 |
|
تدريبات
لحزب الله |
بعد
العملية التي نفذتها المقاومة
الإسلامية في "مزارع شبعا"
المحتلة في جنوب لبنان، وأسفرت عن قتل
وجرح ثلاثة جنود إسرائيليين، تعرض
موقع رادار سوري في منطقة ضهر البيدر
في لبنان إلى قصف مباشر من الطيران
الإسرائيلي، وهو ما أدّى إلى تدميره
تدميرًا كاملاً. وأعلن قادة العدو بعد
هذه الغارة مباشرة أن قواعد اللعبة قد
تغيرت في لبنان. والمقصود بهذا
الإعلان أن أي عملية ينفذّها "حزب
الله" من جنوب لبنان، وفي مزارع
شبعا، سيكون الرد عليها على المواقع
السورية مباشرة؛ لأن سوريا هي التي
تسمح بشن مثل هذه العمليات، وهي التي
تستطيع أن تمنع حدوثها، كما كرر ذلك
وزير دفاع العدو "بنيامين بن
أليعازر" ورئيس حكومته "إريل
شارون" أكثر من مرة.
وقد
أثارت هذه التصريحات الإسرائيلية -
بعد الغارة على موقع الرادار السوري -
أسئلة كثيرة دارت بمجملها حول
التوقعات المستقبلية لعمليات
المقاومة في جنوب لبنان، وحول ردود
الفعل السورية المحتملة، وحول "قواعد
اللعبة" الجديدة التي سيعمل
الإسرائيليون على فرضها في العلاقة
مع سوريا ولبنان، ومدى قدرة الطرف
المقابل - الذي هو سوريا ولبنان
والمقاومة في إطار البيئة الإقليمية
التي ارتسمت بعد الانسحاب الإسرائيلي
من جنوب لبنان، وبعد اندلاع
الانتفاضة - على تعطيل هذا "التهديد"
الإسرائيلي بتغيير قواعد اللعبة في
جنوب لبنان.
"تغيير
قواعد اللعبة".. سياسة قديمة
والواقع
أن هذه ليست المرة الأولى التي يهدد
فيها قادة العدو بمثل هذا التغيير.
فقد سبقهم إليه "شيمون بيريز"
أكثر من مرة عندما كان رئيساً للحكومة
في أثناء عملية "عناقيد الغضب"؛
وفي أثناء عمليات القصف والتهجير
الواسعة وتدمير البنى التحتية في
لبنان التي حدثت في 1996 و 1997 وبعدها.
وكان
المقصود بتغيير قواعد اللعبة في ذلك
الوقت؛ هو تحويل عمليات المقاومة إلى
عبء على الحكومة اللبنانية وعلى
سوريا- من خلال موجات النزوح من جنوب
لبنان إلى العاصمة بيروت، ومن خلال
إيجاد حالة من النقمة على المقاومة في
أوساط السكان.. وهو ما يسمح لقادة
العدو، وخصوصاً على مستوى قيادته
العسكرية والأمنية باستعادة زمام
المبادرة الذي افتقدته طويلاً أمام
عمليات المقاومة التي نجحت في تقويض
هيبة الجيش الإسرائيلي بعد سلسلة من
المواجهات الناجحة سقط فيها للعدو
عشرات القتلى والجرحى.
وقد
جرت بعد هذه التهديدات الإسرائيلية
عملية جديدة للمقاومة في مزارع شبعا
أدّت إلى تدمير مقر للقوات
الإسرائيلية من دون سقوط قتلى أو جرحى.
إلاّ أن أفق "تغيير قواعد اللعبة"
بقي مستمرًا على حاله، على الرغم من
التصريحات السورية - بلسان وزير
الخارجية "فاروق الشرع" - من أن
سوريا تمتلك القدرة على تغيير هذه
القواعد من خلال الرد على العدوان في
الزمان والمكان المناسبين.
فمن
يملك فعلاً في ظل هذا التجاذب وهذه
التهديدات، القدرة على المبادرة
وتغيير قواعد اللعبة؟.
التنسيق
اللبناني- السوري أفشل الخطة
الإسرائيلية
لقد
حاول الإسرائيليون – في ظل حكومة
باراك السابقة – تأخير انسحابهم من
جنوب لبنان حتى ينجزوا اتفاقًا
شاملاً مع سوريا؛ بحيث يحفظ لهم مثل
هذا الاتفاق الاستقرار التام على
الجبهة اللبنانية بعد أن تتحقق
التسوية على المسارين السوري
واللبناني. ومع عدم حصول مثل هذا
الاتفاق على الجبهة السورية أراد
باراك أن يجعل انسحابه من جنوب لبنان
ورقة ضغط على سوريا، باعتبار أنها
ستفقد "ورقة المقاومة" التي
استخدمها طويلاً في إطار الصراع
والتفاوض مع العدو.
كما
ظن باراك ومن معه أن الانسحاب من
لبنان والتمسك بتنفيذ القرار الدولي
425 سوف يؤدي عمليًا إلى إخراج الجانب
اللبناني الذي سيضطر تحت الضغوط
الدولية إلى نشر قوات الأمم المتحدة
ثم الجيش اللبناني على الحدود
اللبنانية- الفلسطينية، ما يعني
ترسيمًا نهائيًا لهذه الحدود، وعزلاً
عن جبهة الصراع، وفصلاً للبنان عن
المسار السوري الذي بقي معلقًا.
إذًا،
لقد تركز المشروع الإسرائيلي - منذ
الانسحاب من جنوب لبنان إلى اليوم -
على قضية تحويل الحدود اللبنانية إلى
حدود هادئة ومستقرة، وعلى تقليص حجم
التأثير السوري على هذه الحدود، ما من
شأنه أن يؤدي عمليا إلى توقف عمل
المقاومة.. وهذا هو جوهر الإستراتيجية
الإسرائيلية، التي استعانت بكل القوى
الدولية لممارسة المزيد من الضغوط
على لبنان سياسيًا واقتصاديًا من أجل
إرسال الجيش إلى الجنوب، ووقف عمليات
المقاومة.. إلاّ أن ما حصل على مستوى
"الجبهة اللبنانية"، وعلى مستوى
العلاقة اللبنانية السورية لم يصب في
مصلحة الإستراتيجية الإسرائيلية.
وعلى
الرغم من الأصوات التي صدرت من لبنان
تطالب بخروج القوات السورية، فإن ذلك
لم يؤثر على استمرار التنسيق السوري-
اللبناني؛ ولا على استمرار الدعم
السوري للمقاومة من أجل المحافظة على
التوتر على الحدود اللبنانية، حتى لا
يشعر قادة العدو في إسرائيل
بالاطمئنان إلى هذه الجبهة في الوقت
الذي يواجهون فيه الانتفاضة بأعنف
الوسائل والضغوط.
الموقف
اللبناني مع الوجود السوري
ويمكن
أن نلاحظ في هذا الإطار أن الموقف
اللبناني الرسمي ارتكز في مواجهة
الضغوط الإسرائيلية والدولية إلى
المعادلة التالية:
-
رفض المطالبة الداخلية بانسحاب الجيش
السوري.
-
تأكيد استمرار المقاومة لتحرير مزارع
شبعا.
-
رفض نشر الجيش اللبناني على الحدود
الدولية.
-
رفض الاعتراف بحصول سلام بين لبنان
وإسرائيل، وربط مثل هذا السلام بحل
مشكلة اللاجئين الفلسطينيين،
وبالسلام الشامل في المنطقة، أي
بالسلام مع سوريا بالدرجة الأولى.
وهذه
المعادلة لا تعني في حقيقة الأمر سوى
تعزيز الموقف السوري واستمرار
التنسيق السوري- اللبناني، وهو معاكس
تماما لما ذهبت إليه الإستراتيجية
الإسرائيلية قبل الانسحاب من جنوب
لبنان وبعده.
"المثلث"
يرهب إسرائيل
هذا
بالإضافة إلى أن التبدل في المواقف من
القيادة الفلسطينية بعد اندلاع
الانتفاضة، والتواصل اليومي
الإعلامي والسياسي والمعنوي والنفسي
مع هذه الانتفاضة من "حزب الله"
في لبنان، أدّى إلى حد بعيد إلى نشوء
مثلث سوري- لبناني (المقاومة) -
فلسطيني غير معلن يدعم الانتفاضة،
ويقلق القيادتين العسكرية والسياسية
في إسرائيل. وربما يفسّر هذا المثلث
حال التوتر التي تسود في الداخل
الإسرائيلي وتدفع بـ"إريل شارون"
ومعاونيه إلى إطلاق التهديدات؛ وإلى
استخدام أقصى وسائل العنف خوفًا من أي
تطورات محتملة في العلاقات بين أطراف
هذا المثلث في أثناء مواجهة
الانتفاضة.
إسرائيل
لا تجرؤ على شن حرب إقليمية
أما
ما تثيره هذه التهديدات من احتمال
لنشوب حرب إقليمية - تنقل من خلالها
إسرائيل الصراع من الداخل الفلسطيني
إلى الخارج العربي (السوري واللبناني)
كما تردّد ذلك كثيرًا في الأسابيع
الأخيرة - فإن ذلك يبدو غير مرجّح
للأسباب التالية:
1-
أن انتشار المقاومة الإسلامية على
الحدود اللبنانية - الفلسطينية يشكّل
حالة الردع المتقابل مع الجيش
الإسرائيلي؛ لأن أي استخدام للقوة من
جانب هذا الجيش – على مستوى العدوان
الواسع، أو القصف، أو تدمير البنى
التحتية – سيواجه بقصف مضاد ستلجأ
إليه المقاومة التي بات سلاحها أكثر
قربًا من المستوطنات الإسرائيلية
بعدما فقد الجيش الإسرائيلي، بسبب
انسحابه، الحزام الأمني الذي كان
يحتمي خلفه. وهذا يعني أن قادة العدو
سيفكرون كثيرًا قبل أن يتخذوا قرارهم
بشن عدوان واسع على لبنان.
2- أن أي عدوان على سوريا بهدف توسيع
رقعة المواجهة، لا يعني سوى تضاعف فرص
التوتر في المنطقة برمتها، والقضاء
التام على عملية التسوية، واحتمال
المزيد من عمليات الثأر والانتقام ضد
المصالح الأمريكية والإسرائيلية،
وإعادة تأليب الرأي العام العربي
والإسلامي ضد السياسة الأمريكية في
المنطقة. وهذا المشهد المحتمل من
التوتر في المنطقة غير مرغوب
أمريكياً.
وإذا
كانت الولايات المتحدة - ومعها
الاتحاد الأوروبي - لا ترغب في
استمرار عمليات المقاومة في مزارع
شبعا، وتمارس الضغوط المختلفة على
لبنان وسوريا لوقفها، فإن هذه الدول
في الوقت نفسه لا ترغب كثيرًا في رؤية
شارون وهو يوسّع دائرة العنف
والمواجهة إلى النطاق السوري أو
اللبناني. وهذا يشكّل بحد ذاته عائقًا
مهمًا أمام الحكومة الإسرائيلية لنقل
عمليات المواجهة إلى خارج فلسطين
المحتلة.
3- أن استمرار الانتفاضة - على الرغم من
استخدام آلة الحرب العسكرية
الإسرائيلية وصولاً إلى طائرات "إف
ـ 16" الأمريكية – جعل شارون
وحكومته في مأزق كبير لن يخرجهم منه
إطلاق التصريحات أو التهديدات. فما
جاء شارون لأجل تحقيقه – وهو الأمن-
لا يزال مفقوداً، وما ادّعى شارون أنه
قادر على تنفيذه – وهو وأد الانتفاضة
– لم يتحقق هو الآخر. ما يعني أن
احتمال توسيع دائرة المواجهة هو
احتمال ضعيف، لأن من مصلحة الجيش
الإسرائيلي أن يحصر نطاق المواجهة في
دائرة ضيقة وليس في دائرة واسعة، لا
أحد يعرف إلى أين يمكن أن تؤدي
ميدانياً وسياسياً. وهذا يعني أن
إطلاق التهديدات الإسرائيلية يعكس
حال التوتر والقلق التي يسببّها
العجز عن إخماد الانتفاضة، والعجز عن
شن الحرب على لبنان وسوريا، وليس
العكس على الإطلاق.
محور
رافضي التسوية.. الحلم الصعب
أما
من ناحية الاتهام الإسرائيلي لإيران
بإرسال الصواريخ لـ"حزب الله"
وبدعم الانتفاضة المباشر، فإنه يأتي
في السياق نفسه من تحميل "الآخر"
وزر العجز الإسرائيلي عن الردع. كما
أن التقارب السوري- العراقي في الأشهر
الأخيرة شجع بعض الأصوات العبرية
للحديث عن مواجهة مستقبلية سوف يشارك
فيها الجيش العراقي بالتعاون مع
سوريا. كما شجع التقارب الإيراني-
العراقي أيضًا أصواتًا عربية للدعوة
إلى محور عراقي- سوري- إيراني في
مواجهة المشروع الصهيوني؛ وفي دعم
الانتفاضة، وخصوصا أن هذه الأخيرة
تشهد محاولات كثيرة لإخمادها ووضع حد
لاستمرارها- تارة من خلال المبادرات
العربية أو الدولية، وطوراً من خلال
الضغوط الأمنية والسياسية
والاقتصادية المباشرة.
إلاّ
أن ما يمكن قوله في هذا الإطار: إن فرص
تشكيل مثل هذا المحور السوري- العراقي-
الإيراني- اللبناني- نظرًا لمواقف هذه
الدول المتطابقة من الانتفاضة ومن
الكيان الصهيوني- هي فرص ضعيفة في
المرحلة الحالية. وأسباب ذلك كثيرة
ومعقدة : فالنظام العراقي لا يزال حتى
اليوم يعيش حالة ملتبسة من العزلة
والانفتاح. وهو لا يزال أسير القيود
الدولية التي كبّلته منذ عشر سنوات.
ومن الصعب على دول أخرى مثل سوريا أو
إيران أن تخرق هذا الحظر الدولي أو أن
تغامر وتواجه الأمم المتحدة
وقراراتها بهذا الشأن.
كما
أن تشكيل مثل هذا المحور المفترض
يحتاج إلى توفّر عنصر الثقة بين
أطرافه وقادته، ويبدو حتى الآن أن هذا
العنصر مفقود على المستوى السوري-
العراقي والإيراني-العراقي. إذ لا
تزال ملفات الخلاف متراكمة وحلها
مؤجّل.. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن
أي حديث عن محور مصري- أردني مؤيد
لعملية التسوية في مواجهة محور سوري-
عراقي- إيراني- لبناني، مناهض لها،
ليس له حظ كبير من الواقعية. فالقيادة
الفلسطينية لا تزال أكثر قرباً من
النظام المصري وسياساته من أي بلد آخر.
كما أن المبادرة المصرية – الأردنية -
لحل الأزمة الناجمة عن الانتفاضة
ووقف التفاوض- تمّت بالتنسيق مع
السلطة الفلسطينية ورئيسها "ياسر
عرفات".
وهذا
يعني أن احتمال نشوء مثل هذا "المحور"
من رافضي التسوية - وعلى الرغم من
أهميته وضرورته في تشكيل مرجعية قوية
وأساسية - سيؤدي إلى إعادة خلط
الأوراق مجدداً، عربياً وفلسطينياً
وإقليمياً. كما أن القيادة السورية لم
تسع في أي وقت إلى تشكيل محاور
مماثلة، بل وأعلنت رفضها لذلك. كما أن
علاقاتها "المتوازنة" مع مصر ومع
دول الخليج، لا تجعلها تندفع إلى
الانخراط في محاور محدودة؛ لأنها قد
تقيد حركتها، وقد تثير مخاوف دول أخرى
لا ترغب في إثارتها أو إقلاقها من دون
أي مبرر أو سبب.
وما
تقدّم يعني أن العلاقة السورية-
الإيرانية- اللبنانية ستبقى على
حالها من التنسيق والتعاون على
مستويات عدة لدعم المقاومة ودعم
الانتفاضة. بينما ستبقى العلاقات مع
العراق علاقات ثنائية مع كل من هذه
البلدان، من دون أن يؤدي ذلك إلى نشوء
أي محور، مهما أتت أهميته وضرورته في
هذه المرحلة الراهنة من الصراع.
تهديدات
إسرائيل "فارغة"
والخلاصة
أن معادلات الصراع بعد الانسحاب
الإسرائيلي من جنوب لبنان واندلاع
الانتفاضة في فلسطين المحتلة، ما
تزال في غير مصلحة الكيان الصهيوني.
والتهديدات التي يطلقها قادة هذا
الكيان بتغيير "قواعد اللعبة في
لبنان" لا تعكس قدرة فعلية على
استعادة زمام المبادرة في هذه
المواجهة. ومع استمرار الانتفاضة،
واستمرار وجود المقاومة في جنوب
لبنان، ستبقى "إسرائيل" عاجزة عن
تغيير قواعد اللعبة العسكرية
والسياسية، مهما ادعت خلاف ذلك.
اقرأ
أيضاً:
|