|
الجدل
الدائر في اليمن حول إلغاء المعاهد
العلمية (الدينية) يفتح ملف "الغارة"
التي يتعرض لها التعليم الديني في
العالم الإسلامي على امتداد نصف
القرن الأخير.. مبرر السلطة اليمنية
في سعيها لإلغاء هذه المعاهد هو "توحيد
المناهج التعليمية ودمج التعليم"،
وهو ما يعني إغلاق أكثر من 1300 معهد
ينتظم فيها ما يقرب من نصف مليون طالب
وطالبة أو تحويل مسارها، وبالتالي
حرمان اليمن من حصن مهم من حصون
الإسلام.
الخطوة
الثانية
والدعوة
إلى إلغاء التعليم الديني قديمة
أطلقها - للمرة الأولى - د. طه حسين عام
1955م بمقال شهير في جريدة الجمهورية (مصر)،
مقدمًا المبررات نفسها التي نسمعها
اليوم وهي "توحيد التعليم"، وقد
أطلق طه حسين دعوته تلك تحت عنوان "الخطوة
الثانية"، داعيًا السلطة المصرية
الثورية لاتخاذها بعد أن نجحت في "خطوتها
الأولى"، وهي إلغاء القضاء الشرعي.
وبعد
ما يقرب من نصف القرن تكون دعوة طه
حسين قد قطعت شوطًا كبيرًا في سبيل
إلغاء التعليم الديني أو تفريغه من
محتواه.. ففي عام 1961م صدر القانون رقم
(103) تحت اسم "إعادة تنظيم الأزهر"،
ثم تبعته إجراءات أخرى كان آخرها
قانون "تطوير الأزهر" الصادر في
يوليو 1998م، والذي قضى بتخفيض سنوات
الدراسة في المرحلة الثانوية من أربع
سنوات إلى ثلاث، وألغى 32% من المنهج
الشرعي، و88% من حصص القرآن الكريم،
وأغلق 20 معهدًا لتخريج معلمي القرآن..
(مذكرة الشيخ جودة الصفتي مدير الخطة
والمناهج بالتعليم الأزهري الثانوي).
المعاهد
الدينية اليمنية من منجزات الثورة
والجمهورية
ولن
تكون دعوة السلطة اليمنية إلى "توحيد
التعليم ودمج المناهج" بأخف أثرًا
على مستقبل التعليم الديني ورسالته
هناك، مما أحدثته قوانين التطوير
التي قمعت التعليم الأزهري وحجّمته؛
ولذلك فقد كان الشيخ "عبد الله بن
حسين الأحمر" – رئيس مجلس النواب
اليمني ورئيس "تجمع الإصلاح" –
مصيبا عندما أرسل للبرلمان خطاب
اعتذار رسمي عن رئاسة الجلسة – أو
حضورها – التي ناقشت المشروع الحكومي
"بإلغاء المعاهد العلمية الناجحة
التي هي من منجزات الثورة والجمهورية
ولا يجوز المساس بها" (رسالة الأحمر
للبرلمان).
كما
كان الأستاذ "عمر أحمد سيف"
المرجع العام للميثاق الوطني (المنهج
الفكري للحزب الحاكم) مدركًا أبعاد ما
يدبر لتلك المعاهد، فسارع بمناشدة
الرئيس علي عبد الله صالح بعدم إلغاء
تلك المعاهد؛ لأن "إلغاءها يصبّ في
خدمة أعدء الدين ومثيري الفتنة.. وأن
قطع ميزانيتها هو قطع لشرايينها".
نماذج
من دول أخرى
والناظر
في وقائع تلك "الغارة" الآثمة
على التعليم الديني في العالم
الإسلامي، يلحظ خيطًا متينًا يربطها،
وإن اختلفت آلية الضربات، فإن الهدف
يتراوح بين اجتثاثها أو تحويل مسارها
أو تهميشها.. والمهم هو شلّ رسالتها أو
مسخها.. ولعل النموذجَين التونسي
والتركي مثالان بالغَا الفجاجة في
هذا المضمار، فالسلطة التونسية لم
تُبْقِ من ذكرى جامعة الزيتونة
الإسلامية إلا مبانيها فقط، أما ما
يدور في داخلها فإن أكثر الجامعات
العلمانية تفلتًا وتفسخًا تخجل منه.
وفي
تركيا تم تقليص مدارس الأئمة
والخطباء في خطة تبنّتها حكومة مسعود
يلماظ عام 1997م، وقضت بخفض أعدادها،
وجعل التعليم داخل ما بقي منها
مختلطًا مع تجريم ارتداء الحجاب في
أثناء الدراسة، وفي الوقت نفسه تم فصل
كل العاملين في مؤسسات التعليم من
الحاصلين على مؤهلات من جامعات
إسلامية بما فيها الأزهر.. لأنهم خطر!.
لماذا
نهدم حصوننا بأيدينا؟
الأمر
الغريب.. أن التعليم الديني نشأ في كنف
الأنظمة وتدار العملية التعليمية
داخله تحت سمعها وبصرها.. وقد ظل حصنًا
منيعًا من حصون الأمة في حفظ الدين،
وتخريج العلماء العاملين القائمين
على حراسة الإسلام - بالحكمة والعلم
والموعظة الحسنة - من جهل المبطلين
وشطط المغالين، وهو يمثل قلعة منيعة
ضد "التطرف والإرهاب" الذي تشتكي
الأنظمة من خطره ليل نهار.
فلماذا
نهدّم حصوننا بأيدينا.. هكذا؟
الإجابة
حصلت عليها خلال زيارتي لباكستان
عندما قام "برويز مشرف" بانقلابه
على نواز شريف، وهناك سمعت من مصادر
موثوقة أن الإدارة الأمريكية تشترط
لمساعدة النظام الجديد إغلاق المدارس
الدينية، وإغلاق المشروع النووي،
وضرب الحركات الجهادية العاملة في
كشمير، بل إنها تعتبر المدارس
الدينية أشد خطرًا من القنابل
النووية! ومثل ذلك يمكن أن يقال عن
البنك الدولي وصندوق النقد الدولي
وغيرهما من المنظمات التي تشترط لمنح
قروضها للدول الإسلامية إلغاء هويتها
المستقلة.
|