بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

المنطقة العربية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


الجزائر.. "كوكتيل مولوتوف" يهدد بانفجارات أوسع

3/05/2001

نور الدين العويديدي 

بسبب حادث ليس غريبًا على الساحة الجزائرية، أردَت فيه قوات من الشرطة شابًّا من طلاب الثانوية العامة قتيلاً بالرصاص في بلاد القبائل؛ فاندلع الغضب، وتفجرت شرارة الغيظ المكبوت في الصدور، واشتعلت مناطق البربر في وجه السلطة الجزائرية، وسقط في المواجهات الحامية – التي استمرت لأكثر من عشرة أيام متتالية - عشرات القتلى من الشباب الغاضب، ومن قوات الأمن والدرك الجزائريين، في مواجهات دامية تسببت في خسائر بشرية ومادية هائلة.

وتتباين التقديرات فيما يتعلق بعدد القتلى والجرحى في الأحداث، وما يتعلق بحجم الخسائر المادية، الناجمة عن تفجر الغضب الشعبي في تلك المنطقة التي شهدت انتفاضات سابقة، أشهرها ما عرف بـ"ربيع الأمازيغية" في مطلع الثمانينيات من القرن المنصرم.

ولا يقل عدد القتلى في هذه الأحداث حتى الآن، في أدنى التقديرات، عن 40 قتيلاً، وتصل به بعض التقديرات إلى أكثر من 80 قتيلاً.. أما عدد الجرحى؛ فيترواح بين 700 و1000 جريح. ولا يعرف حتى الآن ما هي التطورات المحتملة، التي يمكن أن تأخذها الأحداث، ولا نتائجها الممكنة.. لكن ما يلفت النظر في هذا التفجر الشعبي الهائل: شعاراته، والأهداف التي يطالها غضب الشارع بالحرق والتدمير، ونوعية القائمين على هذه الاحتجاجات، وطريقتهم في التعامل مع الدولة ورموزها.

انتفاضة شباب

غلب على المشاركين في أحداث مناطق القبائل، الشباب من طلاب الجامعات، وطلاب المعاهد الثانوية، وحتى طلاب المدارس الابتدائية.. وتحمل المشاركة الكثيفة للشباب في هذه الاحتجاجات دلالات بليغة، تعبّر بقوة عن حالة فقدان الأمل لدى الأجيال الجديدة في دولة الاستقلال وفي حكامها من سياسيين وعسكريين؛ وذلك بسبب حالة الانسداد السياسي والاجتماعي، واستفحال البطالة، وانتشار الفقر المدقع، وتفاقم الفساد والجريمة، وتوسّع ظواهر الانتحار في أوساط الجزائريين، وإن كان التهميش والفقر والحرمان والبطالة لا تطال شباب القبائل وحدهم، فربما يكون هؤلاء أسعد حظًّا من كثير من سواهم من الشبان الجزائريين الآخرين في مناطق أكثر حرمانًا وتهميشًا وفقرًا وبطالة.

لقد شهدت العشرية الماضية - التي يسميها الجزائريون بالعشرية الحمراء، لما سال فيها من دماء عشرات الآلاف من الجزائريين - انتشارًا هائلاً للبطالة في أوساط الشباب. وتتجاوز البطالة بينهم 40% في المعدل الوطني العام، بحسب إحصائيات رسمية، وتصل في بعض المناطق إلى ما فوق 80% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا، بحسب إحصائيات غير رسمية. وتقدر إحصائيات رسمية عدد العاطلين عن العمل في البلاد بـ4 ملايين عاطل، في حين ترى مصادر غير رسمية أن العدد أكبر بكثير من ذلك.

وقد انتشرت في الجزائر في العشرية الماضية بقوة بطالة خريجي الجامعات من حملة الشهادات العليا، وتفاقم البطالة عامة، بسبب الخصخصة واقتصاد السوق التي اندفعت إليها الجزائر على شاكلة بعض الدول الأخرى، التي عرفت لمدة طويلة الاقتصاد الاشتراكي المخطط، وقفزت بشكل متعجل – من دون تهيئة اجتماعية وسياسية كافية - نحو اقتصاد السوق، وهو ما خلق في البلاد حالة واسعة من الفوضى والتخبط والفساد والمافيات المالية والسياسية.

وقد ترافقت تلك الإصلاحات الاقتصادية، بل وجلبت معها الفقر المدقع لقطاع واسع من الجزائريين. وتقدر إحصائيات رسمية عدد الجزائريين ممن هم دون خط الفقر الدولي بنحو 14 مليون جزائري، أي نصف عدد السكان. كما تفاقمت في هذه العشرية في أوساط الشباب الجزائري العزوبية والعنوسة وتأخر سن الزواج.. وهي الظواهر التي تطال أكثر من 30% من شباب الجزائر. ويعاني الجزائريون - وخاصة سكان المدن الكبرى - من أزمة سَكن مستفحلة، إلى الحد الذي يتناوب فيه أبناء العائلة على النوم في المنزل: الإناث ليلاً والذكور نهارًا.

وتقول تقديرات غير رسمية أن أكثر من مليون ومائتي ألف تلميذ لم يلتحقوا بالدراسة في العام الدراسي 2000 - 2001، بسبب عجز آبائهم عن توفير الضروريات لهم من مأكل وملبس وأدوات مدرسية.. وتتحدث صحف جزائرية عديدة - رسمية ومستقلة - باستمرار عن اكتشاف أمراض عديدة في المدارس، تعرف بأمراض الفقر، مثل الجرب وسوء التغذية. وتتناول هذه الصحف باستمرار ظواهر الانتحار، وهي ظواهر غريبة عن المجتمع الجزائري، ومعظم ضحاياها من الشباب العاطلين عن العمل، العاجزين عن تأسيس أسر وبداية حياة طبيعية.

وليس غريبًا على هذه الفئة العمرية من الجزائريين - التي تضربها أكثر من غيرها البطالة، ويُقْدِم بعض أفرادها على الانتحار، أو الالتحاق بالجبال - أن تكون وقود التظاهرات المعارضة للدولة، التي اشتعلت في منطقة القبائل.

استهداف رموز الدولة

ومما لوحظ بقوة في الأحداث، استهداف رموز الدولة ومؤسساتها بالحرق والتدمير، من مراكز للشرطة وبلديات وبنوك، ومصالح ضرائب، وحتى مراكز البريد، وكل ما له صلة قريبة أو بعيدة بالدولة ورموزها. وكان لافتًا للنظر مطالبة الشبان المتظاهرين بطرد الشرطة والدرك الوطني والجيش من المنطقة. ونقل عن متظاهرين سعيهم إلى "تحرير" المنطقة من كل وجود للدولة وموظفيها.

وتعكس هذه الحدة في التعامل مع الدولة، ومع كل ما يرمز إليها، روح معارضة جذرية، ترى في الدولة سببًا لكل البلايا والمشكلات، التي يتخبط فيها عامة الجزائريين، بمن فيهم أبناء القبائل.

ومما تجدر ملاحظته في هذه الأحداث تراجع الشعارات المطالبة بترقية اللغة الأمازيغية، واعتبارها لغة وطنية، أو المطالبة باستقلال مناطق البربر، وظهور شعارات أخرى بديلة تذكر ببداية عقد التسعينيات، هي الشعارات الشهيرة للجبهة الإسلامية للإنقاذ، من مثل: "عليها نحيا، وعليها نموت" (المقصود شهادة الإسلام)، أو شعار "الجيش والشعب معك يا حطاب"، (والمقصود هنا حسّان حطاب أمير الجماعة السلفية للدعوة والجهاد، التي تحارب السلطة).

وهذه الشعارات، التي رددها المتظاهرون الغاضبون، لا تعني أن سكان مناطق القبائل تحولوا جميعًا بين عشية وضحاها إلى محازبين للجبهة الإسلامية للإنقاذ، أو أتباعًا لأمير الجماعة السلفية للدعوة والجهاد "حسان حطاب"، وإنما تعني أن أبناء القبائل اختاروا رفع أكثر الشعارات إغاظة للدولة ومؤسساتها الرسمية، وخاصة المؤسسة العسكرية، التي يقاتلها حطاب دون سواها، بخلاف الجماعة الإسلامية المسلحة، التي تستهدف المدنيين والعسكريين، كما اختاروا رفع شعارات الجبهة الإسلامية للإنقاذ، التي قام النظام السياسي الجزائري في العشرية الماضية كلها على محاربتها والسعي لمحوها من الوجود.

وهكذا اختار متظاهرو البربر رفع شعارات إسلامية، وأعلنوا تأييدهم لأحد أشد أمراء الجماعات المسلحة معارضة للدولة وأشدهم شراسة في استهداف رجالها، وهو ما لم يكن يرغب فيه معظم ناشطي البربر، الذين يقيم كثير منهم تحالفًا موضوعيًّا مع السلطة ضد جبهة الإنقاذ وضد الهوية العربية والإسلامية للبلاد، وضد الجماعات المسلحة.. وجاء اختيار المتظاهرين لتلك الشعارات، لإعلان التقائهم مع أكثر الأطراف تضررًا من سياسة الدولة ومؤسساتها السياسية والعسكرية، بغض النظر عن اتفاقهم معه أو مخالفتهم له في الرؤية الفكرية والسياسية. وهو ما يعني جذرية أشد في معارضة السلطة.

هل الأحداث بريئة وعفوية؟

تتباين الآراء التي تبحث في تحديد أسباب اندلاع الأحداث، بين من يرى أنها أحداثًا عفوية، جاءت ردًّا على قتل شاب بربري دون مبرر يذكر. وأن الحادث كان مناسبة لتفجر غضب مكبوت منذ سنين في مواجهة تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والسياسية. وبين من يرى أن الأحداث غير بريئة ولا عفوية، وأنها أحداث مخطط لها جيدًا، وتأتي في إطار صراع أقطاب السلطة، وخاصة الصراع المعروف بين الرئيس "عبد العزيز بوتفليقة"، وقائد المخابرات العسكرية الجزائرية الجنرال "محمد مدين"، المعروف باسم الجنرال "توفيق".

ومما لا شك فيه أن الوقت لا يزال مبكرًا لمعرفة الخلفيات الحقيقية للأحداث، ودور الجهات الاستخبارية في تغذيتها، ومدى استفادة مختلف أطراف الحكم، أو تضررهم منها. ولكن لا يمكن البت بتأكيد التخطيط "التآمري"، كما لا يمكن البت باستبعاده أيضًا؛ إذ عرفت الجزائر أحداثًا سابقة لعب مثل هذا التخطيط دورًا في اندلاعها، مثل انتفاضة 5 تشرين أول (أكتوبر) 1988، وأحداث صيف عام 1998.

وما يمكن تسجيله هنا في هذا الوقت أن الصراع بين عدد من أقطاب الحكم قد بلغ أوجه، واتخذ أبعادًا متعددة؛ إذ تؤكد مصادر قريبة من الرئيس بوتفليقة أنه لمّح في أكثر من مرة إلى أن إضراب العديد من النقابات، وخاصة نقابة عمال استخراج النفط، يقف وراءها الجنرال توفيق، فقد لمّح بوتفليقة في خطاب له إلى مسؤولية "من يشرب السيجار ويضع رِجلاً على رجل في القصور"، في إشارة فُهِم أنها موجهة ضد الجنرال توفيق.. أما ما تكتبه الصحف من انتقادات حادة للرئيس بوتفليقة، أو ما تقوله الأحزاب عنه، بما فيها تلك، التي تشارك في الحكومة التي يقودها الرئيس، فمعظم الجزائريين يرجعونها إلى تدخلات الجنرال القوي محمد مدين وتوجيهاته.

ولا تقف المخابرات العسكرية عند هذا الحد في تحريك خيوط المشهد السياسي الجزائري؛ إذ اتهم "حسين آيت أحمد" زعيم جبهة القوى الاشتراكية (حزب بربري) المخابرات الجزائرية باغتيال المطرب القبائلي المعروف "معطوب الوناس" في صيف عام 1998، والادعاء أن الجماعات الإسلامية المسلحة تقف وراء اغتياله.

وقال متابعون للشأن الجزائري: إن اغتيال الوناس، الذي أشعل غضب القبائل، تم التخطيط له من قبل الأجهزة الاستخبارية الجزائرية، من أجل إعاقة الرئيس الجزائري السابق "الأمين زروال" عن تنفيذ قانون التعريب، الذي كان مقررًا أن يبدأ العمل به في شهر تموز (يوليو) من عام 1998.

أما الأحداث الأخيرة فلا يستبعد الشيخ "عبد الله جاب الله" رئيس حركة الإصلاح الوطني الجزائرية أن تستغل لتمرير مشروع إصلاح التعليم، الذي عجزت الحكومة عن تمريره، بعد انفجار الجدل بشأنه، ووقوف قطاع واسع من النخبة الجزائرية من التيار العروبي والإسلامي ضد إقراره.

ويخشى جاب الله من أن تستغل الأحداث لتمرير مطالب جماعات البربر الفرنكفونية، التي تسعى لفرنسة التعليم الجزائري، والانتقاص من دور اللغة العربية والتربية الإسلامية فيه لصالح اللغة والثقافة الفرنسيتين. وهو ما دفع البعض إلى القول: إن الأحداث قد تكون مخططة لخدمة أهداف الجماعات الفرنكفونية والبربرية النافذة في المؤسسات الحساسة في الدولة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية.

لكن محللين يستبعدون أن تكون الأحداث مدبرة، وإن كانوا لا يستبعدون في المقابل تعمُّد العديد من الجهات النافذة لتوظيفها لاحقًا لخدمة مصالحها وأهدافها. ويرى هؤلاء المحللون أن حالة الغليان الصامتة التي تسيطر على الشارع الجزائري، بما فيه منطقة القبائل، كافية وحدها لتفجير مثل هذه الأحداث، دون الحاجة إلى تدخل جهات أمنية أو استخبارية لتحريك الشارع.

وهم يرون أنه حتى لو كانت هناك جهات عمدت إلى إعطاء إشارة الانطلاق للأحداث أو دفعت إليها، فإن هذه الأحداث، شأنها شأن انتفاضة تشرين أول (أكتوبر) 1988، قد خرجت عن الطوق وتجاوزت الحدود التي قد تكون رسمت لها، إذا سلمنا بنظرية التخطيط التآمري لانطلاقتها.

فاستهداف رموز الدولة، وانتشار الأحداث على مساحة كل بلاد القبائل، وانتقال العدوى إلى الجامعات في العديد من المدن الأخرى، وعلى رأسها الجزائر العاصمة، يعني أن مثل هذه التحركات صارت تمثل خطرًا على النظام الجزائري بأسره، بسياسييه وعسكرييه، وهو ما يعني أنه إذا كان هناك تخطيط مسبق للأحداث فإنها خرجت على السيطرة، وصارت تهدد مستقبل المخططين لها.

تراجع السلاح فتحرك الشارع

ويرى عدد من المحللين أن كثيرًا من الجزائريين عوّلوا في مطلع التسعينيات على العمل المسلح، من أجل تغيير النظام، ومن ثَم تحسين الأوضاع الجزائرية، ولكن النظام نجح في التغلب على المعارضة المسلحة، كما نجح في تحريف ما سُمِّي بـ"الجهاد" عن أهدافه، وجعل منه عملاً عبثيًّا لا طائل من ورائه، وجاء قانون الوئام المدني ليدفع بالعديد من أعضاء الجماعات المسلحة إلى تسليم أنفسهم وأسلحتهم لسلطة الدولة، وهو ما أسقط نهائيًّا فكرة التعويل على السلاح كسبيل للتغيير.

ومع تزايد تقلص العمل المسلح، ويأس الناس منه، واستشراء الفقر والبطالة والفساد، أخذ الشارع الجزائري يعول على نفسه.. وبدأت النقابات تشن سلسلة كبيرة من الإضرابات العمالية.. وأخذ الكثير من الخبراء والمحللين، بمن فيهم من خبراء ومحللين تابعين للسلطة الجزائرية، يحذرون من مخاطر انفجار الشارع، بسبب تزايد الفقر وعجز القدرة الشرائية للمواطنين.

ويخشى بعض المحللين أن تكون انتفاضة البربر وبلاد القبائل "بروفة" لانفجار أوسع على شاكلة انتفاضة عام 1988. ويرى هؤلاء المحللون أن اجتماع الفقر والبطالة وتراجع المقدرة الشرائية مع الانسداد السياسي والصراعات الداخلية في صلب النظام، يمكن أن تكون مجتمعة مكونات لـ"كوكتيل مولوتوف" اجتماعي وسياسي، يمكن أن ينفجر في أية لحظة. وهم يقولون: إنه كلما صمتت بندقية علا صوت بالاحتجاج والمطالبة بالتغيير.

 

اقرأ أيضاً:

شارك في ساحة الحوارحول:


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع