 |
|
شارون يراجع خرائط الاستيطان
مع إيهود أولمرت عمدة القدس |
على
الرغم من حرص رئيس الوزراء
الإسرائيلي "إريل شارون" الواضح
على تأكيد أن ائتلافه الحاكم مستقر،
وأن بإمكان حكومته الالتقاء حول
برنامج عمل مشترك في مواجهة كل
القضايا التي تهم الدولة، لا سيما
المواجهة المتواصلة مع الشعب
الفلسطيني، فإن الاستقطاب في المواقف
الآخذ بالاتساع بين كل من ممثلي حزب
العمل وممثلي الأحزاب الدينية
واليمينية في الحكومة، ينذر بقرب
وصول هذه الحكومة إلى ساعة الحقيقة
وانحلال عقدها، والتوجه بعد ذلك، إما
لتشكيل حكومة يمين ومتدينين ضيقة، أو
إجراء انتخابات جديدة.
فقادة
اليمين؛ سواء في الحكومة، أو الحلبة
السياسية بشكل عام، يرون أن عدم نجاح
شارون في وضع حدٍّ لانتفاضة الأقصى قد
خيب آمالهم، وأن رهانهم عليه حتى الآن
لم يكن محله، كما يتهمونه بأنه يحاول
استرضاء ممثلي حزب العمل لضمان
بقائهم في الحكومة، ويفسِّرون تردده
في شنِّ حملة واسعة للقضاء على
الانتفاضة بخوفه من انسحاب حزب العمل
من الحكومة.
قادة
اليمين وممثلوه في الحكومة يعتبرون
أن شارون قد تم انتخابه لكي يؤدي
مهمتين متلازمتين: قمع مقاومة الشعب
الفلسطيني، ومواصلة النهوض بالمشروع
الاستيطاني؛ لذا فإنهم يكثرون من
تعبيرهم عن الصدمة من الواقع الذي
يحيونه في أعقاب حكم شارون. ومثلاً،
الحاخام "إسحاق ليفي" (زعيم حزب
المفدال الديني الصهيوني)، الذي بالغ
يومًا في مديحه لشارون، لا يجد حرجًا
في التراجع عن ذلك، فإذا به يقول (في
مقابلة مع القناة الثانية في
التلفزيون الإسرائيلي بتاريخ 17-5-2001م):
إن شارون قد خيَّب ظنه، وإنه يستغرب
فشله في توفير الحماية للمستوطنين
اليهود في الضفة الغربية الذين كانوا
أكثر قطاعات المجتمع الإسرائيلي التي
حرصت على انتخابه. ويضيف ليفي أن
شارون، الذي يوصف بأنه أفضل جنرال
إسرائيلي قاتل الفلسطينيين والعرب،
يقف الآن عاجزًا عن توفير الأمن
لأبناء شعبه.
ويتساءل
الحاخام "موشيه ليفنجر" (من قادة
المستوطنين اليهود في الضفة الغربية)
بغضب شديد: "ماذا تتوقع يا شارون؟
هل تنتظر حتى يُقتل آخر يهودي، ثم
تذرف عليه الدموع؟ نحن لا نريدك أن
تأتينا معزيًا، نريدك أن تشرع فورًا
في حرب لا هوادة فيها ضد أعدائنا".
أما
"موشيه فيلبر" (مدير عام مجلس
المستوطنات اليهودية في الضفة
الغربية وقطاع غزة) فقد كان أكثر
حنقًا، ففي رسالة بعث بها إلى شارون (بتاريخ
4-5-2001، وقد عرضت وسائل الإعلام
الإسرائيلية مقتطفات منها) يقول
فيلبر: "لقد وعدتنا أنه بمجرد أن
يتم انتخابك فإنك ستحول الضفة
الغربية وقطاع غزة إلى جنة عدن
بالنسبة لليهود، لكننا نلاحظ أن هذه
الأرض استحالت في عهدك إلى جهنَّم؛
فهل لهذا انتُخبت يا شارون؟".
وقد
أدت عمليات المقاومة إلى تعالي أصوات
داخل صفوف المستوطنين تدعو إلى إسقاط
شارون مرة وللأبد؛ لأنه لم يفشل فقط
في تحقيق ازدهار المستوطنات، بل إن
المستوطنات في عهده تشهد نزوحًا
جماعيًّا كبيرًا.
ويشنُّ
المستوطنون حاليًا حملة ضد شارون،
ويسيِّرون المسيرات؛ احتجاجًا ضد
سياسته الأمنية، التي فشلت في وضع حد
للانتفاضة. لكن انتقادات اليمين
لشارون لم تعد مقصورة على قوى اليمين
المتطرف، بل إن بعض مقربي شارون من
الليكود باتوا يعربون عن عدم رضاهم
لفشل الحكومة في مواجهة الانتفاضة
حتى الآن، وبات من المعتاد أن يصرخ
وزراء الليكود الشباب في وجه شارون
أثناء جلسات الحكومة الأسبوعية؛
مطالبين إياه بالتوجه للحرب فورًا،
كما قال "تساحي هنغبي" (وزير
البيئة الليكودي) الذي حذَّر شارون من
أن "بيريز" يقوده إلى المصير
نفسه الذي قاد إليه رابين! (مشيرًا إلى
اغتيال رابين عام 1995م، وكان بيريز
وقتها وزير خارجيته).
انتخابات
حزب العمل تهديد لحليف شارون
يرى
شارون في بقاء حزب العمل في حكومته
أمرًا بالغ الأهمية، ليس فقط في
استقرارها الداخلي، بل أيضًا لمساهمة
ممثلي الحزب - لا سيما وزير الخارجية
شمعون بيريز - في تسويق مواقف هذه
الحكومة في الساحة الدولية. وكما قال
شارون مؤخرًا: لولا وجود بيريز لما
استطاعت حكومته تحقيق أي إنجاز على
الصعيد الدولي، ولما تحمّل العالم
أصلاً وجودها، لكن الانتخابات التي
ستجري قريبًا لاختيار زعيم جديد لحزب
العمل من الممكن أن تعجل من فك
الشراكة بين شارون وحزب العمل.
شارون
قلق جدًّا من نتائج انتخابات حزب
العمل؛ حيث ترجح معظم استطلاعات
الرأي العام فوز "أبراهام بورغ" (رئيس
البرلمان) برئاسة الحزب، وخسارة وزير
الدفاع الإسرائيلي "بنيامين بن
أليعازر" هذه المعركة أمامه، وهو
ما سيشكل ضربة شخصية لشارون، فـ"بن
أليعازر" - من خلال عمله كوزير
للدفاع - لا يتردد في الوقوف بشكل جلي
إلى جانب شارون لدى طرحه أي اقتراح
لعملية عسكرية ضد الجانب الفلسطيني،
لدرجة أنه كان يقف إلى جانب شارون ضد
بيريز - زميله في الحزب - في حال نشوب
خلاف بين الاثنين بخصوص عمل عسكري
ميداني أو تحرك سياسي.
وفوز
أبراهام بورغ يعني أيضًا أن المؤيدين
لبقاء حزب العمل في حكومة شارون - وعلى
رأسهم وزير الدفاع بن أليعازر - قد
تعرضوا لضربة قاصمة حقًّا، فبورغ -
ومعه يوسي بيلين وغيرهما - يرون أن
دخول حزب العمل للحكومة كان خطأ
تاريخيًّا يجب التكفير عنه والانسحاب
بسرعة؛ لأن هذه المشاركة تؤذن بذوبان
حزب العمل واندثار صبغته المستقلة
كحزب وسط صهيوني.
كما
يرى هؤلاء أن البقاء في الحكومة يعني
تحميل الحزب وزر فشل سياسات شارون
الأمنية والسياسية. من هنا، فإن فوز
بورغ المرجح برئاسة حزب العمل ينذر
بتولد قوة دفع في اتجاه تسريع انسحاب
الحزب من الحكومة.
التعامل
مع عرفات
لكن
حتى لو لم تؤدِّ انتخابات حزب العمل
إلى تفكيك الحكومة، فإن هناك مصدر خطر
قائم ودائم على بقائها، يرجع إلى
الصراع الحقيقي الذي يخوضه شارون مع
وزير خارجيته شمعون بيريز بخصوص
التعامل مع رئيس السلطة الفلسطينية
ياسر عرفات.
فشارون
لا يعنيه الآن سوى إرضاء الجمهور
الإسرائيلي عبر تسديد ضربة ضد
الأراضي الفلسطينية، وهو مرتاح إلى
التقرير الذي رفعته إليه المخابرات
الإسرائيلية العامة "الشاباك"،
الذي يؤكد أن فوائد زوال عرفات عن
الساحة حاليًا أكبر من الأضرار
الناجمة عن ذلك. ويدعو وزراء يمينيون
للتخلص من عرفات؛ لأنه لم "ينجح"
في توفير الأمن لإسرائيل.
هذا
الموقف يرفضه بيريز بشكل جدي وحقيقي،
ويرى أن أكبر خطأ ترتكبه إسرائيل هو
أن تعمل على إسقاط عرفات من قيادة
السلطة الفلسطينية، كما يعتقد أن
عرفات وحده القادر على ضبط الأمور
بشكل يمكن لإسرائيل معه احتواء أي
تطور أمني في الضفة الغربية وقطاع
غزة، وهو مقتنع بأن عرفات فقط يبحث عن
مبرر مقبول أمام الشعب الفلسطيني
لإيقاف الانتفاضة والانتهاء من حالة
الصراع القائم.
في
الوقت نفسه، يرى بيريز أن البدائل
الموجودة أمام إسرائيل في حال غياب
عرفات عن الساحة مقلقة إلى حد كبير،
إن لم تكن مرعبة. وكما يقول بيريز، فإن
من لا يروق له الحديث مع عرفات
سيستعطف الشيخ "أحمد ياسين"
للحديث معه.
لقد
نجح بيريز حتى الآن في إعاقة تنفيذ
عدة خطط أمنية خطَّط لها شارون،
وشارون يعي أنه لا يمكن الاستغناء عن
خدمات بيريز؛ لذا فهو مضطر في كثير من
الأحيان إلى تجميد قناعاته، لكن
شارون يعي أيضًا أنه - في حالات معينة -
لا يمكنه قبول مواقف بيريز هذه، ففي
حال حدوث عملية استشهادية كبيرة فإنه
سيشن حملته العسكرية، على الأقل حتى
لا يخيب أمل 70% من الإسرائيليين الذين
يرون أنه في حال تنفيذ عملية
استشهادية كبيرة فإن على شارون أن
يبادر بعملية اجتياح واسعة لمناطق
السلطة الفلسطينية.
بيريز
أكد أكثر من مرة - وعلنًا - أنه لن يعمل
بشكل يخالف قناعاته السياسية،
وبالتحديد إيمانه بأهمية بقاء عرفات
على رأس السلطة الفلسطينية؛ لذا فهو
سينسحب من الحكومة في حال عدم
الاستمرار بقبول هذا الموقف. وغني عن
القول: إنه في حال انسحاب بيريز من
الحكومة، فإنه لن تكون هناك أية
إمكانية لبقاء ممثلي حزب العمل
الآخرين في الحكومة.
بيد
أن انسحاب حزب العمل من الحكومة أو
أحد ممثليه لن يكون ممكنًا في حال
حدوث تصعيد الأوضاع الأمنية بشكل
حاد، وحتى لو انسحب الحزب في هذه
الحالة، فإنه سيضطر إلى تأييد
الحكومة من الخارج؛ حيث جرت العادة أن
تقوم أحزاب المعارضة بتوفير شبكة
أمان للحكومة في حالات الطوارئ.
تقلص
هامش الخيارات أمام المستوطنين
على
الرغم من خيبة أمل قادة اليمين تجاه
شارون، فإن معظم قادة الأحزاب
اليمينية والدينية يدركون أن
الخيارات أمامهم قليلة جدًّا،
ويعتقدون أن هناك ظروفًا موضوعية
تحول دون نجاح شارون في القضاء على
الانتفاضة، وأنه لو كان الأمر بيد
شارون لقضى تمامًا على الانتفاضة
الفلسطينية. كما أنهم يلتقون أيضًا
بقادة الجيش الذين يطلعونهم على
التحديات التي تواجههم في مواجهة
الانتفاضة الفلسطينية. ويعتقد قادة
المستوطنين أن شارون من الساسة
الإسرائيليين القلائل الذين آمنوا
بالجانب المسيحاني للاستيطان، وعلى
الرغم من أنه علماني فإنه كان دائمًا
ما يردد أن فريضة الاستيطان تعدل
فرائض الديانة اليهودية التي تبلغ 360
فريضة.
من
هنا عبَّر العديد من قادة المستوطنين
اليهود عن خشيتهم أنه في حال سقوط
شارون، فقد يأتي سياسي آخر أقل
التزامًا بمستقبل المستوطنات.
ويعبِّر الحاخام "يوئيل بن نون" (من
قادة المستوطنين في وسط الضفة
الغربية) عن هذه الحيرة عندما يقول في
مقابلة مع صحيفة المستوطنين "نكوداة"
بقوله: "أخشى أنه في حال قيامنا
بإسقاط شارون، فإننا نكون كمن أراد أن
يقتل اللص الذي تسلل إلى بيته، فإذا
بالطلقات تصيب كبد ابنه".
المقربون
من شارون يؤكدون أنه يتوقع
السيناريوهات كافة؛ فهو يعطي أولوية
كبيرة لبقاء حكومة "الوحدة الوطنية"
مع كل ما يتطلبه ذلك من هامش مرونة من
جانبه بالشكل الذي يبرر لقادة العمل
البقاء في الحكومة، لكن من غير الوارد
لدى شارون السماح بخسارة تأييد
اليمين له؛ لذا فإنه في حال تنفيذ
عملية استشهادية كبيرة، فإنه سيشن
حملة عسكرية ضد السلطة الفلسطينية،
على اعتبار أن حزب العمل لن يجد
مبررًا لانسحابه من الحكومة.
لكن
التحدي الأكبر لشارون هو عندما يستمر
الوضع الأمني على نفس الوتيرة، أو
تهدأ وتيرة الانتفاضة، فليس في
الوارد لدى قادة العمل الذين يستعدون
لانتخاب قائد جديد لهم البقاء في
حكومة شارون. وشارون يضع في حسابه أنه
في حال انسحاب حزب العمل من الحكومة
فإنه يفضل الدعوة لانتخابات جديدة؛
حيث تؤكد استطلاعات الرأي العام حتى
الآن تقدمه على أي مرشح آخر، كما أن
أحزاب اليمين والمتدينين ستحقق
أغلبية لم يسبق أن حصلت عليها.
اقرأ
أيضًا:
|