|
شهدت
"واجادوجو" عاصمة بوركينا فاسو
في الفترة من 20-23 أغسطس الجاري اجتماع
الدورة السادسة لتجمع الساحل
والصحراء، والتي اكتسبت أهمية خاصة؛
لأنها تأتي بعد فترة وجيزة من إقرار
الاتحاد الأفريقي الجديد، الذي سيحل
محل منظمة الوحدة الأفريقية. ولعل هذا
الأمر فرض نفسه على جدول أعمال
الاجتماع، حيث أعلن أن البنود
الأساسية التي ستتم مناقشتها تتضمن
بحث إقامة أجهزة الاتحاد الجديد،
بالإضافة إلى بحث سبل تفعيل التكامل
الإقليمي بين دول التجمع.
ونظرًا
للدور المحوري الذي لعبته ليبيا في
تأسيس هذا التجمع من ناحية، والاتحاد
الأفريقي من ناحية ثانية، فإن هناك
مجموعة من التساؤلات في هذا الشأن لعل
من أهمها مستقبل هذا التجمع الوليد (نشأ
في فبراير 1998) بعد اكتمال مؤسسات
الاتحاد الأفريقي، خاصة أن أحد أهداف
التجمع الأساسية كان تحقيق الوحدة
الأفريقية. والسؤال الثاني هو بفرض أن
التجمع سيستمر هو والاتحاد الجديد
معا فهل سيستمر التجمع في ظل الهيمنة
الليبية الواضحة عليه حتى الآن؟
أهداف
سياسة ليبيا الأفريقية
سعت
ليبيا منذ تسعينيات القرن الماضي إلى
تحقيق مجموعة من الأهداف من وراء
توجهها صوب أفريقيا وهي:
1-
تحسين الصورة الذهنية عنها لدى
الأفارقة، والتي ساهم الإعلام الغربي
في ترسيخها، وتتمثل في دعم ليبيا
للإرهاب خاصة بعد حادث لوكيربي.
2-الرغبة
في إيجاد عمق إستراتيجي يوفر لها
الدعم السياسي والعسكري والمعنوي لها
في مواجهة أي خطر محتمل في ظل
المواجهة التي حدثت بينها وبين الدول
الكبرى بعد حادثة لوكيربي.
3-فشل
القذافي في تحقيق الحلم القومي
العربي وضعف المساندة العربية لليبيا
خلال الحصار الذي فرض عليها بعد حادث
لوكيربي.
4-الدعم
الإفريقي الواضح لليبيا في أزمتها مع
الغرب، وليس أدل على ذلك من القرار
الجريء الذي اتخذه قادة الدول
الأفريقية في القمة الرابعة
والثلاثين التي عقدت في واجادوجو (1998)
حيث أعطت الدول الأفريقية مهلة للدول
الغربية (ثلاثة أشهر) لإنهاء الحصار
الجوي على ليبيا، وقام رؤساء تسع دول
أفريقية بخرق الحصار الجوي بطائراتهم
والمشاركة في احتفالات ليبيا بثورة
الفاتح. ويلاحظ أن معظم الدول التي
خرقت الحصار هي من الدول المؤسسة
لتجمع الساحل والصحراء.
5-انسجام
التوجه الأفريقي مع فكر القذافي الذي
يدعو إلى إيجاد تكتلات سياسية
واقتصادية قوية في ظل عصر العولمة
الذي لا يعترف بالكيانات الصغيرة؛
لذا كان القذافي يدعو إلى فكرة الفضاء
الأفريقي (كناية عن التكتل الأفريقي)
في مواجهة العولمة.
6-وجود
توافق ليبي-أفريقي بشأن رفض
الاستعمار الجديد بشتى صوره، وعدم
الرهان على الغرب في إحداث التنمية.
وفي المقابل يمكن استخدام الثروات
الأفريقية لتحقيق التنمية في إطار
الاعتماد على الذات.
أهداف
التجمع والثقل الليبي
ولعل
الأهداف السابقة خاصة -البندين
الأخيرين- كانت سببا مباشرا في إقامة
تجمع الساحل والصحراء، وهذا ما اتضح
في طرح القذافي لأهداف التجمع
الأساسية، والتي تمثلت فيما يلي:
1-منع
القوى العالمية من تشكيل خريطة
أفريقيا في ظل العولمة.
2-استثمار
الإمكانات الاقتصادية الهائلة لدول
المنطقة.
3-الاندماج
والتكتل بين دول المنطقة لمواجهة
القوى الدولية.
وكان
واضحا منذ البداية وجود هيمنة ليبية
على التجمع، ويبدو أن العامل
الاقتصادي كان له دور بارز في هذا
الشأن، فليبيا عملت على تفعيل
علاقاتها الاقتصادية بدول التجمع
خاصة، والدول الأفريقية عامة، حيث
بلغ عدد الاتفاقيات الاقتصادية التي
وقعتها مع كل من بوركينا فاسو –تشاد-
النيجر-نيجيريا 270 اتفاقية في مختلف
المجالات، كما تمت إقامة 22 لجنة
مشتركة بين ليبيا وهذه الدول، وبلغت
قيمة المبالغ التي تم رصدها من خلال
مؤسسات الشركة العربية الليبية
للاستثمارات الخارجية حوالي 25 مليار
دينار تمثل 20% من إجمالي الاستثمارات
الليبية بالخارج لتحقيق الأهداف
السابقة، وهو مبلغ ضخم بلا شك في ظل
المعاناة الاقتصادية لمعظم الدول
الأفريقية.
كما
قامت ليبيا بدفع المتأخرات لبعض
الدول الأعضاء في التجمع لدى منظمة
الوحدة الأفريقية؛ لكي تتمكن من حشد
التأييد اللازم لها عند طرح مشروع
الاتحاد الأفريقي على المنظمة.
مظاهر
الهيمنة الليبية على التجمع
تظهر
الهيمنة الليبية على التجمع من خلال
عدة مؤشرات:
1-تحول
التجمع من تجمع يغلب عليه الجانب
الاقتصادي بالأساس إلى تجمع شامل
يهتم بالنواحي السياسة والأمنية
أيضا، وقد كان هذا محل اعتراض الدول
الأعضاء فيه منذ البداية، وإصرارها
على عدم إطلاق لفظ اتحاد عليه، على
اعتبار أن مفهوم الاتحاد أكثر شمولا
من مفهوم التجمع، وهي ترغب في عدم
تدخل التجمع في شئونها السياسية
والأمنية. لكننا وجدناها تتبنى وجهة
النظر الليبية بعد ذلك، والتي كانت
ترى أن هذا التجمع لا ينبغي أن يقتصر
على الجوانب الاقتصادية فقط، بل إنه
يعد نواة للولايات المتحدة الأفريقية0
بل
قامت دول التجمع في قمة "سرت"
الأولى التي عقدت في ليبيا (سبتمبر1999)
بتأييد قيام الاتحاد الأفريقي على
مستوى القارة ككل، كما قامت في قمة
التجمع الثانية التي عقدت في تشاد (2000)
بالموافقة على الميثاق الأمني للتجمع.
2-اختيار
العقيد القذافي لتمثيل التجمع،
والحديث باسمه أمام المحافل الدولية،
والمنظمات الإقليمية الأخرى.
3-انشغال
التجمع بقضية لوكيربي، وأهمية رفع
العقوبات الدولية عن ليبيا أكثر من
الانشغال بأي قضية أخرى، كما حدث في
القمة الثالثة للتجمع (الخرطوم-2001) بل
وفي الاجتماع الأخير للمجلس التنفيذي
الذي عقد مؤخرا في واجادوجو.
4-تركز
المؤسسات الرئيسية للاتحاد في ليبيا،
فالأمانة العامة مقرها في طرابلس،
وكذلك لجنة السفراء المعتمدين لدى
دولة المقر، وأيضا المصرف الأفريقي
للتجارة والتنمية، الذي يعد أداة
التمويل الرئيسي للتجمع، بل تم
اختيار ليبي هو السيد محمد المدني
الأزهري ليشغل منصب الأمين العام.
خلاصة
وتقويم
من
العرض السابق يمكن استخلاص بعض
الملاحظات بشأن التجمع عامة، وسياسة
ليبيا تجاهه، خاصة:
1-أن
ليبيا نجحت في زيادة عضوية التجمع
التي لم تعد قاصرة على دول وسط وغرب
أفريقيا فقط، بل امتدت لتشمل دولا من
شمال أفريقيا، وأخرى من شرق القارة
ومنطقة القرن الأفريقي، وهذا ما كان
يصبو إليه القذافي الذي أشار في قمة
تشاد إلى أن هذا التجمع سيمتد من
المحيط الأطلنطي إلى المحيط الهندي،
وسيشكل أكبر تجمع في القارة. وبالفعل
بدأ التجمع بخمس دول (ليبيا-تشاد-مالي-النيجر-بوركينافاسو)
وصلت إلى ثمان في القمة الأولى بعد
انضمام إرتريا-السودان-أفريقيا
الوسطي، ثم ارتفع العدد إلى إحدى عشرة
دولة بانضمام السنغال-جيبوتي-جامبيا،
وفي قمة الخرطوم الأخيرة انضمت خمس
دول أخرى هي مصر-تونس-المغرب-نيجيريا-الصومال،
ليصبح عدد دول التجمع ست عشرة دولة (نفس
عدد منظمة الإيكواس في غرب أفريقيا
قبل انسحاب موريتانيا منها).
2-أن
الزيادة في عدد الدول الأعضاء، وإن
كانت مؤشرا إيجابيا، قد تسبب العديد
من المشاكل، خاصة في ظل الهيمنة
الليبية، وفي المقابل وجود بعض الدول
الكبرى المنضوية تحت لوائه (مصر-نيجيريا)،
بل إن هذا التنافس قد يؤدي إلى حدوث
بعض المشاكل التي قد تعرقل التجمع، أو
تعصف به (ولعل تجربة نيجيريا وسعيها
للهيمنة على منظمة الإيكواس في غرب
أفريقيا ترتب عليه مزيد من المشاكل
كان آخرها انسحاب موريتانيا من هذا
التجمع).
3-التركيبة
الغريبة لدول التجمع، صحيح أن التنوع
مطلوب، لكنه قد يؤدي إلى حدوث مزيد من
الانقسامات، فالتجمع يضم سبع دول
عربية-أفريقية في مواجهه تسع دول
إفريقية غير عربية، كما أن هناك
تداخلا كبيرا بين عضوية هذا التجمع
والمنظمات الإقليمية الأخرى؛ وهو ما
قد يؤدي إلى حدوث حالة من التشتت (ثماني
دول من الإيكواس-أربع دول من الإيجاد).
4-سعي
دول التجمع، خاصة الدول الصغيرة إلى
مجاملة ليبيا، فضلا عن بروز دور ليبي
واضح في توجيه التجمع نحو تبني
المواقف الليبية (كما حدث في قضية
لوكيربي-دعم فكرة الاتحاد الأفريقي).
5-عدم
قيام التجمع بتحقيق أهدافه المرجوة
فيما يتعلق بمواجهة الجفاف والتصحر
من ناحية، وتحقيق التنمية الاقتصادية
من ناحية ثانية، ولعل بعض المحللين
أرجع ذلك إلى غلبة الأهداف السياسية
حتى الآن.
6-من
الواضح أن اكتمال مؤسسات الاتحاد
الأفريقي، قد لا يؤدي إلى إنهاء
التجمع رسميا على الأقل في الفترة
الأولى من عمل الاتحاد الجديد، وفي
حالة فشله-أي الاتحاد-فسوف تحتفظ
ليبيا بالتجمع وتعمل على تنشيطه،
وكما قلنا فإن هذه مشكلة أولى تواجه
التجمع، والثانية ترتبط بالتنافس بين
دوله، وهذه المشكلة هي الأخطر.
لكن
على أية حال فإن التجمع لا يزال في
مراحله الأولى، ولعل نجاحه في تحقيق
تنمية متوازنة وعادلة بين أعضائه
سيعد مؤشرا جيدا، أما إذا استمرت
الاعتبارات السياسية وحدها كمؤشر
حاكم، فإن ذلك قد يدفع به إلى الجمود،
أو الانهيار في أسوأ تقدير. وهنا يقع
العبء الأكبر على ليبيا التي عليها أن
توازن بين أهدافها ومصالحها، وبين
أهداف التجمع،ولا شك أن اختلال هذا
التوازن سيكون له آثار سلبية على
التجمع.
اقرأ
أيضًا:
|