|
على
رغم من أن مفاجآت اللحظة الأخيرة في
الانتخابات الإسرائيلية تظل حاضرة في
الوعي السياسي؛ فإن الفارق الكبير
بين (شارون) و(باراك) في استطلاعات
الرأي والذي لم ينخفض عن (20) نقطة حتى
قبل 48 ساعة من بدء التصويت قد جعل سؤال
من الفائز هامشياً، حتى وصل الأمر
بإحدى الناخبات الإسرائيليات إلى
القول: "إن باراك سيخسر حتى لو
نافسته عصا مكنسة"!.
وأحد
المؤيدين لباراك (الكاتب كوبي نيف)،
كتب في صحيفة (معاريف) يقول: "ليس من
المهم في هذه الانتخابات من يفوز، بل
الفارق الذي قاده إلى الفوز، ذلك أنه
حتى لو كان شارون هو الفائز، فإن من
الأفضل أن يفوز بفارق 7 في المائة،
وليس 17 في المئة.. هكذا يكون له شرعية
أقل في نسف سد أسوان"!!
هذا
الكلام يوجهه الكاتب إلى
الإسرائيليين الذين قرروا عدم
التصويت لباراك أو وضع ورقة بيضاء،
ليس حباً بفوز شارون، وإنما نكاية
برئيس الوزراء المستقيل الذي نكث
بوعوده للناخبين. ومن المؤكد أن
الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام
1948 هم الفئة الكبرى من هذا اللون؛
ولذلك فإن دعوات التصويت لباراك
تنهال عليهم من كل حدب وصوب، وبالذات
من طرف السلطة الفلسطينية، وبعض
الكتاب التابعين لحزب العمل أو
المتحمسين لباراك من اليسار
الإسرائيلي. وغالباً ما يلوّح هؤلاء
للناخبين الفلسطينيين بما يسمونه
ائتلاف شارون المكون من هذا الأخير (بطل
مجزرة تل الزعتر)، وزميله (غاندي)،
صاحب نظرية الترانسفير، والثالث (ليبرمان)،
صاحب دعوة قصف طهران والسد العالي.
هذه
الدعوة الإسرائيلية للتصويت لباراك
وتجاوز "السلبية" و"عقدة"
الموقف منه ومن طروحاته السيئة "في
بعض جوانبها"، تبنتها على ما يبدو
السلطة الفلسطينية، والأهم أن الوضع
العربي قد تبناها أيضاً، وما من شك أن
حوار الرئيس المصري مع القناة
الثانية في التلفزيون الإسرائيلي كان
موجهاً بشكل مباشر إلى الناخب
الإسرائيلي، لا سيما تركيزه على
موضوع الحرب الذي يثير أعصاب
الناخبين الإسرائيليين الذين أكلتهم
رياح العولمة وأرعبتهم المقاومة في
لبنان وغزة والضفة.
الوضع
العربي أيضاً لم يعد مؤمناً بإمكانية
فوز (باراك) وإن لم يتجاهل الاحتمال
تماماً، إلا أنه يركز على تحقيق فوز
محدود لشارون وهزيمة معقولة لخصمه (باراك).
ولكن لماذا التركيز على هذا
الاحتمال؟
هزيمة
"مشرفة" لباراك.. لماذا؟
يرى
عدد من المراقبين أن (باراك) في حال
خسارته بفارق كبير من الأصوات سيلجأ
إلى اعتزال الحلبة السياسية، وحتى لو
بقي قائداً لحزب العمل. فالأغلب أنه
لن يوافق على عرض شارون بتشكيل حكومة
وحدة وطنية. أما في حال خسارته بفارق
ضئيل من الأصوات، فإن بإمكانه حينئذ
أن يوافق على العرض المذكور للظهور
بمظهر الرجل الحريص على الوحدة
الوطنية، والحريص على تجنيب البلاد
أية مخاطر يمكن أن تجرها عليها مغامرة
أو أكثر من مغامرات شارون.
الوضع
العربي يرى أن حكومة وحدة وطنية ستكون
أكثر اعتدالاً من حكومة طاعنة في
اليمين بقيادة شارون وعضوية أكثر
الأحزاب الدينية تطرفاً، لا سيما وأن
"البلدوزر" (شارون) لم يعد هو
ذاته الرجل القديم المغامر من جهة.
كما أنه يدرك تماماً حقيقة الميدان
الذي يتحرك فيه داخل المعارضة
الإسرائيلية، وبالذات فيما يتصل
بالوضع داخل الكنيست.
معادلة
الكنيست وتعقيداته
من
المؤكد أن (بنيامين نتنياهو) كان
واعياً لما يفعل عندما اشترط لترشيحه
في الانتخابات في مواجهة (باراك) أن
يحل الكنيست نفسه لتُجرى انتخابات
جديدة لأعضائه إلى جانب انتخاب رئيس
الوزراء، ذلك أن المعادلة القائمة
حالياً في البرلمان الإسرائيلي لا
يمكن أن تسمح له بحرية التحرك في
اللعبة السياسية، لا سيما فيما يتصل
بمسار التسوية. ولا شك أن نتنياهو كان
يعوّل على تغيرات ما داخل الكنيست
تمنح الليكود وضعاً أفضل إلى جانب
شركائه في اليمين، مستفيداً من الفشل
السياسي لحزب العمل. أما وأن هذا
المسار لم ينجح وبقيت المعادلة على
حالها، فإن على شارون أن يتعامل معها.
من
المؤكد أن حكومة (شارون) الجديدة ستجد
نفسها في مهب الريح إذا لم تفلح في
إقناع "العمل" بتشكيل حكومة وحدة
وطنية، ذلك أن الأغلبية التي سيتمتع
بها في الكنيست ستكون ضئيلة إلى حد
كبير؛ إذ إن الأحزاب المشاركة في
الائتلاف ستكون كما يلي (الليكود وله
19 مقعداً، شاس وله 17 مقعداً، المفدال
وله 5 مقاعد، الاتحاد الوطني وله 3
مقاعد، إسرائيل بعاليا (المهاجرون
الروس) وله 4 مقاعد، إسرائيل بيتنا (روسي
أيضاً ويقوده ليبرمان) وله 4 مقاعد،
يهودات هتوراه وله 5 مقاعد، حيروت وله
مقعد واحد). وفي المجموع سيحصل شارون
على 58 مقعداً من أصل (120) مقعداً، وقد
ينضم إليه عدد من النواب المنشقين عن
أحزابهم ومن حزب الوسط مثل إسحق
مردخاي، روني ميلو، دان مريدور، أو من
حزب جيشر مثل ديفيد ليفي، مكسيم ليفي،
وذلك حسب العرض المقدم لكل منهم في
الحكومة.
يتضح
من هذا الوضع أن حكومة شارون ستبقى
على كف عفريت ما لم تتحالف مع العمل
وتشكل حكومة وحدة وطنية، وهو السبب
الذي دفع شارون إلى تقديم عروض سخية
حتى الآن لباراك من أجل حكومة الوحدة؛
حيث عرض عليه عددا من الحقائب المهمة
وعلى رأسها حقيبة الدفاع والمالية،
مما يكشف حجم القلق الذي ينتابه من
مسار تشكيل حكومة من ائتلاف اليمين.
برنامج
شارون
ولكن
على أية أسس يمكن أن يلتقي شارون مع (باراك)
في حكومة الوحدة؟ هذا السؤال طرحته (يديعوت
أحرونوت) على "البلدوزر"، فأجاب:
"سيكون لمثل هذه الحكومة خطط متفق
عليها: إعادة الأمن لمواطني إسرائيل،
السعي والتوصل إلى سلام، رفع الراية
الاجتماعية، رفع الراية الصهيونية،
رفع الراية القيمية، وراية
الإنجازات، وراية التعليم، والراية
الأخيرة راية الوحدة الاجتماعية.
موضوع الأمن مهم، ولكن في نظري القيم والصهيونية هي بالدرجة الأولى".
هذه
هي عناوين الحكومة العامة، بيد أن
الإشكالية تكمن في الخلاف المتوقع
حول مسار التسوية، فما الذي يطرحه
شارون على هذا الصعيد، بعدما بات
برنامج (باراك) معروفاً من خلال وثيقة
كلينتون التي صاغها هو وجماعته
عملياً؟ حسب صحيفة (هآرتس)
الإسرائيلية، فإن برنامج شارون يتألف
من الخطوط العريضة التالية:
-
السعي إلى اتفاق مرحلي طويل الأمد مع
الفلسطينيين يتم تنفيذه على مراحل.
-
تقام الدولة الفلسطينية على الأراضي
التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية
حالياً (42 في المئة من أراض الضفة).
-
عدم الانسحاب من أراض فلسطينية أخرى.
-
تسيطر إسرائيل على المناطق الأمنية
في غور الأردن وعلى طول الخط الأخضر.
-
عدم إخلاء أي مستوطنة وعدم إقامة أي
مستوطنة جديدة.
-
محاربة الإرهاب "موضعياً"
والامتناع عن العقاب الجماعي أو
الحصار.
-
إقامة تجمعات سكنية، مستوطنات جديدة (بلدات)
في رمال خلوصة (في النقب) التي نصت
مقترحات كلينتون على نقلها إلى
الفلسطينيين.
-
عدم استئناف المفاوضات على المسار
السوري قريباً.
شارون
يدرك خطورة الحرب
والسؤال
الذي يطرح نفسه في ضوء ما تقدم يتصل
بخيارات شارون على صعيد التعامل مع
الوضع الفلسطيني والعربي، وما إذا
كانت التوقعات العربية والفلسطينية
منه محقة أم لا.
بداية
لا بد من الإشارة إلى أن التهم التي
كالها (باراك) لشارون لا يمكن تصديقها
عملياً لا سيما الشعار القائل (باراك
أو الحرب)، ذلك أن من الصعب على
المراقب أن يتوقع من شارون أن يشن
حرباً على الدول العربية أو يبادر إلى
إعادة احتلال المناطق الفلسطينية، أو
حتى يجمد عملية التسوية بصورة شاملة،
وذلك لأكثر من سبب:
-
أن شارون يدرك التحولات التي تصيب
المجتمع الإسرائيلي والجيش
الإسرائيلي بالضرورة. وهو حين يضع رفع
الراية الاجتماعية والصهيونية
والقيمية كعناوين أساسية لبرنامجه
القادم، فإن ذلك يعني بوضوح أنه يدرك
حقيقة الوضع الداخلي الذي يتحرك
خلاله؛ إذ لا يعقل أن شارون يجهل وضع
المجتمع الإسرائيلي الخائف من الحرب،
والجيش الإسرائيلي الذي يعيش حال من
الشيخوخة والترهل وتفشي المخدرات
وحالات الانتحار في صفوفه، إضافة إلى
تهّرب عناصره من الخدمة العسكرية،
ولعل ذلك هو السر الذي دفع شارون نفسه
إلى تأييد الانسحاب الإسرائيلي من
جنوب لبنان.
-
شارون يدرك أيضاً حقيقة المعادلة
التي يتحرك معها في الكنيست والتي
تجعل من أية خطوة خارجية عنيفة جسراً
قوياً للإطاحة به وبحكومته، فالوضع
داخل البرلمان الإسرائيلي لا يسمح
بمثل هذه المغامرات. وما من شك في أن
أعضاء البرلمان ومنهم شارون يدركون
أن الحرب أو اجتياح المناطق أو تجميد
التسوية ستحمل تداعيات خطيرة على
إسرائيل.
-
شارون والآخرون يدركون أيضاً أن
حكومة بوش لن تكون مثل حكومة كلينتون،
وحتى لو كانت، فإن سمعة "البلدوزر"
لدى صهاينة الولايات المتحدة والشارع
الأمريكي والدول الأوروبية لن تسمح
بتبعية أمريكية أو أوروبية له، بل إن
ضغوطاً من هذه الأطراف ربما كانت
متوقعة، ذلك أن للأطراف المذكورة
مصالحها في المنطقة، والتي لا تسمح لا
لشارون ولا لسواه بتهديدها بمغامرات
فجة.
-
ثم إن شارون وشركاءه وخصومه - في آن
واحد - يدركون أن خطوات ـ كالتي أشرنا
إليها ـ ستحمل مخاطر لا حصر لها على
الوضع الإسرائيلي؛ إذ إنها ستفجر
الوضع الفلسطيني الداخلي بقوة. وعلى
هذا الصعيد يقول الكاتب الإسرائيلي (إيتان
هابر) في (يديعوت أحرونوت): إن ما سيجري
بناء على ذلك هو أن الفلسطينيين "سينتابهم
الإحباط وسيفعلون ما يتقنون عمله:
الإرهاب. لقد تعلمنا على جلدنا وجلد
الآخرين أنه لا يوجد (تقريباً)
انتصارات على الإرهاب في أي مكان على
خارطة القرن العشرين. الإرهاب هو سلاح
الضعيف. وحين يستخدم ضد مجتمع مثل
مجتمعنا الذي اعتاد على الدلال ولا
يستطيع استيعاب الثكل والألم لفترة
طويلة، فإن الحكومة القادمة ستبحث عن
حلول تحت الفانوس، وليس في المكان
الذي ضاعت فيه"!
-
إضافة إلى ذلك، هناك تفجير الجبهة
اللبنانية والسورية وتدخل مصر
والعراق وإيران، وفي المحصلة إشعال
النار في المنطقة برمتها؛ لذلك كله
يحرص شارون على حكومة الوحدة، بوصفها
قارب الإنقاذ بالنسبة له؛ حيث
سيتجاوز عقدة المزايدة عليه إذا ما
اضطر للخضوع للضغوط الأمريكية
المتوقعة والمصالح الحقيقية للدولة
العبرية وإعادة عجلة التفاوض وفق
وثيقة كلينتون، أو بناء على ما تم
التفاهم عليه في (طابا). وهو المسار
الذي يوفر للدولة العبرية تسوية لم
يحلم بها حتى سادة الصهيونية الكبار.
-
إن تجميد التسوية أيضاً دون تداعيات
ليس مساراً مقبولاً، سواءً لجهة
احتمال تفجيره للوضع الفلسطيني، أم
لحجب المكاسب التي خطط لها القادة
الصهاينة من وراء التسوية لسنوات
طوال، وعلى رأسها اختراق الوضع
العربي والتمدد في الإقليم الشرق
أوسطي.
الخوف
من شارون وهم كبير
من
هنا، فإن خوف الوضع الفلسطيني
والعربي من (شارون) لم يكن مبرراً بأي
حال من الأحوال، ولو كانت العنتريات
ولغة القوة تجدي لأفلح فيها نتنياهو
قبل شارون، ولكنه اضطر للخضوع أمام
الواقع قياساً بوعوده الانتخابية، لا
سيما بعدما دب الخلاف بينه وبين
صهاينة الولايات المتحدة.
واقع
الأمر هو: "أن إمكانية الانتصار
على شارون المرتبك داخلياً والمعزول
خارجياً، وصاحب السمعة السيئة كمجرم
حرب، وبوجود مجتمع إسرائيلي خائف
وجيش مترهل، لهي أفضل بكثير من
التعامل مع رجل مثل (باراك) يحظى بدعم
خارجي قوي، فيما هو قادر على إخراج
"تنازلات" سخيفة بمظهر "التنازلات
المؤلمة".
هذا
الشق الأخير من الحديث ربما كان
موجهاً إلى قيادة سياسية فلسطينية
قوية ووضع عربي أكثر تماسكاً،
يمكنهما تبني خيار المقاومة، ولو
بهدف محدود، يتمثل في دحر الاحتلال عن
الأراضي المحتلة عام 1967؛ ولكن ذلك لا
يبدو متوفراً مع شديد الأسف.
اقرأ
أيضاً:
|