 |
|
ماذا
فعل المراقبون الدوليون لمنع
العدوان الإسرائيلي؟ |
"أعلن
المراقبون الدوليون في الخليل أنهم
سيخفضون دورياتهم في القطاع - الذي
يسيطر عليه الجيش الإسرائيلي - بعد
تعرّضهم لهجمات من المستوطنين؛ وذلك
لأن دورياتهم تتعرّض لاعتداءات جسدية
من طرف المستوطنين الذين يقومون
بالخصوص برشق سياراتهم بالحجارة".
هذا
الخبر يكشف حقيقة وضع المراقبين
الدوليين في الخليل، بعد أكثر من سبع
سنين من تواجدهم هناك على إثر مجزرة
الحرم الإبراهيمي في الخليل. فهل
سيكون وضع المراقبين في بقية المناطق
الفلسطينية هو أحسن حالا من وضع
هؤلاء؟!
ولماذا
هذا الإصرار الفلسطيني – ومن خلفه
العربي – على نشر هؤلاء المراقبين
والسعي للحصول على قرارات دولية بهذا
الاتجاه؟! ولماذا تصر حكومة شارون على
رفض نشر مراقبين دوليين، طالما أن
دورهم لن يتجاوز كتابة التقارير
وتصوير بعض الأحداث؟! وما هو مستقبل
موضوع الحماية الدولية الذي تطالب به
السلطة الفلسطينية في ضوء الموقفين
الصهيوني والأميركي؟
الحماية
الدولية.. الدوافع الفلسطينية
منذ
اندلاع انتفاضة الأقصى وتزايد حملة
القمع والإرهاب الصهيونية ضد الشعب
الفلسطيني، صعدت السلطة الفلسطينية
من خطابها السياسي باتجاه المطالبة
بتوفير الحماية الدولية للشعب
الفلسطيني بصفته شعبا واقعا تحت
الاحتلال ويتعرض لمجازر وحشية على
أيدي الجنود والمستوطنين. ولم يكن من
الممكن فصل دوافع هذا الموقف عن رغبة
السلطة الفلسطينية في استعادة
المفاوضات السياسية مع الكيان
الصهيوني؛ أملاً في أن تسفر هذه
المفاوضات عن نتائج تعيد الاعتبار
لعملية التسوية السياسية ولاتفاق
أوسلو الذي بدأ ينهار بشدة أمام ناظري
مهندسي هذا الاتفاق- وذلك تحت وطأة
العنف الصهيوني المستمر ضد الشعب
الفلسطيني.
وترى
السلطة الفلسطينية في هذا المطلب
حلاً لرفض حكومة شارون العودة إلى
المفاوضات السياسية قبل الوقف الكامل
لما يسمى بـ"العنف" الفلسطيني؛
وهو الشرط الذي لا تستطيع السلطة
الفلسطينية تلبيته بسبب عدم توفر أفق
لحل سياسي لدى حكومة شارون وإصرار
جميع قوى الشعب الفلسطيني على
الاستمرار في المقاومة والتصدي
للاحتلال وإرهابه المستمرين. بل إن
السلطة الفلسطينية تعتقد أن نجاحها
في تحقيق مطلب الحماية يؤهلها للدخول
إلى بوابة تدويل الصراع مع العدو،
وبالتالي تحسين شروط التفاوض معه على
قاعدة تطبيق قرارات الأمم المتحدة
رقمي 242 و 338، وأخيراً تحقيق انسحاب
صهيوني كامل من الضفة الغربية وقطاع
غزة المحتلين بإشراف الأمم المتحدة؛
وليس الولايات المتحدة المنحازة
كلياً إلى الكيان الصهيوني.
كما
أن مصطلح "الحماية الدولية"
البراق - حتى وإن لم يتحقق بالصورة
المطلوبة - قد يستخدم كغطاء مناسب
لتمرير أية تسوية سياسية يتم التوصل
إليها في المستقبل مع الكيان
الصهيوني، خاصة بعد أن تظهر السلطة
الفلسطينية أنها استطاعت تحقيق
انتصار مهم للقضية الفلسطينية، وأنها
على طريق إجبار العدو على الانسحاب من
كل الأراضي التي يحتلها عام 1967،
تماماً كما حاولت الآلة الإعلامية
للسلطة الفلسطينية إظهار اتفاق أوسلو
على أنه أكبر إنجاز سياسي يتحقق
للقضية، وأنه خطوة على طريق إنهاء
الاحتلال!
تفريغ
الفكرة من مضمونها
إلا
أن موضوع الحماية الدولية - الذي
ترفضه الحكومات الصهيونية جملة
وتفصيلاً - لم يقدر له النجاح منذ
الأسابيع الأولى لطرحه. وفي شهر مارس
الماضي سقط في مجلس الأمن تصويت على
إرسال مراقبين (وليس جنودا) دوليين
إلى الأراضي الفلسطينية، بعد أن
استخدمت الولايات المتحدة الأميركية
حق النقض (الفيتو) على القرار، معتبرة
أن هذا الموضوع يجب أن يتم الاتفاق
عليه بين الطرفين وليس من خلال قرارات
دولية ملزمة.
ولم
يكن عدم نجاح هذا القرار هو السلبية
الوحيدة، بل أدى طرح إرسال مراقبين
دوليين إلى تقزيم مطلب الحماية
الدولية إلى مراقبين غير مسلحين، لا
يملكون إلا صلاحية إرسال التقارير
وتصوير الأحداث بالفيديو (هذا إذا
سمحت لهم قوات الاحتلال بذلك). وفتح
هذا الباب أمام الإدارة الأميركية
لالتقاط طرف الخيط، وتبني تقرير لجنة
السيناتور الأميركي السابق ميتشيل
الذي طالب بوقف كل أشكال العنف بين
الطرفين ووقف الاستيطان والاتفاق بين
الطرفين الفلسطيني والصهيوني على
إرسال مراقبين دوليين، خصوصاً أن
حكومة شارون وافقت على التقرير مع
إبداء تحفظ عليه تمثل بموضوع وقف
الاستيطان.
ومع
استمرار موقف حكومة شارون المتشدد،
لجأت الإدارة الأميركية إلى إطلاق
خطة جديدة عرفت بمبادرة جورج تينيت (مدير
وكالة المخابرات المركزية الأميركية
) والتي تبنت الشق الأمني فقط من تقرير
ميتشيل؛ حيث طالبت بوقف فوري لإطلاق
النار بين الطرفين؛ ومن هنا تقزمت
فكرة المراقبة الدولية مرة أخرى إلى
مراقبة وقف إطلاق النار وفقاً
لمبادرة تينيت.
وعندما
بادرت الدول الصناعية الثمانية في
قمتها - التي انعقدت قبل أسابيع قليلة
في مدينة "جنوى" الإيطالية - إلى
الطلب من الطرفين الفلسطيني
والصهيوني الموافقة على إرسال
مراقبين دوليين، لجأت إدارة بوش إلى
تقزيم هذه الفكرة مرة أخرى بعرض زيادة
عدد عناصر الـ (CIA) الموجودين أصلاً
لمراقبة التعاون الأمني بين الطرفين
الفلسطيني والصهيوني، وإبداء
الاستعداد لتوسيع مهام هؤلاء العناصر
إلى مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار
الذي نصت عليه مبادرة ميتشيل.
مبررات
الرفض الصهيوني
لقد
عارضت الحكومات الصهيونية دوماً فكرة
الحماية الدولية، ليس فقط لأنها
تعتبر مقدمة لتدويل الصراع وإظهار
حقيقة الاحتلال الصهيوني الذي يذيق
الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال
أشد صنوف العذاب والقهر والإرهاب.
وليس فقط لأنها تؤدي إلى تحقيق انتصار
سياسي فلسطيني يسمح برفع سقف
المطالبات الفلسطينية، ولكن أيضاً
لأن هذه الفكرة تعني اعترافاً
صهيونياً بالدور الأوروبي في حل
الصراع؛ وهو الأمر الذي تجنبته وحرصت
على منعه طوال الفترة الماضية.
فتطبيق
قرارات الأمم المتحدة - بحد ذاته -
سيأخذ طابعاً مختلفاً عند مشاركة
الأوروبيين فيه. فقراري 242 و 338 ينصان
على انسحاب صهيوني من أراضٍ احتلت (وفق
النص الإنجليزي) عام 1967 الأمر الذي
يجعل هذين القرارين قابلين للتفسير
من الأطراف المختلفة. ولا بد في هذه
الحالة من وجود طرف يقبل ويتبنى
التفسير الصهيوني للقرارين كالطرف
الأميركي؛ وليس الأوروبي الذي يرى
الصهاينة أنه يتعاطف مع الفلسطينيين
أكثر ويميل إلى قبول تفسيراتهم
للقرار، والذي يدعو إلى الانسحاب
الكامل من الأراضي المحتلة عام 1967.
وقبول حكومة رابين – بيريز بفكرة
المراقبين الدوليين – عقب مجزرة
الحرم الإبراهيمي في الخليل عام 1994 –
لم يتناقض مع جوهر الموقف الصهيوني
الرافض للحماية الدولية، ذلك أن
المراقبين لا يتمتعون بأي صلاحيات
للفصل بين الطرفين، ولا يمكنهم اتخاذ
قرارات تتعلق بإلزام أي طرف.
وجاء
فشل مشروع القرار - الذي قدم لمجلس
الأمن الدولي قبل أيام لإرسال
مراقبين دوليين إلى الأراضي
الفلسطينية المحتلة، واضطرار الدول
العربية لسحب هذا المشروع من التصويت
عليه - ليؤكد أن الموقف الصهيوني هو
الذي ما زال يهيمن على مسار الموقف
الدولي، طالما التزمت الولايات
المتحدة الأميركية بدعم هذا الموقف
وتبنيه في المحافل الدولية وعجزت
الدول الأوروبية عن الخروج عن إطار
الدور الأميركي أو تشكيل منافس له.
وعلى
الرغم من تصاعد حدة الإرهاب الصهيوني
وتوسيع دائرة الاغتيالات والتصفيات
لقادة ورموز الشعب الفلسطيني
والاستمرار في استهداف وتدمير مؤسسات
السلطة والشعب الفلسطيني وإطلاق يد
المستوطنين لتعيث فساداً في الأرض
الفلسطينية، فإن الصهاينة لا يبدون
أي اكتراث بردود فعل المجتمع الدولي
على جرائمهم ويستمرون في تسويق
إرهابهم على أنه مجرد ردود فعل على (
الإرهاب ) الفلسطيني؛ ومحاولة
لاستباق عمليات المقاومة الفلسطينية
والحيلولة دون إيقاعها خسائر في صوف
الصهاينة.
ولا
شك أن هذا الاستهتار بالعالم - الذي
يدرك تماماً حقيقة الوضع في الأراضي
المحتلة ويتعاطف مع إرادة شعب ساعٍ
نحو الاستقلال والحرية - ما كان ليكون
لولا الدعم الأميركي الصارخ لهذا
الكيان الغاصب واستمرار تبرير جرائمه
أو على الأقل التغطية عليها، كما
أظهرت تصريحات الرئيس الأميركي بوش
الأخيرة.
الحماية
في إطار المفاوضات
إن
المتابع لطرح موضوع الحماية الدولية
منذ اندلاع انتفاضة الأقصى وحتى
الآن، يدرك أن الموضوع طرح أساساً
لتحريك عملية التسوية السياسية ونفخ
الروح فيها؛ وليس لتدويل الصراع في ظل
إدراك الأطراف المختلفة إن موازين
القوى لا تسمح بتدويل الصراع. ومن
هنا، تقزمت الفكرة من الحماية
الدولية إلى المراقبة الدولية. ولكن
تشدد موقف حكومة شارون واشتعال
الصراع بشكل مستمر في الأراضي
الفلسطينية جعل إمكانية نجاح فكرة
المراقبة الدولية ضعيفة جداً؛ لأن
الشروط المطلوبة من حكومة شارون لا
تتوافق مع المطلب الفلسطيني والعربي
بهذا الخصوص، ولا تشكل مخرجاً
مناسباً لمؤيدي استمرار عملية
التسوية حتى في ضوء الواقع الحالي
الذي تكرس بالانتفاضة.
ولذلك،
فمن غير المتوقع نجاح هذه الفكرة إلا
إذا وافقت السلطة الفلسطينية على
المواصفات الأميركية – الصهيونية
لهذه العملية والتي أشرنا إليها. وهذا
أمر غير مرجح في ظل الظروف الحالية،
لا سيما وأن قيادة السلطة الفلسطينية
تدرك أن غياب أي مشروع حل سياسي مطروح
من حكومة شارون، واستمرار هذه
الأخيرة في حربها الشرسة على الشعب
الفلسطيني يجعل من غير الممكن تمرير
أية حلول هزيلة من هذا النوع.
وإذا
كانت فكرة الحماية الدولية يمكن أن
يتم ترويجها إعلاميا، فإنه لا يمكن أن
تنجح هذه الفكرة على أرض الواقع حتى
لو تم الاتفاق عليها بصورتها الهزيلة
السابقة. فالعامل الشعبي الفلسطيني -
وحتى العربي - لا يمكن تجاهله في هذه
الحالة، وهو متيقظ لكل محاولات إجهاض
انتفاضته، ويرفض أية قيود على
مقاومته للاحتلال. كما أنه يعلم - من
خلال التجربة العملية مع المراقبين
الدوليين في الخليل - أن هذه العملية
لن تؤمن له أية حماية تذكر من جنود
الاحتلال والمستوطنين، وأنها لن تشكل
إلا عبئاً جديداً يضاف على الشعب
الفلسطيني. فإضافة إلى عبء الاحتلال
وعبء السلطة الفلسطينية - التي شكلت
في الماضي حاجزاً بينه وبين الاحتلال
وما زالت أجهزتها الأمنية التي بنيت
على عين الصهاينة تحاول العودة إلى
القيام بهذا الدور بين الحين والآخر -
فإن الفلسطينيين سيكونون مطالبين
كطرف ضعيف في المعادلة بإظهار الظلم
الذي يتعرضون له من الاحتلال، وأن
يوقفوا مقاومتهم للاحتلال حتى يقتنع
المراقبون بأن المعتدي هو الطرف
الصهيوني!!
أما
النتيجة المرتجاة من المراقبين
الدوليين سياسياً، فهي لا تكاد تذكر
ولا يمكن أن تغير من معادلة الصراع
التي تعكس نفسها في كل ميادين
المواجهة مع العدو. فالشعب الفلسطيني
لم يجنِ شيئاً عملياً على صعيد حقوقه
من تعاطف العالم مع قضيته على
الصعيدين السياسي والإعلامي. وقد ثبت
بالدليل والبرهان العملي أن الأسلوب
الوحيد - الذي يؤثر في العدو والذي
يسمح باستعادة الحقوق المغتصبة - هو
المقاومة وليس أي شيء آخر.
اقرأ
أيضًا:
|