 |
| بوش
مع الرئيس البولندي ألكسندر
كاوسينوسكي |
جاءت
أول جولة رسمية يقوم بها رئيس
الولايات المتحدة الأمريكية "بوش"
إلى أوروبا، في وقت تراجعت فيه
العلاقات بين دولته ودول الاتحاد
الأوروبي إلى أدنى مستوى لها، تحت ضغط
خلافات متراكمة ونزاعات اقتصادية.
وفي ظل هذا التوتر الملموس كان الموقف
الأوروبي من هذه الزيارة مترددًا
وخالياً من التوقعات، رغم إشارات
إيجابية صدرت عن الجانب الأمريكي
قبيل هذه الجولة.
في
هذه المرحلة الحرجة للعلاقات، فتح
الرئيس بوش زيارته بمدّ يده نحو
الأوروبيين بكلمات استرضائية؛
مؤكداً أن الولايات المتحدة ستكون
لأوروبا دومًا "صديقة مخلصة يمكن
الاعتماد عليها". لكن هل أمكن لبوش-
خلال أيام قليلة- إعادة بناء الثقة
بينه وبين "أصدقائه"
الأوروبيين، وإعادة تنشيط الشراكة
المبنية على تنسيق مستمر، وتبادل
آراء صريح، كما كانت عليه في الماضي؟
أم أن الفجوة بين الجانبين سوف تتسع
وتفرّق بينهما في المستقبل؟
توقعات
فاترة للزيارة
عبّرت
مجلة "الإيكونوميست" البريطانية
في صورة كاريكاتيرية تحت عنوان: "السيد
بوش يذهب إلى أوروبا" عن إحساس
الأوروبيين بعدم قدرة الإدارة
الأمريكية على استيعابهم وتجاهلها
لهم، عندما صوّرت بوش في زيّ رائد
فضاء على سطح القمر، يؤدي التحية
العسكرية أمام العلم الأمريكي.
وبناء
على ذلك، لم يعقد الأوروبيون آمالا
كبيرة على هذه الزيارة، ولم تكن تعني
بالنسبة لهم سوى أنها فرصة للتعرّف
على الرئيس الجديد في واشنطن، وتبادل
الآراء معه حول مواضيع مختلفة، دون أن
يتوقع أحد أن هذا اللقاء ربما يساهم
في حلّ الخلافات والنزاعات الحالية.
وليس
هذا الموقف الفاتر والمتحفّظ سوى
ردِّ فعل طبيعي على تصرفات إدارة بوش،
فالملاحظ عليها:
-
تحركاتها على انفراد، وكان كثير من
هذه الحركات على مستوى السياسة
الخارجية، بأساليب غير متوازنة.
-
تركيزها على السياسة الداخلية
ومصالحها الذاتية.
-
التراجع عن المساهمة في قضايا
واتفاقيات دولية، مثل: موقف واشنطون
السلبي من إنشاء المحكمة الجنائية
الدولية، ومن اتفاقية كيوتو البيئية،
وغيرهما.
-
تعليق جهودها في مجال الحفاظ على
السلام أو في التوسط في مناطق تشهد
نزاعات خطيرة.
-
عدم مشاورة الحلفاء الأوروبيين في
مسائل هامة تمس العلاقات الدولية.
هذه
التصرفات- من جانب واشنطن- أدّت إلى
انتشار صورة سلبية لبوش وللولايات
المتحدة في الإعلام الأوروبي
والعواصم الأوروبية. فلم يتردد
الإعلام الأوروبي عن إدانة المواقف
والسياسات الأمريكية في تعليقاته
بحدّة، حتى وُصف بوش- مثلاً- في إحدى
أكبر الجرائد الألمانية "فرانكفورتر
ألغماينة" بأنه "رئيس مغرور لقوة
عالمية منبهرة من نفسها، لا تراعي
مصالح الدول والشعوب الأخرى
وقضاياها، جاعلة نفسها مقياساً لكل
شيء".
والظاهر
أنه لا أحد في أوروبا يقبل الهيمنة
والأنانية الأمريكية وأسلوب السياسة
المبنية على المصالح فقط، والتي
تتجاهل اتفاقياتٍ وقواعدَ دولية.
وبالتالي فالكلمات الودّية
والمجاملات، التي أتى بها "بوش
الابن" في زيارته، لم تحقق أهدافها
في إصلاح هذا الانطباع السلبي الذي
تبنته الصحف والجماهير في أوروبا،
ورفض بعض الصحفيين تلك المبادرات
بسخرية بتسميتها "مبادرات استلطاف"؟!
ولا
عجب إذن من المظاهرات الحاشدة التي
رافقت هذه الزيارة، وجمعت الآلاف؛
احتجاجا على سياسة العولمة
الأمريكية، أو على مشروع الدرع
الصاروخي، والسياسة البيئية، وتنفيذ
أحكام الإعدام الأمريكية التي يدعمها
بوش.
لا
تفاهم في القضايا الأساسية
وفي
اللقاءات بين قادة دول الاتحاد ووفد
الرئيس بوش في إسبانيا وبلجيكا
والسويد، جرى الحوار حول قضايا أمنية
وسياسية واقتصادية وعالمية عديدة،
أبرزها: مخططات واشنطن لبناء نظام
دفاعي صاروخي، ورفض الولايات المتحدة
لمعاهدة "كيوتو" البيئية.
وكان
الموقف الأوروبي من كل قضية على النحو
التالي:
1-
الدرع الصاروخي: آراء متباعدة:
كان
الإعلان عن العزم الأمريكي على المضي
قدماً لتحقيق مشروع الدرع الصاروخي
في وقت مسبَق، قد أدّى إلى مزيد من
التوتر في العلاقات بين جانبي المحيط
الأطلسي. فلم يجد الجانب الأمريكي
ترحيبا بأناشيده الحماسية الدفاعية
لدى الأوروبيين ولا سواهم، وإنما
ردود أفعال ناقدة وغاضبة ورافضة. ولا
تقتصر التعليلات على ما تقوله
الإشارة إلى مزيج نزعة اعتزال
أمريكية مع أفكار قومية وتصرّفات
انفرادية، بل تشمل أيضاً التنويه
بنتائج التجارب السلبية للدرع
الصاروخي ومشكلاته الفنية، وأثره
السلبي على العلاقات الدولية وعلى
النظام الأمني الدولي.
ولم
يكتم القادة الأوروبيون شكوكهم في
خطط التسلح الأمريكية الجديدة في
لقائهم مع الرئيس بوش، الذي عُقد في
مقر حلف شمال الأطلسي "الناتو"
في بروكسل. فعبر كل من المستشار
الألماني "شرودر" والرئيس
الفرنسي "شيراك" بوضوح عن قلق
دول الاتحاد إزاء مشروع الدرع
الصاروخي.
وفي
هذا السياق رحّب شرودر في كلمته
باستعداد بوش للحوار مع حلفائه حول
هذا الموضوع، ولكنه صرّح أيضاً بوجود
العديد من الأسئلة المفتوحة التي
تحتاج إلى شرح، مثل: المسائل الفنية،
وأثر نظام الدفاع الصاروخي على
العلاقات مع دول أخرى، وخاصة مع روسيا
والصين. وأضاف شرودر أن إمكانية
التمويل والتنفيذ لهذا المشروع غير
مضمونة فحسب، وإنما من المشكوك فيه
أيضاً أن يساهم في تطوير الأمن
العالمي.
وأشار
شيراك إلى نقاط إضافية، مثل: أهمية
الاستمرار في الحدّ من التسلح على
مستوى دولي، وضرورة التمسك بالنظام
القانوني لمراقبة التسلح. وفي رأيه،
فإن إستراتيجية الدرع الصاروخي يمكن
أن تشعل سباق تسلّح جديد، وأن تهدد
الهيكل الأمني وتوازن القوة في
العالم. ولا يجوز في أي حال من الأحوال-
على حد تعبيره- انتهاك معاهدة الحدّ
من الأسلحة المضادّة للصواريخ ذات
الدفع الذاتي/ البالستية (ABM)، التي
أبرمت عام 1972 بين واشنطن وموسكو.
2-
الاحتباس الحراري: نقاش ساخن:
بالنسبة
للموضوع الثاني من المواضيع الأهم
بين الجانبين، دار الحديث خلال
الاجتماع نصف السنوي لرؤساء حكومات
الاتحاد الأوروبي في "غوتيبورغ"
السويدية، وبحضور ضيفهم الرئيس بوش؛
حيث كانت المواقف متصلبة حوله أيضاً.
وقد
أبدى الاتحاد الأوروبي أسفه إزاء
إصرار الإدارة الأمريكية على رفض
معاهدة "كيوتو"، التي وُقّعت في
عام 1997 لخفض انبعاث بعض الغازات التي
يُعتقد أنها تسبب الاحتباس الحراري
في الجو، وذلك لأثرها السلبي على
الاقتصاد الأمريكي، كما يبرر بوش.
وعرض
الرئيس الأمريكي أثناء اللقاء مبادرة
جديدة لبحث التبدلات المناخية كبديل
عن معاهدة كيوتو، مشيراً إلى أن
الأهداف البيئية لدى الولايات
المتحدة وأوروبا متطابقة. ومقابل
ذلك، أكد الأوروبيون إصرارهم على
التمسك بمعاهدة كيوتو، والتزامهم
بها، واعتبارها الأساس الوحيد
والمناسب لتخفيض نسبة الغازات
المتسببة في الاحتباس الحراري، كما
أعلنوا رفضهم تأجيل معالجة هذه
المشكلة البيئية. وفي هذا الإطار،
يقول رئيس الوزراء السويدي "بيرسون"،
الذي ترأس بلاده الاتحاد حالياً: "باعتقادنا
أن معاهدة كيوتو وثيقة ضرورية
وعملية، إن أردنا السيطرة على
التبدلات المناخية بشكل جاد". ومن
المقرر أن تستمر دول الاتحاد في
جهودها لتطبيق معاهدة كيوتو، رغم
الرفض الأمريكي لها.
مستقبل
العلاقات الأمريكية- الأوروبية
سلطت
جولة بوش الأوروبية الضوء على
العلاقات الأوروبية-الأمريكية،
وطرحت مجدداً السؤال عن تأثير
الخلافات القائمة على مستقبل هذه
العلاقات.
وعند
تقدير مدى سلامة هذه العلاقات،
وتحديد وجهة مسارها المنتظرة، لا
يصلح المقياس الذي يعتمد على رصد نسبة
التقدم في حل النزاعات والخلافات
القائمة بين الجانبين. فمن الطبيعي أن
تظهر مشكلات مختلفة بين الدول ذات
العلاقات الواسعة النطاق.. ولكن
السؤال الأهم يكون عن أسلوب التعامل
الذي يسود في تلك العلاقات.
ومن
الملاحظ أنه منذ تولي بوش الابن
الرئاسة في واشنطن، لم تنقطع معاناة
العلاقات بين أوروبا وواشنطن من
اضطراب في خطوط الاتصال بين
الجانبين، ولكن عقب اللقاءات الأخيرة
في أوروبا، ظهرت مؤشرات تدل على
تغييرات ذات أثر على تطور هذه
العلاقات على النحو التالي:
أولاً:
أطلق بوش خلال جولته إلى أوروبا
إشارات إيجابية وخاطب الأوروبيين
بنية تبادل الآراء والتعاون البناء
ومناقشة التحديات المشتركة. والظاهر
أن الإدارة الجديدة في واشنطن بدأت
تتراجع قليلاً عن خطها الجامد، الذي
كانت متمسكة به في خطابها لدول
الاتحاد الأوروبي، بعد إدراكها معنى
التردد الأوروبي الناتج عن هذه
المعاملة. ولكن في الوقت ذاته توضح
إدارة بوش أنها لن تتخلى عن "مصالحها
الحيوية"، رغم الاحتجاج الأوروبي.
ثانياً:
من الممكن رصد بعض التعديلات
السياسية الأمريكية لاحقاً، مثل:
التراجع عن العزم على سحب الجنود
الأمريكيين من منطقة البلقان،
واستئناف التحرك الأمريكي في "الشرق
الأوسط"، بعد تجميد نشاطاتها هناك
لفترة طويلة، واستئناف المحادثات مع
حكومة كوريا الشمالية بعد تعليقها،
ثم يمكن تفسير هذه التعديلات بأنها
تمثل خطوة جادة لنوع من الإقرار
باتخاذ قرارات خاطئة من جانب
السياسيين الأمريكيين من قبل، وربما
تعني تراجعا مبدئيا عن سياسة "الاعتزال"،
وجميع ذلك يوفر فرصة جديدة لتعاون
أفضل بين دول الاتحاد الأوروبي
وإدارة بوش.
ثالثاً:
كان الحوار صريحا بين قادة دول
الاتحاد ورئيس الولايات المتحدة.
ورغم الصعوبات الكثيرة فإنه لم يتردد
أحد عن الخوض في مواضيع الخلاف. صحيح
أن المشكلات لم تجد حلولا لها، وأن
كلاًّ من الطرفين أصر في هذا اللقاء
على مواقفه، ولكن في النهاية أكّد
الجميع أهمية العلاقات الأمريكية-
الأوروبية السليمة، وأهمية التعاون
للمحافظة على السلام والاستقرار في
العالم.
رابعاً:
خاطب رؤساء دول الاتحاد نظيرهم
الأمريكي هذه المرة بثقة ملحوظة
بالنفس. فبعد أن عزز الاتحاد الأوروبي
دوره السياسي على الساحة الدولية،
وشرع في خطوات جادة لتطوير الجانب
الدفاعي أيضاً، قدم نفسه الآن بقوة
جديدة وظهر كطرف "ندّ" للولايات
المتحدة، وبآراء وتصورات وسياسات
خاصة، لا تتناسق دوماً مع التصورات
الأمريكية، رافضاً بذلك الخضوع
للسياسة الأمريكية.
"زواج"
مصلحي
صحيح
أن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي
والولايات المتحدة مضطربة وتعاني من
صعوبات حالياً، ولم يستطع الجانبان
في هذا اللقاء حل المشاكل بينهما،
ولكن من طبيعة السياسات الأوروبية
والأمريكية أنها معتمدة على المصالح،
وعندما تتلاقى هذه المصالح تنشط
الاتصالات بقوة.
ويدرك
الجانبان أن من مصلحتهما العليا
رعاية العلاقات بينهما، رغم الخلافات.
فعلى المستوى الدولي لا تستطيع
الولايات المتحدة تحقيق أهدافها
بمفردها، رغم قوتها الاقتصادية
والسياسية والعسكرية. ومقابل ذلك فإن
الأوروبيين يعترفون بأنهم ليسوا
قادرين على حل النزاعات والأزمات
القائمة في أنحاء مختلفة من العالم
على انفراد ودون التعاون مع الجانب
الأمريكي. فالجميع أكد عزمه على
التمسك بهذه العلاقات.
وبالمقابل،
فمن المؤكد أن الاتحاد الأوروبي
سيستمر في التنصل من الأسلوب
الأمريكي والسياسة الأمريكية في بعض
الأمور في المستقبل، وسوف يتبع
طريقته الخاصة، ولكن عندما تتطلب
الأمور أن يلجأ إلى التعاون مع
الولايات المتحدة فسوف يفعل ذلك.
ويمكن وصف هذه العلاقة بزواج مصلحي؛
حيث يمضي كلٌّ من الجانبين في سبيله،
ولكن يجري التنسيق في الأمور
المصيرية.
وسيتضح
في المستقبل المنظور، ما إذا كانت هذه
الجولة قد فتحت فعلاً صفحة جديدة في
التشاور والتنسيق بين إدارة بوش
والنظراء الأوروبيين، وإلاّ فإن
الأوروبيين سيبدؤون في التفكير الجدي
بإدارة ظهورهم للأمريكان، والمضي
قُدماً في طريق أوروبي مستقل.
أمريكا
وأوروبا متفقان على القضايا
الإسلامية
رغم
ما يمكن طرحه في الوقت الراهن من
قضايا خلافية، تعرض نفسها على
العلاقات بين واشنطن والعواصم
الأوروبية، فإن هناك أيضاً انسجاما
وتوافقا في أهداف ومصالح وتصورات
معينة للطرفين. ويبدو أنه في القضايا
التي تمسّ الأمة الإسلامية يعزم
الجانبان على الكلام بصوت واحد،
ومواصلة التعاون، كما نشهد الآن في
"الشرق الأوسط"؛ حيث يؤكد كل من
الجانبين على تطبيق تقرير لجنة ميتشل
من أجل الشروع في وقف استخدام العنف.
كما
يُذكر في هذا السياق بذل المحاولات
للتنسيق في تغيير العقوبات ضد
العراق، أو بذل الجهود المشتركة
لمكافحة الإرهاب، وحظر انتشار
الأسلحة، وهو ما يستهدف عادةً جماعات
أو دولا إسلامية. وبالتالي فإن بعض
الخلافات في سياق العلاقات الأوروبية-
الأمريكية، والعزم الأوروبي على
الاضطلاع بدور عالمي أكبر، بما يشمله
من دور مستقل في منطقتنا العربية - كل
ذلك لا يحدث تغييراً يُذكَر بصدد
نوعية تعاطي الولايات المتحدة
الأمريكية وأوروبا مع القضايا
العربية والإسلامية، وعزمهما على
تحقيق المصالح الغربية ومصالح
الحليفة "إسرائيل" أولا. ولن
يترك ذلك بالتأكيد تأثيرا إيجابياً
على أوضاع الأمة الإسلامية وقضاياها.
اقرأ
أيضًا:
|