English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

المنطقة العربية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


غايات "مجتمعية" مخنوقة في سجون سياسية

23/8/2001

بن عيسى الدمني- تونس

كرامة المسجونين شأن سياسي وإنساني في نطاق حقوق الإنسان

اهتدت الحكومات العربية في السنوات الأخيرة إلى أسلوب جديد في التعامل مع حركة حقوق الإنسان، وما تبثه من تقارير تفضح انتهاكات الأجهزة الرسمية في معاملة مواطنيها، هذا الأسلوب لا يكتفي بممارسة الضغط المؤقت والتنكر لهذه التقارير ووصفها بأنها كاذبة ومغرضة، بل يجتهد في استيعاب فكرة حقوق الإنسان ذاتها بصيغتين متلازمتين وهما:  

1- إظهار المصالحة الرسمية مع المبادئ الإنسانية، بإدراجها في مجالات التشريع والإعلام قدر الإمكان من جهة.

2- استحداث هياكل رسمية - وحتى وزارات - تعنى بحقوق الإنسان من جهة أخرى.  

وفي هذا السياق، شهدت ليبيا سنة 1989 تأسيس "اللجنة العربية الليبية لحقوق الإنسان في عصر الجماهير"، تنفذا لما تضمنته "الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير" التي صاغها "مؤتمر الشعب العام"؛ وهو بمثابة السلطة التشريعية. كما تشكلت في تونس سنة 1991 "الهيئة العليا لحقوق الإنسان" ذات الوظيفة الاستشارية لدى رئاسة الدولة. وفي المغرب، أعلن الملك عن إنشاء "المجلس الملكي الاستشاري لحقوق الإنسان" سنة 1990. أما في الجزائر، فقد اشتملت الحكومة – التي تشكلت عام 1991 بقيادة سيد أحمد غزالي – على وزارة لحقوق الإنسان؛ وتم بعث "مرصد وطني لحقوق الإنسان" عام 1992 في ظل "المجلس الأعلى للدولة" سابقا.  وأخيرا أصدرت قيادة "منظمة التحرير الفلسطينية" في أكتوبر1993 ميثاق "الهيئة الفلسطينية العليا لحقوق الإنسان" في سياق تحضيراتها لتسلم سلطة الحكم الذاتي المحدود في غزة وأريحا.  

إن هذه الهياكل الرسمية وشبيهاتها في الوطن العربي، قد برزت للوجود في سياق صراعات سياسية واجتماعية محددة. وبصرف النظر عن خلفيات أصحابها، فهي تعكس تطورا في الوعي السياسي العربي. ورغم أن البعض يرون في مثل هذا التوجه الحكومي ضربا من "الرياء المفضوح"، فالرأي عندنا هو أن هذه الصيغة من الاستجابة الحكومية لمتطلبات حقوق الإنسان لا تخلو من فوائد وإيجابيات، سواء على الصعيد العملي المباشر أو على الصعيد الاستراتيجي والمستقبلي.

فعلى الصعيد العملي، لا يجوز إنكار ما توفره تلك الهياكل الرسمية من أطر لتظلم المواطنين العاديين، ومن فضاءات تمكن حركة حقوق الإنسان من الحوار مع السلطة السياسية والإدارية، وتفتح الباب أمام تضافر الجهود الحكومية وغير الحكومية من أجل وضع حد لما قد يحدث من انتهاكات لحقوق الإنسان؛ وهو أمر يؤدي في النهاية إلى صون حرمة الإنسان الجسدية، وحفظ كرامته، وكفالة حقوقه المختلفة.

أما على الصعيد الاستراتيجي، فيمثل نهج الحكومات الجديد - في التعامل مع فكرة وحركة حقوق الإنسان - إقرارا نظريا من قبلها بأهمية تلك الحقوق، واعتبارها المعايير المبدئية اللازمة لأسلوب الحكم ومشروعيته، حتى إذا ما خالفت الحكومات تلك المبادئ من الناحية التطبيقية؛ مما يدعم بقدر كبير من الأسلوب المدني في التعامل بين الحكومات ومخالفيها؛ فيكون ذلك كفيلا بتفادي اللجوء إلى العنف والمواجهات المسلحة في حسم الصراعات السياسية والاجتماعية وغيرها.

وفي كل الأحوال، فإن ما يتحصل عليه المجتمع العربي من مكاسب (ولو جزئية) - بفضل إدراج مبادئ حقوق الإنسان في التشريعات وبرامج التعليم وغيرها من المجالات الاجتماعية - سيحدث تغييرا في بنية الوعي الجماعي العربي على المدى المتوسط والبعيد، حتى وإن لم يكن ذا أثر مباشر في الواقع المعيشي.

وبناء على ذلك، فإن ما يبدو هنا وهناك من عدم امتثال تطبيقي لمعايير حقوق الإنسان - خاصة المدنية والسياسية منها - لا ينبغي أن يدفع المرء إلى رفض مبادرات الحكومات في هذا المجال جملة وتفصيلا. ومن ثم، فعلينا تشجيع تلك المبادرات والبحث عن تفعيل حركة حقوق الإنسان خارج الهياكل الحكومية.

وهذا هو النهج الذي يتواءم مع طبيعة حركة حقوق الإنسان؛ فهي لا تمتلك أكثر من سلطة معنوية موازية للسلطة السياسية، ولا تعتمد في نشاطاتها سوى على الوسائل السلمية والإعلامية. وبالتالي، فإنه لا يسعها إلا أن تدعم كل ما من شأنه أن يشيع مبادئ حقوق الإنسان في كل الأوساط، وأن يقوي سلطة المجتمع في وجه سلطة الدولة؛ ولو بصورة جزئية وعلى المدى البعيد.

بين الإنساني والسياسي

على أن نهج التعامل الاستيعابي - الذي صارت الحكومات العربية تتوخاه في تعاطيها مع شأن حقوق الإنسان - لم يحسم جملة من النزاعات بينها وبين حركة حقوق الإنسان. ومن أبرز تلك النزاعات، ما يصدر عن بعض الحكومات - بين الحين والآخر - من مؤاخذات ضد جمعيات حقوق الإنسان؛ مفادها أنها لا تلتزم حدود صلاحياتها الإنسانية، بل تمارس أنشطة "ذات صبغة سياسية مناهضة"؛ بالإضافة إلى اهتمامها بالقضايا السياسية والمدنية على حساب القضايا الاقتصادية والاجتماعية.  ويحق للمرء أن يتساءل: إلى أي مدى يمكن أن تصح هذه المؤاخذات في ظل الواقع العربي الراهن من منظور مبادئ حقوق الإنسان ذاتها، وبالنظر خاصة إلى أهداف الجمعيات الإنسانية غير الحكومية؟

فالمؤاخذة الأولى تحيلنا على موضوع الحد الفاصل بين ما هو إنساني وما هو سياسي. فإذا تجاوزنا ما يمكن اتخاذه من إجراءات – تضمن استقلال جمعيات حقوق الإنسان عن جميع الأحزاب السياسية حتى تكون في مأمن من التوظيف السياسي - فهو في تقديرنا أمر لا بأس من الأخذ به قدر الإمكان، وعلى قدر ما تسمح به الظروف القطرية دون أن يغمط ذلك من الجهود التي بذلها المعارضون السياسيون ـ ولا يزالون ـ في تكوين تلك الجمعيات وفي دعمها.

ولئن تحتم كذلك التمييز بين مناهج عمل الأحزاب السياسية  – التي تسعى إلى كسب أكبر عدد من الأنصار من أجل الوصول إلى الحكم بالطرق المشروعة – من جهة، وبين مناهج عمل جمعيات حقوق الإنسان – التي لا ُيشترط فيها صفة الجماهيرية لأنها لا تطمح إلى الحكم – فإن التمييز بين ما هو إنساني وما هو سياسي لا ينبغي أن يؤدي إلى فصل الأول عن الثاني في مستوى المضمون النظري والعملي؛ عن طريق إلزام الجمعيات الإنسانية مثلا بعدم التدخل فيما له صلة بأسلوب الحكم، وبوضع الحريات، وبممارسة التعذيب، أو القتل غير المشروع، وما شابه ذلك.

فهذه المسائل - وإن كانت ذات وجه سياسي - تعتبر من صميم اهتمامات حركة حقوق الإنسان؛ لتعلقها بكرامة الإنسان في الحياة والحرية والمساواة وغيرها. وإن مطالبة جمعيات حقوق الإنسان بعدم مس تلك المسائل سيحولها في النهاية إلى ضرب من الهيئات الخيرية التي لا يتعدى نشاطها توزيع الصدقات. فتصير مجرد واجهات "تتباهى الأنظمة بوجودها للتدليل على أن حقوق الإنسان لديها في خير وعافية".

فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان - باعتباره يمثل مرجعية أساسية لحركة حقوق الإنسان *- لا يحصر تلك الحقوق في مجال آخر؛ بل ينظر إليها بأكثر ما يمكن من شمولية. فتراه يرتبها ضمن مواد تشمل المساواة، والحريات، والحق في المحاكمة العادلة، والحق في الأمن والطمأنينة، وحرمة الشخص والمسكن، وحق التملك، والحق في الراحة، والعيش الكريم، والشغل، والأمومة والطفولة، والحق في الثقافة، وفي حماية الملكية الأدبية والفنية، وحق اللجوء.

وقد تضمنت ديباجة الإعلان العالمي إشارة إلى حق الثورة على الطغيان والاضطهاد عند الاقتضاء. وقد تم تكميل هذا الإعلان بعهدين دوليين، يتضمن الأول الحقوق المدنية والسياسية (وألحق به "بروتوكول اختياري" لتلك الحقوق)، ويتضمن الثاني الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ولذا، فالمطلوب من حركة حقوق الإنسان - من الناحية المبدئية - أن تدافع عن هذه الحقوق؛ ولكن بأسلوبها الدعوي الإعلامي وليس بالأسلوب السياسي؛ وذلك لتجاوزها إلى آفاق إنسانية وأخلاقية وحقوقية أرحب. وإذا ما حصل أن اتفقت بعض مواقف جمعيات حقوق الإنسان مع مواقف أحزاب سياسية ما، فإن ذلك لا يمكن أن يكون مسوغا لاتهام تلك الجمعيات "بممارسة السياسة"؛ طالما أنها قد عبرت عن قناعات أصحابها المبدئية تماشيا مع الروح والغايات المجتمعية المذكورة.

أما مؤاخذة حركة حقوق الإنسان - بسبب كثرة عنايتها بالحقوق المدنية والسياسية على حساب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الوطن العربي - فنحسب أن ذلك مرده إلى تقدير اجتهادي في ترتيب أولويات نشاطها، بناء على خصائص الواقع الذي تتحرك فيه.

وليس خافيا ما يتسم به الواقع السياسي العربي - على وجه التحديد - من انتهاكات لحقوق المواطنة بشكل خاص - مما يغذي حالة التجزئة التي تحول دون تبوء المواطن المكانة التي تليق به. ولئن دفعت هذه الأوضاع بحركة حقوق الإنسان إلى إعطاء الأولوية في نشاطاتها إلى الحقوق المدنية والسياسية، فإن تقصيرها في العناية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لا يعني أن الحركة راضية عن حال تلك الحقوق.

فلو ألقى المرء نظرة على حال توزيع الدخل القومي بين المواطنين، ونسب البطالة والأمية والأوضاع الصحية والسكنية والنسائية والبيئية في الوطن لأدرك أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ليست أحسن حالا من الحقوق المدنية والسياسية. إذ لو اقتصرنا على إلقاء الضوء على واقع الحق في العمل، لحق لنا أن نتساءل هل تستجيب التشريعات والسياسات الحالية في الوطن العربي لمقتضيات هذا الحق وفقا لما جاء في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان؟ وللإجابة على هذا التساؤل، يكفينا النظر إلى" مئات الألوف من العمال العرب الذين يهاجرون خارج الوطن، لكي ينتهوا في أحسن الحالات بتشغيل مصانع أوروبا، وفي أسوأها – وهو الأمر الغالب – بكنس شوارع المدن الأوروبية، وتنظيف محطاتها ومراحيضها.

وإذا كان ذلك يحصل في عصر النفط فكيف يكون الحال بعد الجفاف؟ ولماذا يرفض معظمهم العودة إلى وطنهم رغم الغربة الموحشة ورغم التغريب والضياع؟ وماذا فعلته الأنظمة العربية لحماية حقوق عمالها، الذين يعملون في الأقطار العربية أو الأجنبية الأخرى، وبعضهم يعتمد في جزء من دخله على مدخرات هؤلاء، التي يرسلونها إلى الوطن الأم؟.. ويحق للمرء أيضا أن يتساءل عن الأسباب، التي تدفع المزارع العربي إلى هجر أرضه والتوجه إلى المدينة ليقبل أي عمل يعرض عليه، أو يستعمل مدخراته في دكان صغيرة لبيع السجائر.

فكم أنجزت الجمعيات العربية لحقوق الإنسان من دراسات؟ وكم نظمت من ندوات لتشخيص هذه الأوضاع وغيرها في المجال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ولتقديم المقترحات والحلول وممارسة الضغوط المعنوية الكفيلة بتطوير التشريعات والسياسات العربية في هذا الشان؟ إننا لو أخرجنا المؤاخذات الموجهة إلى حركة حقوق الإنسان بهذا الصدد من دائرة التنازع، لجاز أن نقول إن ما بذلته الحركة من جهود للدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الوطن العربي كان فعلا دون المطلوب من المنظورين المبدئي والواقعي.

لكن لنقل أيضا، إنها لو قامت بدورها كاملا في هذا المجال لنالها بالتأكيد من مضايقات الأنظمة والحكومات ما ينالها في العادة بسبب نشاطاتها ومواقفها الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية، طالما ظل وضع الحريات على حاله.

وإذن.. فإنه لا جدوى من التمخض لانتقاد حركة حقوق الإنسان بدعوى اختصاصها في إبراز المساوئ.. لأن واقعنا العربي المعاصر قد بلغ حدا من التدهور، ما عاد يجدي معه التعتيم والمواراة ولا الممالأة. وقد بات محتما على جميع أبنائه أن يسعوا إلى استخلاص القدر المشترك من كل الجهود، التي تهدف إلى بناء دولة القانون، وتعزيز الحريات في ظل عدالة اجتماعية وكفاية اقتصادية.    


* مع الاختلاف الواسع حول تعريف هذه الحقوق من حيث مضمونها وإجراءات تطبيقها من سياق حضاري إلى آخر. (المحرر).

اقرأ أيضًا:


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع