بلغت
المطالبة بخروج القوات السورية من
لبنان أوجها في الأسابيع الأخيرة بعد
عودة البطريرك الماروني "مار نصر
الله بطرس صفير" من رحلته إلى
الولايات المتحدة الأمريكية في منتصف
شهر مارس (آذار) 2001؛ فقد احتشد عشرات
الألوف للقاء البطريرك تأييدًا
لمواقفه التي يؤكد من خلالها ضرورة
انسحاب القوات السورية من لبنان؛
تنفيذًا لاتفاق الطائف، وتأكيدًا
لسيادة لبنان واستقلاله.
وقد
سارعت الأوساط الإعلامية والسياسية
المؤيدة لدعوات البطريرك الماروني
إلى إبراز ضخامة الحشد الذي استقبله
لتبيان الالتفاف الشعبي الواسع حول
مطلب إخراج القوات السورية من لبنان،
واعتباره مطلب الأكثرية اللبنانية.
الوجود
السوري.. استقطاب في المواقف
اللبنانية
ويحظى
هذا المطلب، في واقع الأمر، بتأييد
كثير من الرموز السياسية والحزبية
والدينية المسيحية، لكنه في المقابل
لا يحظى بتأييد مماثل في الأوساط
الإسلامية: السياسية والدينية
والنيابية والحزبية. كما عبرت هذه
الأوساط عن ذلك في أكثر من مناسبة
ولقاء. وقد بلغ هذا الاعتراض على
سياسة البطريرك "صفير"، وعلى
المواقف المسيحية المؤيدة له حدًّا
دفع حزب الله نفسه إلى إعلان موقف
صريح وجازم من الوجود السوري،
معتبرًا أنه "ضرورة قومية وحاجة
داخلية" كما جاء على لسان أمينه
العام السيد "حسن نصر الله" في
الخطاب الذي ألقاه في ذكرى عاشوراء في
4 إبريل (نيسان) 2001. وذلك على الرغم من
حرص هذا الحزب الشديد على عدم الدخول
إلى هذه الدرجة من "التورط" في
السجالات الداخلية بين اللبنانيين،
أو بين الطوائف اللبنانية. كما تصاعدت
في الأيام التي أعقبت موقف حزب الله،
الدعوات من أوساط إسلامية وسياسية
مختلفة، إلى تأييد الوجود السوري في
لبنان، بالتزامن مع هجوم شديد اللهجة
ضد "القوات اللبنانية"، وضد "عملاء
شارون"، وضد قوى يسارية، وتنظيمات
مختلفة أرادت التظاهر تأييدًا للحرية
والسيادة.
وقد
دفعت هذه الأجواء من التصريحات
والبيانات - التي وزعت في الشوارع
وأمام المساجد - البلاد إلى حالة من
الانقسام الأهلي والطائفي لم يسبق
لها مثيل منذ توقف الحرب الأهلية في
مطلع التسعينيات. إلاّ أن أحدًا لا
يرغب في تحويل هذا "التشنج"
السياسي إلى صدام جديد بين
اللبنانيين. كما أن الظروف الداخلية
والإقليمية لن تسمح في هذه المرحلة
بحصول مثل هذا الصدام؛ ولهذا السبب
بدأت تخمد حدة التصعيد السياسي،
وتتراجع لغة التهديد بالتظاهر
والتظاهر المضاد؛ لتنتقل معها البلاد
تدريجيًّا إلى تنفيس هذا الاحتقان،
وإلى تبريد التوتر من خلال اللقاءات
المختلفة وجلسات الحوار التي يفترض
أن تضم رموزًا من المعارضة إلى
المسؤولين الحكوميين، وشخصيات
فاعلة، لتقوم بتقريب وجهات النظر بين
المواقع الدينية والمواقع السياسية..
العلاقة
بين الوجود السوري والانسحاب
الإسرائيلي
لماذا
تصاعدت الحملة على الوجود السوري في
لبنان، بعد تحرير الجنوب والانسحاب
الإسرائيلي مباشرة؟ هذا هو السؤال
الذي يطرح نفسه في الأوساط المختلفة،
إضافة إلى أسئلة أخرى من قبيل: ما
حقيقة هذه الحملة؟ وإلى أين يمكن أن
تؤدي في حال استمرارها؟ وهل لها نصيب
من النجاح في هذه المرحلة لبنانيًّا
وعربيًّا ودوليًّا؟ وما انعكاسها على
التماسك اللبناني الداخلي بعدما
اتسعت شقة الانقسام بين اللبنانيين
حول هذا الموضوع بين معارض لوجود
القوات السورية، وبين متشبث ببقائها
وبدورها..؟
بدأت
الدعوة إلى خروج القوات السورية من
لبنان، على قاعدة تطبيق اتفاق الطائف
الذي يدعو إلى ذلك بعد الانسحاب
الإسرائيلي من جنوب لبنان.. إلاّ أن
هذه الدعوة جاءت في الوقت نفسه في
إطار سياق بدأ مع مجموعة أخرى من
المطالب "المسيحية"، أبرزها:
-
عدم محاكمة الذين تعاملوا مع قوات
الاحتلال الإسرائيلي في "جيش لبنان
الجنوبي"، والذين فروا إلى داخل
الكيان الإسرائيلي بعد تحرير الجنوب؛
وقد تم التركيز على قضية هؤلاء
العملاء تارة من وجهة سياسية، وتارة
من وجهة إنسانية، ووصلت إلى حد
اعتبارها موازية لقضية التحرير.
-
إطلاق سراح المعتقلين اللبنانيين في
السجون السورية، وقد تم الأمر الأخير
فعلاً..
-
إطلاق سراح "سمير حعجع"، قائد
القوات اللبنانية المنحلة، والمعتقل
بأكثر من تهمة أمنية موجهة إليه.
-
عودة "المنفيين" من القيادات
المسيحية المارونية من الخارج: "ميشال
عون"، والرئيس السابق "أمين
الجميل"، وقد عاد هذا الأخير فعلاً.
وترافقت
هذه المطالب مع حملات تعبوية ضد سوريا
وضد الاتفاقيات الاقتصادية
والسياسية والتربوية التي عقدت معها،
واعتبرت أن هذه الاتفاقيات "مجحفة
بحق اللبنانيين"، فقامت التظاهرات
الطلابية في الأحياء المسيحية؛
استنكارًا لقبول طلاب سوريين في
الجامعات اللبنانية دون امتحان دخول،
كما نصت على ذلك اتفاقية تنظم هذا
الأمر بين البلدين..
وفي
الوقت الذي يتم فيه التركيز على
الجوانب السلبية للوجود السوري، تربط
"المرجعيات المسيحية" بين إعادة
تنظيم العلاقات اللبنانية - السورية،
وبين الدعوة إلى "أفضل العلاقات مع
سوريا". فلا ينفي هؤلاء استعدادهم
لمثل هذه العلاقات "إذا اقترنت
بالمحافظة على السيادة والاستقلال"..
الموقف
السوري
إن
ما يزعج سوريا من هذه الحملة على
وجودها في لبنان - التي باتت مادة
وحيدة للخطاب السياسي والإعلامي
للمرجعية المارونية والقوى التي تلتف
حولها - أنها تتزامن مع ضغوط
إسرائيلية وأمريكية على سوريا وعلى
الحكم في لبنان من أجل نشر الجيش
اللبناني على الحدود الجنوبية (اللبنانية
- الفلسطينية)؛ بما يعني عمليًّا منع
عمليات المقاومة، إن لم يكن نزع
سلاحها، وتحويل الجنوب اللبناني
بالتالي إلى جبهة هادئة ومستقرة
يحتاج إليها الطرف الإسرائيلي،
خصوصًا في ظل المواجهة التي يخوضها
حاليًا مع الانتفاضة الفلسطينية، وما
تسببه له من إرباك أمني وسياسي.
كما
تربط هذه الضغوط الدولية بين "جبهة
جنوبية هادئة" والمساعدات
الاقتصادية والقروض المفترضة للبنان.
أما
الأمر الثاني الذي يزعج سوريا
ويقلقها من هذه الحملة؛ فهو حصولها في
ظل تعقيد عملية التسوية، وفي ظل
الصراع الذي تخوضه سوريا على أكثر من
جبهة ميدانيًّا وسياسيًّا
ودبلوماسيًّا، لبنانيًّا وعربيًّا
ودوليًّا وفلسطينيًّا.
كما
ترى سوريا في هذه الحملة جحودًا
أخلاقيًّا وسياسيًّا؛ فهي التي وقفت
إلى جانب المقاومة ولبنان طيلة
العقدين الماضيين في وجه الاعتداءات
الإسرائيلية، وتعرضت بسبب ذلك إلى
اتهامات بالإرهاب من الولايات
المتحدة الأمريكية وإلى ضغوط
اقتصادية قوية. كما أن هذه القوى التي
تطالب بخروج القوات السورية، وتتحدث
عن السيادة والاستقلال، لم تتخذ
الموقف نفسه من الاحتلال الإسرائيلي
في السنوات الفائتة، بل دافعت بقوة عن
العملاء الذين خدموا في "جيش لبنان
الجنوبي" وطالبت بالإفراج عنهم، في
الوقت الذي تتحدث فيه "بأسف" عن
المواجهات في فلسطين المحتلة، وعن
قتلى فلسطينيين "يسقطون"..
وربما
أمكن القول أيضًا: إن هذه الدعوات،
بما تمثله من ضغوط سياسية على سوريا،
لا تنفصل في واقع الأمر على تقدير
أصحابها، بأن الوقت ملائم، أكثر من أي
وقت مضى، للمطالبة بهذا الخروج في ظل
القيادة السورية الجديدة للرئيس
السوري "بشار الأسد"، واعتقادها
أن انشغال هذه القيادة بترتيب البيت
الداخلي سيجعلها أكثر استجابة لهذا
النوع من الضغوط.
موقف
الحكومة اللبنانية
في
مقابل ذلك كله، وخلافًا لهذا المناخ
المتشنج من سوريا، تؤكد الحكومة
اللبنانية أن أي بحث لهذه العلاقة، هو
شأن المؤسسات الدستورية؛ كما تؤكد
أنها ليست بصدد بحث هذه العلاقة في
الوقت الراهن.
خلاصة
وتقويم
وما
ينبغي الإشارة إليه في النهاية هو:
ذلك التزامن بين استمرار هذه الضغوط
على سوريا، وعودة "إريل شارون"
إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية،
واستمرار الانتفاضة.. إلا أن ما يمكن
قوله أيضًا: إن مثل هذه الضغوط لن تغير
- على الأرجح - من واقع الأمر شيئًا،
خصوصًا أن الانشغال العربي بعملية
التسوية ومخاطر الانفجار في المنطقة
أهم بكثير من الالتفات إلى موضوع
المطالبة بخروج الجيش السوري من
لبنان. ناهيك من العلاقات الجيدة في
هذه المرحلة بين سوريا وكل الدول
العربية، بما فيها العراق، وفي
مقدمها مصر والمملكة العربية
السعودية. كما أن الدول الأوروبية
نفسها - وعلى رأسها فرنسا - دعت علنًا
إلى طيّ ملف خروج سوريا من لبنان..
وحتى الولايات المتحدة الأمريكية، لا
ترغب فعليًّا في مثل ذلك، وإن كانت
توظّف مثل هذه الدعوات لممارسة
الضغوط على سوريا؛ للحصول منها على
مواقف وسياسات معينة؛ سواء كانت تجاه
عملية التسوية، أو تجاه الوضع في جنوب
لبنان، أو الانتفاضة في فلسطين، أو
الوضع في العراق.
أخيرًا،
يبدو أن التصعيد الذي مارسته قوى
إسلامية وسياسية مؤيدة لسوريا ضد
الداعين إلى إخراجها من لبنان، شكّل
صدمة سياسية مضادة، ومخاوف من
مواجهات طائفية قد تجرّ البلاد إلى ما
لا يُحمد عُقباه.. إلاّ أن التأمل
مليًّا فيما جرى يكشف أن هذا التصعيد
المضاد لم يكن سوى دعوة لتجنب العنف
وخفض التوتر من خلال سياسة "حافة
الهاوية"، وهذا يعني أن الأمور
ستعود مجددًا إلى الأطر المرجعية
الدينية والسياسية، ولن تبقى في
الشارع، وليس من الضروري أن تحقق هذه
الدعوات ما تصبو إليه في هذه المرحلة.
اقرأ
أيضاً:
|