من
يهمه جدًّا إلصاق التهمة بنا، ومن
ناحية أخرى، فإن الإدارة الأمريكية
سيكون لديها استعداد لتمرير هذا
استنادًا إلى الصورة الذهنية النمطية
الشائعة عنا لديهم، ولأنهم يعرفون
قدر تورّطهم، وانحيازهم، ومشاركتهم
في إلحاق الضرر البالغ بنا.
فهل
نحن مسؤولون عن هذا التفكير المأزوم
الذي تتلاعب به الأهواء، أو تدفعه
مشاعر الغضب والحزن على الكارثة؟! وهل
الصواب أن ندخل مع أي أمريكي مصدوم أو
مغسولة دماغه – يردِّد مثل البوق ما
ملأ أذنيه وعقله من دعايات إعلامية
مغرضة – هل الصواب أن ندخل معهم في
وصلة ردح وسباب؟! أو أن نصدق في غفلة
من الزمن أننا مبتهجون لسقوط آلاف
القتلى والجرحى، وبعضهم بالتأكيد من
العرب والمسلمين، وبعضهم لا يعرف
أصلاً أين تقع المنطقة التي نعيش فيها
من العالم!!! وبعضهم قد يكون ضد
السياسة الخارجية الأمريكية.
نحن
معترضون ورافضون لسياسة أمريكا
وإدارتها، ونكتوي يوميًّا من جراء
انحيازها الأعمى لإسرائيل، وتنزف
دماء أهلنا بالرصاص الأمريكي، ودانة
المدفع الأمريكي، وقصف الأباتشي
الأمريكية التي يقودها الإسرائيلي،
ولكن معركتنا مع الإدارة والسياسة
الأمريكية ينبغي ألا تخلط علينا
أوراقنا ومشاعرنا فنطرب لسقوط آلاف
من الموظفات والموظفين، والأمهات
والجدات، والبسطاء من عمال النظافة
حين تنهدم فوق رؤوسهم جدران مركز
التجارة العالمي في نيويورك.
نحن
نتألم من الظلم والعدوان، ونتألم
للدم الذي يراق ظلمًا وغدرًا، ونتألم
لكل إنسان يعاني من جرَّاء قصف مجرم،
أو تفجير جبان، ونعمل بكل ما أوتينا
من قوة لوقف هذا النزيف والدمار لا
لزيادة رقعته.
إننا
حين نقاوم - دفاعًا عن أنفسنا
ومقدساتنا وردًّا للعدوان الواقع
علينا - ينبغي أن نرد الضربة في
الاتجاه الصحيح، وبالأسلوب الصحيح،
وبالقدر الصحيح، ونعتبر كل خروج عن
هذا هو انحراف عن الدين الصحيح كما
نراه ونعتقده، وآيات الله عز وجل بين
أظهرنا ناصعة واضحة: "وَلا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ
عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا
هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى…".
وأقوال الرسول الكريم الحكيم (صلى
الله عليه وسلم) فاصلة: "أوصاني ربي
بتسع أوصيكم بها... وذكر منها: العدل في
الرضا والغضب".
هذه
ليست ساعة غضب، وليست ساعة عاطفة
تنطلق لا تبصر طريقها فتخطئ من حيث
تريد أن تصيب، وتضرّ وهي تحسب أنها
تنفع، وتجور على حقوق الآخرين
وأحزانهم، وهي تعتقد أنها تنتصر
للذات وأحزانها.
وحيلة
العاجز شماتة
إن
في صفوفنا وأقطارنا وجانبنا من نواحي
الخلل ما لا يخفى على أحد، لم نبذل
جهدًا يذكر لتصحيح صورتنا، أو
للتعريف الواسع العميق بأبعاد
قضيتنا، وأوجه ثقافتنا وحضارتنا،
فسهلت مهمة كارهينا حين أرادوا
تشويهنا.
رزقنا
الله النفط فماذا فعلنا به؟! ورزقنا
ملايين العقول والأدمغة الراقية
المنتجة فأين ذهبنا بها؟! ثم اختارنا
لنكون في صف الحق والعدل والحرية، وفي
مواجهة الباطل والظلم والاستبداد
الغاشم الذي تمثله إسرائيل بوضوح..
فماذا فعلنا في هذه القضية التي من
المفترض ألا لبس فيها، ولا تردد؟!
مجمل
أوضاعنا: أسلم أهلنا في فلسطين لما هم
فيه، وعقد التمكين على رقابنا لكل عدو
حتى استأسد علينا الجرذان، وانتفخ
الغثاء بوجهنا، واعتقد نفسه ماردًا
جبارًا لا يُقهر. ونحن لا نرضى بهذه
الأوضاع، ولكن عدم الرضا لا يكفي؛
ويقاوم بعضنا هذا الحال، ولكن
مقاومتنا تحتاج إلى تطوير وتفعيل
وتنسيق.
لا
يفيدنا - بل يضرنا - أن يسقط المزيد من
الأبرياء، وتراق المزيد من الدماء،
ويتنامى التشويش، والتشويه لعدالة
ووضوح قضيتنا. لا يفيدنا بل يضرنا أن
نخلط بين الإدارة والناس في أمريكا،
وأن نقبل ببشاعة الوسائل وعدم
شرعيتها باسم عدالة الأهداف، ونبل
الغايات.
ولا
يجدر بنا أن يكون فعلنا في هذه الحال
التي نعيشها، وهذه الحادثة التي
نشهدها مجرد الشماتة - ليس فقط
لأنها عيب - ولكن لأنها بضاعة
العاجزين. بالعدل في الرضا والغضب،
وبمنهاج القرآن النافذ إلى ما تحت
السطح يحلِّل ويحدد، وبتوظيف طاقة
الألم؛ ليشعل التحدي الإيجابي الدافع
للفعل البناء يمكن أن ننتصر.
إن
أكبر نصر يمكن أن يحققه أعداؤنا علينا
أن نصبح مثلهم: نطرب لسفك الدماء،
ونهلِّل للدمار والتخريب، ونشرب
أنخاب الفرحة فوق جثث الأبرياء. وما
ينبغي لنا أن نكون مثلهم مهما حدث؛
فنحن نقاتل في الميدان بشرف، وننتصر
أو ننهزم بشرف، فنترك الخسَّة
لغيرنا، ولندع الشماتة لسوانا فهي
بضاعة الجبناء، وحيلة العاجزين،
وندعو الله ألا نكون كذلك أبدًا.
اقرأ
أيضًا:
|