 |
|
بوش
غاضب |
منذ
أن تولَّى الرئيس خاتمي السلطة
السياسية في إيران عام 1997 صدر عن كل من
طهران وواشنطن مجموعة من التصريحات
التي مثلّت تحولاً مهمًا، بشّر
بإمكانية حدوث انفراجة في علاقات
البلدين، وخصوصًا عندما تبعتها
مجموعة من الخطوات المحدودة من
الطرفين، والتي بدت حتى نهاية عام 2000
كأنها قد بدأت تُحدث تراكمًا
إيجابيًّا، إلا أن تولِّي إدارة بوش
المسئولية في واشنطن من شأنه أن يوقف
مثل هذا التحسن أو يعطله على الأقل في
المدى المنظور، بغض النظر عن النتيجة
التي ستسفر عنها الانتخابات
الإيرانية.
فمنذ
قيام الثورة الإيرانية عام 1979، اتخذت
العلاقات الإيرانية الأمريكية منحى
عدائيًا، كان لكل من الطرفين أسبابه
في تكريسه.
إيران
لن تنسى لأمريكا إطاحتها بمصدق
فعلى
الجانب الإيراني، ظل التدخل الأمريكي
الذي أطاح بحكومة مصدق عام 1953، أحد
المكونات الرئيسية للذاكرة السياسية
للنظام الإيراني الجديد، والذي لم
يستبعد قيام الولايات المتحدة
الأمريكية في أية لحظة بتكرار ذلك
الدور نفسه، وقد كان ذلك في الواقع
أحد الأسباب المهمة وراء الإجراءات
القمعية التي اتخذها النظام في تلك
الفترة من أجل إحكام السيطرة على
البلاد، بما لا يسمح بتكرار وقائع 1953،
وهو ما ذكره الرئيس خاتمي نفسه في
معرض تقويمه النقدي لأداء الثورة
الإيرانية منذ قيامها (الإسلام
والعالم، دار الشروق القاهرة 1999 ص 144).
وقد
كرّس التوجس الإيراني إزاء الولايات
المتحدة قيام الأخيرة بدعم العراق
عندما اندلعت الحرب العراقية
الإيرانية، ثم قيامها بالتدخل في 1988،
والذي أسفر عن ضرب عدد من المنشآت
البترولية الإيرانية، ثم إسقاط
الطائرة المدنية الإيرانية التي راح
ضحيتها 290 شخصًا. وكان هذا الموقف
الأمريكي هو أحد الأسباب المباشرة
وراء قرار الخميني الصعب بإنهاء
الحرب مع العراق؛ حيث اعتبر الموقف
الأمريكي بمثابة إنذار لإيران بمزيد
من التدخل القوي بجانب العراق.
بعبارة
أخرى، حفل العقد الأول من عمر الثورة
الإيرانية بعدد من المواقف
الأمريكية، التي جعلت إيران تعتبر
الولايات المتحدة هي (الشيطان الأكبر)
الذي يسعى بكل قوة لإسقاط النظام
الإيراني والإضرار بمصالحه.
أمريكا
لن تنسى لإيران إطاحتها لكارتر
أما
على الجانب الأمريكي، فقد جاء غياب
الشاه ليكشف ظهر الولايات المتحدة في
منطقة الخليج، الأمر الذي جعلها تغير
سياستها تجاه العراق نحو مزيد من دعم
النظام البعثي، كما تجلى في الحرب مع
إيران، ومثلما حملت الذاكرة
الإيرانية واقعة 1953.
ظلت
واقعة احتجاز الرهائن الأمريكيين -
التي أنهت حكم الرئيس كارتر - ماثلة في
الذاكرة الأمريكية، والتي كرس منها
في الواقع دعم إيران لعدد من
التنظيمات الإسلامية؛ سواء في لبنان
أو فلسطين.
ومن
المفارقات الجديرة بالتأمل، أن ضلوع
إدارة ريجان في صفقة سلاح مع إيران –
والتي عرفت لاحقاً بفضيحة (إيران
كونترا) – قد أضافت إلى مخزون الذاكرة
الأمريكي عنصراً إضافيًا؛ حيث صارت
إيران مسئولة عن طرد رئيس من البيت
الأبيض (كارتر)، وتشويه آخر بفضيحة
سياسية كبيرة (ريجان)، وكأنه انتقام
إيراني لطرد مصدق من الحكم عام 1953.
أمريكا
وسياسة الاحتواء المزدوج
إلا
أن انهيار الاتحاد السوفيتي قد زاد من
التوجس الأمريكي؛ حيث صارت إيران
رمزًا "للأصولية الإسلامية"
التي رشحتها أمريكا وقتها لتكون
العدو الجديد.
وفي
1993، أعلنت الولايات المتحدة سياسة
الاحتواء المزدوج، والتي لم تكن في
الواقع تأتي بجديد في جوهر سياسة
الولايات المتحدة التي طالما سعت
تاريخيًا إلى الموازنة بين قوة كل من
إيران والعراق في المنطقة، كل ما في
الأمر أن هذه السياسة انهارت بقيام
الثورة الإيرانية، فركّزت أمريكا على
دعم العراق بعد أن كانت تدعم إيران،
ثم انتهت حرب الخليج الثانية؛ فصار
الجديد في تلك السياسة هو السعي
لإضعاف الطرفين معًا.
وفي
أوج حملة انتخابية رئاسية وتشريعية
في أمريكا، صدر قانون داماتو 1996 –
والذي سبقه في الواقع أمر تنفيذي لا
يقل خطورة في مداه - كان الرئيس
كلينتون قد أصدره في عام 1995.
قدوم
خاتمي دفع الأمريكان إلى إعادة نظر
إلا
أن الصورة بدت مختلفة في عام 1997؛ فقد
فاز محمد خاتمي بأغلبية 70% في
انتخابات حرة أحرجت الولايات المتحدة
التي ظل خطابها الرسمي يستخدم مفردات
تتهم إيران بكل الشرور، بل وتتناولها
بدرجة عالية من الاستهانة والامتهان
أيضًا، فقد كانت الولايات المتحدة
تستخدم مثلا تعبير "السلوك"
الإيرانيBehavior والذي لا يستخدم في
اللغة الإنجليزية إلا للإشارة إلى ما
يبدر عن غير العاقلين والخارجين عن
القانون والحيوانات.
ومن
ثَمّ لم يعد من الممكن لأمريكا
الرسمية أن تظل تستخدم مثل تلك
المفردات، خصوصًا أن الجالية
الإيرانية كانت قد بدأت تنظم نفسها
بشكل أفضل، وتستقطب عددًا من رموز
النخبة السياسية الأمريكية؛ سعيًا
لإحداث انفراجة في السياسية
الإيرانية.
فبدأت
بعض الأصوات الرشيدة تعلو داخل
المجتمع الأمريكي نفسه، تطالب بإعادة
النظر في مجمل السياسة الأمريكية
تجاه إيران، خصوصًا بعد دعوة الرئيس
خاتمي عبر شبكة "سي إن إن" للحوار
الحضاري بين الشعبيين، وقد تبع ذلك
تصريح لأولبرايت يحمل شبه اعتراف
بدور أمريكا ضد حكومة مصدق، وإن لم
يرق إلى الاعتذار الرسمي.
اللوبي
الصهيوني يتدخل
وقد
تزامن ذلك مع تصاعد نبرة التذمر لدى
حلفاء أمريكا الأوروبيين إزاء
العقوبات التي يفرضها قانون "داماتو"
على الشركات الأوروبية، فضلا عن
مطالبة منظمات رجال الأعمال
الأمريكية برفع الحظر الذي أضر
بمصالحها بالدرجة الأولى.
وقد
ظلت كل هذه العوامل تتفاعل بين شد
وجذب، خصوصًا مع الضغوط القوية التي
مارسها اللوبي الصهيوني في واشنطن
على إدارة كلينتون والكونجرس؛ لوقف
أية محاولة لتحسين العلاقات مع إيران.
ولعلها
من الأمور بالغة الدلالة أن الرئيس
كلينتون كان قد أصدر قرارين تنفيذيين
يفرضان عقوبات على إيران، إلا أن
الأهم من اتخاذ القرارين كان – في
الواقع - حرصه على الإعلان عن كل منهما
في اجتماع له مع إحدى المنظمات
اليهودية الكبرى.
مصالح
القوى الأمريكية أثرت على صناعة
القرار
ورغم
ذلك، فهل كانت المحصلة النهائية تشي
بوجود إمكانية معقولة لحدوث تحول
إيجابي في علاقة البلدين؟ مثل هذه
التفاعلات الداخلية هي جوهر عملية
صنع القرار الأمريكي، ومن ثم فهي
الأصل والقاعدة لا الاستثناء. بعبارة
أخرى، إن الإيجابية الرئيسية إنما
كانت تتمثل في أن الساحة الأمريكية
صارت تحفل بقوى مختلفة لها مصلحة في
تحسين العلاقات مع إيران، بعد أن كان
اللوبي اليهودي هو وحده المهيمن عند
صناعة هذا القرار.
وقد
تبدت نتائج ذلك التحول فعلاً في رفع
الحظر على استيراد بعض السلع
الإيرانية، مثل الفستق والسجاد،
والذي تبعه قرار إيراني باستيراد
الأدوية الأمريكية، فضلا عن إعفاء
عدد من الشركات (ماليزية وفرنسية
وروسية) من عقوبات قانون داماتو.
مجيء
بوش نقطة في الاتجاه المعاكس
إلا
أن وصول بوش للسلطة يمثل - في رأي
كاتبة السطور - نقطة تحول مهمة في
الاتجاه المعاكس؛ تنبع بالأساس من
رؤية الإدارة الجديدة لدور أمريكا في
العالم وأهدافها الإستراتيجية معًا.
فعلى عكس إدارة كلينتون – التي كانت
ترى العالم مكانًا حافلاً بالفرص
التي ينبغي لأمريكا أن تستثمرها - ترى
إدارة بوش العالم باعتباره حافلاً
بالتهديدات التي ينبغي لأمريكا أن
تواجهها، وهو رؤية تؤثر بالضرورة على
توجهات الإدارة عمومًا ومواقفها
الخارجية المختلفة.
إلا
أن الأهم من ذلك: هو أن هذه الإدارة قد
كشفت في الشهور القليلة الماضية عن
وجه "يميني" واضح - سواء في
سياساتها الداخلية أو الخارجية -
واتخذت من المواقف ما يُعد في الواقع
أكثر يمينية، حتى بالمقارنة برونالد
ريجان نفسه الذي يعتبر (بطل) اليمين
الأمريكي المعاصر.
وفي
كل ذلك تتخذ هذه الإدارة مواقف ذات
طابع "أيديولوجي" لا برجماتي؛ أي
ترتكز في اتخاذ كل موقف على اعتبار
أنه الأفضل ليس لأسباب موضعية وإنما
– في كثير من الأحيان - لأنه الموقف
"الصحيح" أيديولوجيًا.
وقد
أتضح ذلك جليا في موقف الإدارة من
تخفيض الضرائب؛ ففي أثناء الحملة
الانتخابية، ثم الأسابيع الأولى من
عمر هذه الإدارة، ظل بوش يبرر مشروعه
لخفض الضرائب بأن أمريكا تملك فائضًا
ضخمًا في الميزانية ينبغي معه أن
يستعيد الأمريكيون أموالهم، لا أن
تظل في خزانة الحكومة. ثم حين بدت
ملامح التراجع الاقتصادي في الظهور
ظل بوش مصرًا على تخفيض الضرائب؛
ولكنه غيّر المبرر الذي لم يعد
مناسبًا؛ فبعد أن كانت الضرائب ممكنة
بسبب إنعاش الاقتصاد، صارت ضرورية من
أجل إنعاش الاقتصاد. وهو ما يعني في
الواقع أن الموقف من الضرائب موقف
مبدئي بالنسبة لهذه الإدارة، ينبع من
أيديولوجية اليميني التي يعتبر خفض
الضرائب من مقومات سياساتها
الاقتصادية في كل الأحوال.
وبالمنطق
الأيديولوجي نفسه، تقوم إدارة بوش
بتسويق برنامج الدفاع الصاروخي. فرغم
اعتراف "رامسفيلد" علنا بأن
التكنولوجيا المطلوبة ليست متاحة
بعد، ولا هي مضمونة الفاعلية حتى
الآن، فإن هذه الإدارة أعلنت المرة
بعد الأخرى عزمها الأكيد على بناء هذا
البرنامج، وإن كانت تُغير بين الحين
والآخر في التفاصيل المتعلقة
باستثناء الحلفاء والتنسيق مع روسيا.
أما الثابت؛ فهو في هذه الحالة:
المبرر المعلن لإنشاء هذا النظام
الصاروخي؛ وهو حاجة أمريكا لحماية
نفسها من مخاطر إطلاق صواريخ مما
يُسمى الدول (المنبوذة) والتي تذكر من
بينها - على الدوام - إيران، إلى جانب
كوريا الشمالية.
وإذا
كانت هذه الإدارة قد أوقفت محادثاتها
مع كوريا الشمالية التي كان قد بدأها
كلينتون - بزعم أنها غير مجدية -
فالواضح أن استئناف هذه المحادثات
يعني في الواقع أن ينتفي المبرر من
وراء إنشاء نظام الدفاع الصاروخي؛
ومن ثم فهي لن تسعى على الأرجح إلى
الدفع نحو تحسين العلاقات مع دولة
أخرى "منبوذة" هي إيران، وإلا
انهار المبرر أيضًا.
التيار
اليميني واللوبي الصهيوني لن يسمحا
بأية علاقة
ورغم
أن لبعض رموز هذه الإدارة مواقف ترفض
الارتكاز على العقوبات بالأساس في
صنع السياسة الخارجية - خصوصًا لما
لها من آثار سيئة على الاقتصاد
الأمريكي نفسه - فإن تخفيف هذه
العقوبات على إيران سوف يتوقف
بالدرجة الأولى على طبيعة التفاعل
بين الرئاسة والكونجرس؛ حيث يواجه
الرئيس – خصوصًا في مجلس النواب –
تيارًا يمينيًا قويًا يصر على
الالتزام بهذه العقوبات، وتلقى لديه
أطروحات اللوبي اليهودي استحسانًا.
وإيران
أيضا لن تسمح بإهدار كرامتها
وبالتالي،
فبغض النظر عما ستُسفر عنه نتائج
الانتخابات الإيرانية أو حدوث تحول
في السياسة الإيرانية، فإنه من غير
المرجح أن يلقى ذلك استجابة لدى الطرف
الأمريكي، خصوصًا أن إيران تُجسد في
سياستها إزاء واشنطن درجة عالية من
الاعتزاز بالذات والكرامة الوطنية،
ولا تقبل بأقل من معاملة ندية، بل
واعتذار رسمي أمريكي صريح على ما
ارتكبته أمريكا في حق شعب إيران، وهو
الأمر الذي يزيد من احتمالات تعقيد
العلاقات مع الإدارة الحالية التي
أبدت في تعاملاتها الدولية درجة
عالية من الغطرسة، تحدّث عنها علناً
حلفاؤها قبل خصومها.
اقرأ
أيضًا:
|