 |
|
محاكمة
"السفاح".. صفقة أمريكية لا
حقوق إنسانية |
الآن
ترفع الشرعية الدولية والنظام الدولي
وسدنة حقوق الإنسان أعناقهم مشرئبة
إلى السماء، فقد تحقق لهم ما أرادوا،
قُبض على المجرم ميلوسوفيتش، وبعد
أيام يمثل أمام محكمة جرائم الحرب
الدولية بتهمة ارتكاب جرائم في
البوسنة وكوسوفا بحق المسلمين!، ونحن
أيضًا نرفع أعناقنا لتنفس الصعداء؛
لأن ما ارتكبه المجرم بحق المسلمين
بالبوسنة وكوسوفا يشيب لِهَوله
الولدان.
لكننا
نتوقف طويلاً أمام السيناريو بأكمله
ونتأمل تفاصيله متسائلين: هل حقًّا
تتم محاكمته على انتهاكه لحقوق
المسلمين في البوسنة وكوسوفا؟ وهل
أصبح دم المسلمين هكذا بين عشية
وضحاها دمًا غاليًا عند الغرب، لدرجة
أن تعلن المجموعة الأوروبية
والولايات المتحدة عن مساعدة فورية
ليوغسلافيا تزيد عن المليار دولار
بعد ساعات قلائل من وصول المجرم إلى
لاهاي مكبلاً بقيود السجن؟! وهل أصبحت
معايير حقوق الإنسان واحدة دون تمييز
لدى الغرب، فلم تَعُد هناك انتقائية
ولا ازدواجية كما عهدنا في الفترات
الماضية!.
الواقع
يجيبنا من البلقان نفسه، فإذا كان
انتهاك حقوق المدنيين جريمة هكذا
ويحاكم عليها ميلوسوفيتش، فلماذا يقف
النظام الدولي كله صامتًا أمام
الحملة الوحشية التي تشنها الآلة
العسكرية المقدونية ضد المسلمين
هناك، بل إن الثابت أن الآلة العسكرية
المقدونية كانت فاقدة الحراك، حتى
دبَّت فيها الروح بالمساعدات
العسكرية والاقتصادية والأوروبية..
لقد ساعدت أوروبا والولايات المتحدة
مقدونيا على إعادة تسليح وتنظيم
جيشها حتى يقوم بمهامه التي لم تتوقف
حتى اليوم في عمليات التطهير العرقي
ضد المسلمين الذين فرَّ معظمهم إلى
عالم الشتات؛ لينضموا إلى إخوانهم
المسلمين القادمين من البوسنة
وكوسوفا في خيام العراء!.
تناقضات
غريبة
والذي
وصلنا فقط من الموقف الدولي هو
تصريحات التنديدات الإعلامية ذرًّا
للرماد، بالضبط كما كان يحدث مع
ميلوسوفيتش وعصابته عندما كان يقوم
بجريمته في البوسنة وكوسوفا، وبالضبط
كما يحدث مع الكرملين في جرائمه ضد
الشيشان المسلمين، والتي ما زالت
وقائعها دائرة هناك.
ونسأل:
هل هناك صربي واحد - بمن فيهم الرئيس
الحالي وهو أشد تعصبًا من ميلوسوفيتش
- اعترض يومًا على ما كان يفعله
ميلوسوفيتش في البوسنة وكوسوفا؟
العكس هو الصحيح، فقد التفَّ الصرب
جميعًا حوله للإجهاز على الوجود
الإسلامي هناك في عمليات التطهير
العرقي الشهيرة في البوسنة (1989م - 1993م)،
وكوسوفا عام 1996م سعيًا لإقامة صربيا
الكبرى التي تكون السيادة فيها للصرب
على أراضي البوسنة وكوسوفا وأجزاء من
كرواتيا إضافة لصربيا "يوغسلافيا"،
وما زال هذا الحلم يراود الشعب الصربي
حتى الآن، وفي مقدمتهم الرئيس
اليوغسلافي الجديد.
من
يحاكم التواطؤ الدولي؟!
ولنَعُد
إلى الوراء قليلاً ونفتح الملف.. فكل
الوقائع مسجلة؛ وهي تفضح التواطؤ
الدولي مع الجيش الصربي في حربه ضد
المسلمين، وهناك
شواهد عديدة على ذلك، نختار منها ما
يلي:
أولاً:
الصمت الأوروبي المريب على ما كان
يجري من مذابح بحق المسلمين، فرغم
بشاعة ما كان يحدث لم تحرِّك دولة
أوروبية واحدة ساكنًا ضد الصرب لا على
المستوى السياسي أو حتى تهديد الصرب
اقتصاديًّا أو مجرد توجيه اللوم، بل
إن الذي حدث كان محاولة لالتماس العذر
لما يقترفه الصرب.
وقد
كنت في البوسنة والهرسك عندما تفجرت
الحرب، وهناك سمعت الشكاوى المريرة
من مسؤولين بوسنويين وهم يتحدثون عن
الموقف الدولي المتواطئ مع الصرب
وموقف الأمم المتحدة المنحاز بقيادة
بطرس غالي الأمين العام للأمم
المتحدة في ذلك الوقت.
كما
حضرت أول مؤتمر إغاثي دولي للبوسنة في
العاصمة الكرواتية زغرب، ولاحظت
يومها أن غالبية الحضور في هذا
المؤتمر هم من ممثلي الكنائس في الدول
الأوروبية، بينما تضاءل عدد
السياسيين، يومها قرروا مساعدات
للبوسنة وللاجئين، ولكن من خلال
الكنيسة، والكنيسة فقط؟! والمسألة
كانت مكشوفة، الصرب يجهزون على
المسلمين ذبحًا، ومن يفرّ إلى مناطق
اللجوء تلتقطه الكنيسة لتكمل
السيناريو، فمن لم يَمُت ذبحًا على
أيدي الصرب يمت تنصيرًا بعد تذويب
عقيدته!.
ثانيًا:
عندما تحركت الأمم المتحدة - بعد أن تم
تدمير البوسنة والهرسك وذهبت قواتها
هناك لحماية من تبقى من المسلمين -
أقامت ما سُمِّي وقتها بالمناطق
الآمنة أو "الملاذات الآمنة"،
مثل: سريبرينتسا، وتوزلا، وسراييفو،
وغيرها من المدن البوسنية الكبرى،
وأعلنت أن تلك المناطق تحت حماية
الأمم المتحدة، وحذَّرت الصرب من
الاقتراب منها، وأعطت الأمان
للمسلمين هناك للعيش في اطمئنان،
يومها صدَّق العالم ما أعلنته الأمم
المتحدة، وصدّق المسلمون في البوسنة،
حتى فوجئ الجميع بمذابح مروعة -
أشهرها مذبحة سريبرينتسا - ارتكبها
الصرب في تلك المناطق بعد أن غضت
الأمم المتحدة الطرف وفتحت الطريق
للمهاجمين، بل إن الصرب تجرءوا
واستهانوا بقوات الأمم المتحدة،
واختطفوا بعض رجالها وربطوهم على
أعمدة الكهرباء! ولم يحرِّك مفوض
الأمم المتحدة هناك يومها ساكنًا، بل
التمس العذر للصرب! هل يحق لنا بعد ذلك
أن نقول: إن المجرم في البلقان أو
البوسنة ليس ميلوسوفيتش وحده، وإنما
ينضم إليه الذين ساعدوه عسكريًّا،
ووفروا له الغطاء السياسي، ووقفوا
إلى جواره في المحافل الدولية.
عقاب
لمن يقول "لا"
لقد
كان الجميع على قلب رجل واحد في
القضاء على الوجود الإسلامي، وكانت
تصريحات بعض الساسة والقساوسة
الأوروبيين - بما فيهم الفاتيكان -
تدور حول التحذير من (التمدد الإسلامي)
في أوروبا، وتحذر من إنشاء دولة خالصة
للمسلمين هناك.
وكان
دور السفاحين ومجرمي الحرب الصرب هو
تحقيق هذا الهدف، فلما فشل "السفَّاح"
في تحقيق الهدف وخرج عن الخط المرسوم
وأعلن تمرده على سادته، وبدأ يُحْدث
شغبًا ضد المصالح الغربية والأمريكية
في البلقان، ووقف حجر عثرة ضد انتشار
قوات الأطلسي في البلقان لفرض
الهيمنة الأمريكية الغربية، كان لا
بد من وقفة حازمة معه، وتلقينه درسًا
ليكون عبرة لكل "ميلوسوفيتش" آخر
يتمرد ويخرج عن حدود الطاعة للنظام
الدولي الغاشم، فكان ما حدث وباتفاق
مع النظام اليوغسلافي الجديد.
والمسألة
كانت واضحة منذ البداية: وهي صفقة بين
الولايات المتحدة وأوروبا من جانب،
والنظام اليوغسلافي من جانب آخر يباع
فيها ميلوسوفيتش أو يسلم لإذلاله،
وليكون عبرة لكل من يفكر أن يقول: "لا"
للنظام الغربي، والثمن مساعدات ورضاء
غربي.
هل
ضحَّت يوغوسلافيا "بصربيا الكبرى"؟
 |
|
لاجئة
مسلمة بوسنية تشاهد محاكمة
السفاح |
ومنذ
انتخاب كوستونيتشا رئيسًا
ليوغسلافيا، ومحاولات ترغيب النظام
الجديد لإتمام هذه الصفقة لم تتوقف.
فقد استعادت يوغسلافيا مقعدها في
الأمم المتحدة المجمد منذ ثمانية
أعوام، واستعادت عضويتها في صندوق
النقد الدولي، وتم إدخالها إلى بيت
التنمية والتعاون الأوروبي، كما
استأنفت عضويتها في منظمة الأمن
والتعاون الأوروبي.
وسمح
الغرب للقوات الصربية بالسيطرة على
الحزام الأمني الفاصل بين كوسوفا
ومقدونيا للحفاظ على ما يسمَّى
بالأمن بين البلدين ولمزيد من القمع
ضد المسلمين هناك، كما تم دعم الطلب
الصربي بإقامة ندوة دولية للبلدان
الدائنة، ووعدت واشنطن بلجراد بعدم
الاعتراض على مشاكلها مع صندوق النقد
والبنك الدوليين، إضافة إلى وعدها
بمساعدات فورية تقدر بأكثر من مليار
دولار.
وهكذا
تمت إعادة يوغسلافيا إلى المسرح
الدولي، وتم فك الحصار السياسي حولها
ووعدها بحل كل مشاكلها الداخلية التي
وضعتها على حافة الانهيار والخارجية
التي سببت لها عزلة دولية، ولكن ليس
قبل: إنهاء علاقتها تمامًا بماضيها
الشيوعي القديم وتسليم رأس ذلك
النظام "ميلوسوفيتش" للمحكمة
الدولية، وأن تنسى حلمها القديم في
إقامة إمبراطورية صربيا الكبرى - التي
يمثل قيامها تحديًا للمصالح الدولية
في المنطقة -، ثم تندمج في المنظومة
الأوروبية الغربية. وبهذا تكون
الولايات المتحدة والمجموعة
الأوروبية قد فرضت هيمنتها بالكامل
على البلقان تمامًا لتقترب خطوات من
أبواب الكرملين، وتُعِدّ لسيناريو
جديد بتوقيت وكيفية دقّ أبوابه.
القضية
بالتالي ليست قضية حقوق إنسان بقدر ما
هي مصالح غربية في الأساس، وإلا
لأوقفوا المجازر الجديدة المستمرة ضد
مسلمي مقدونيا.. ومحاكم مجرمي الحرب
الغربية لا تزال تحكم بمعايير مزدوجة
منذ نشأتها عقب الحرب العالمية
الثانية، بل وتحولت أداة لمحاكمة
السياسيين المتمردين على السياسيات
الأمريكية تحديدًا، وربما لهذا
يتكلمون الآن عن محاكمة صدام حسين
رئيس العراق، ولكن عندما يُثار حديث
عن المجرم شارون بالمثل، يلزم الغرب
الصمت؛ لأن مصالحهم باختصار لا تتفق
مع هذه المحاكمة!.
اقرأ
أيضًا:
|