|
إذا
كان تجدّد صراع النفوذ أوروبيًّا،
وازدياد أسباب عدم الثقة بين الدول
الأوروبية نتيجة الخبرات التاريخية
الثقيلة الوطأة عليها - من شأنه أن
يفسّر جانبًا من أسباب التعامل
الأوروبي الشديد الاضطراب مع أحداث
البلقان - فإنّ كثيرًا من تلك الأحداث
قد عكست منظور الدعم الأمريكي
لروسيا، وبالتالي تعزيز الموقع
الأمريكي المهيمن لدى الأوروبيين
بالمقابل.
ويوجد
عدد من المعطيات الثابتة على هذا
الصعيد:
-
أوّلها أنّ علاقات موسكو بصربيا لم
تكن وحدها كافية لفتح ثغرة أمنية
تخترق بها السياسة الأوروبية
والأطلسية في البلقان..
-
ومنها أن روسيا نفسها كانت في غاية
الضعف والانهيار داخليًّا عندما
اندلعت حرب البلقان، ولم يكن عسيرًا
التدخل أطلسيًّا أو دوليًّا دون توقع
رد فعل روسي شديد..
-
ومنها أن قضية البلقان بقيت فترة لا
بأس بها خارج نطاق التأثير الروسي،
فكان التعامل مع أحداثها يجري على
أرضية السياسة الأوروبية في مؤتمر
لاهاي ثم لندن..
-
ومنها أنّ أوروبا نفسها كانت – رغم
نزاعاتها على النفوذ في البلقان –
كانت راغبة في وضع حدّ للحرب القريبة
من عواصمها..
أمريكا
فتحت ثغرة لروسيا
وقد
طُرحت في حينه أسئلة عديدة عن أسباب
التأخر زمنًا طويلاً عن اتخاذ قرار
التدخل العسكري غربيًّا أو دوليًّا،
رغم وجود دواعيه والقدرة عليه،
بأضعاف ما كان في حرب الخليج الثانية.
وكان المانع الرئيسي طوال الأعوام
الثلاثة الأولى للحرب هو رفض واشنطن
للتدخل أو امتناعها عن الموافقة عليه
أطلسيًّا. ورغم أنّ السياسة
الأمريكية في تلك الفترة كانت تتجه
إلى تطوير حلف شمال الأطلسي ليكون
أداة أمنية -عسكرية خارج نطاق الأمم
المتحدة، فقد كانت واشنطن من وراء
العمل على نقل قضية البلقان من ساحتها
الأوروبية إلى ساحة الأمم المتحدة،
حيث كان من المنتظر تلقائيًّا أن يصبح
لموسـكو دور مباشر في صناعة قرار
الحرب والسلام فيها.. وهو ما يمكن وصفه
بالثغرة الرئيسية لعودة موسكو إلى
المشاركة في رسم معالم الخارطة
الأمنية في أوروبا، وما ساهم
بالمقابل في عودة التمسك الأوروبي
بحلف شمال الأطلسي والموافقة على
إعادة صياغة مهامه الأمنية وفق رغبات
قيادته الأمريكية.
أمريكا
توقع بين الدول الأوروبية
وعلاوة
على تعزيز موقع موسكو أوروبيًّا،
ساهمت السياسة الأمريكية في تعزيز
مخاوف الدول الأوروبية الغربية بعضها
من بعض، وهو ما يمكن التدليل عليه عبر
مثالَين يشيران إلى مواقف يصعب
تفسيرها على نحو آخر، منها:
التأييد
الأمريكي السريع واللافت للنظر في
أواخر عهد "جورج بوش" للوحدة
الألمانية دون التشاور التقليدي في
مثل هـذه القضايا مع لندن وباريس،
ورغم علنية الاعتراضات والمخاوف
البريطانية والفرنسية آنذاك. ثم
اتخاذ الرئيس الأمريكي كلينتون – في
مطلع عهده ومع ازدياد التساؤلات
الأوروبية - عن مستقبل دور ألمانيا
الموحّدة، موقفًا استعراضيًّا يصف
فيه ألمانيا بالحليف الأول في
أوروبا، مثيرًا بذلك حفيظة الحليف
البريطاني ومضاعفًا من اعتراضاته كما
تشهد مذكرات "مارجريت تاتشر" إلى
حدّ كبير .
وفي
أثناء تبني ألمانيا دعوة التوسع
الأطلسي والأوروبي شرقًا – وهو ما
عارضته أمريكا - كان من الحجج
الأمريكية التي وردت في لقاء قمة
فرنسي - أمريكي الإشارة إلى تعاظم
الدور الألماني في أوروبا نتيجة
للموقع الجغرافي المتوسط، مما يمكن
أن يكون على حساب فرنسا سياسيًّا
وأمنيًّا. ومقابل ذلك كانت السياسة
الأمريكية ترتكز على التعاون مع
ألمانيا في منطقة البلقان كما في
ألبانيا، وفي دفعها إلى إقناع فرنسا
بالتخلّي عن مواقفها "السلبية"
من حلف شمال الأطلسي. مع الإشارة
لألمانيا إلى أن التميّز الأوروبي
سيعزز المكانة القيادية لصالح فرنسا؛
بينما تعتبر ألمانيا الآن في موضوع
الزعامة الأوروبية، اعتمادًا على
الطاقة الاقتصادية والمالية وليس
العسكرية.
شعرة
كوسوفا "تقصم ظهر البعير"
صحيح
أن أحداث البلقان كشفت منذ البداية عن
نقاط الضعف في البنية العسكرية
الأوروبية، ولم تكن مجهولة بطبيعة
الحال. ولكن "التجربة" العملية
كشفت عمّا يمكن أن تؤدّي إليه في
الحالات الجادّة. ولا يقتصر الأمر على
نوعيات التسلّح ومستوياته كما يتردّد
في الوقت الحاضر؛ ولكن الأهم هو ضعف
الثقة بين الدول الأوروبية، وتغليب
المصالح المباشرة والذاتية على ما
عداها.
فالتحرّك
الألماني السريع لصالح كرواتيا
وسلوفينيا والمضاد لصربيا، كان
يقابله ميل السياسة البريطانية
والفرنسية إلى دعم صربيا رغم وضوح
ممارساتها العدوانية. وكان هذا
الخلاف في مقدّمة ما استغله
الأمريكيون ليصلوا في النهاية إلى
"حلّ أمريكي" في دايتون من جهة،
وكذلك إلى التشكيك المباشـر في قدرة
الأوروبيين على التميز بأنفسهم
أمنيًّا وعسكريًّا خارج نطاق حلف
شمال الأطلسي.
وكادت
تتكرّر الصورة نفسها في كوسوفا، لولا
أنّ الحرب الأطلسية ضدّ يوغوسلافيا
من أجل كوسوفا وقعت في ظروف أوروبية
جديدة، فقد استطاعت الدول الأوروبية
الرئيسية تجاوز قدر كبير من مخاوفها
تجاه بعضها بعضًا، كما ازدادت
اقتناعًا بأنّها لا تستطيع التحرّك
دوليًّا دون التكتل سياسيًّا
وأمنيًّا. وهو ما انعكس في تنشيط ما
بدأ تنفيذه في مطلع التسعينيات
الميلادية، مثل تشكيل قوات تدخل سريع
على المستوى الأوروبي، وترسيخ أرضية
العمل الأوروبي الأمني القائم بذاته
في منظمة "الاتحاد الأوروبي الغربي"،
فضلاً عن التمسك بسياسة التفاهم مع
موسكو على سياسة أمنية أوروبية
مشتركة بدلاً من "المواجهة" مع
موسكو لفرض تلك السياسة وتحت رداء حلف
شمال الأطلسي.
وفي
كوسوفا تجاوز استعراض الأمريكيين
لموقعهم المهيمن على مجرى العمليات
العسكرية نفسها، الخطوط الحمراء
بالمنظور الأوروبي، فلم يَعُد الأمر
يقتصر على مجرّد احتكار المراكز
القيادية الرئيسية أطلسيًّا، أو حتى
بعض أنواع التسلّح المؤثر في مجرى
المعركة، وإنّما انتقل ذلك إلى مستوى
الامتناع عن التعامل مع الدول
الحليفة تعامل الأنداد على هذا
الصعيد أثناء المعارك نفسها. وقد
تسرّب من ذلك الحديث العلني عن مدى
الانزعاج الأوروبي من عدم إطلاعهم في
الوقت المناسب وبصورة كافية على
الصور الاستكشافية المتجمعة لدى
الأمريكيين عن طريق أقمارهم الصناعية.
ولعلّ
أحد العناصر الرئيسية في قضية
الذخائر المشـعّة حديثًا، أنّ معظم
الأوروبييـن منزعجون من جرّاء عدم
إطلاعهم بصورة كافية وفي الوقت
المناسب على المخاطر المترتبة على
تلك الذخائر لاتخاذ الاحتياطات
اللازمة. وهو ما ينفيه الأمريكيون،
فضلاً عن إصرارهم على استخدامها في
المستقبل أيضًا. وهو ما يرفضه
الأوروبيون، ليس من زاوية الحفاظ على
سلامة جنودهم فقط، وإنّما للخشية
أيضًا من عواقب استخدام تلك الذخائر
المشعة في مواجهة أزمات على الأرض
الأوروبية نفسها، كما في حرب
البلقان، ممّا يضاعف مفعول ضغوط
الرأي العام على المسؤولين.
في
نهاية حرب كوسوفا لم يكن القرار الذي
اتخذه الأوربيون في قمة كولونيا عام
1998م بشأن تشكيل قوة عسكرية أوروبية
مستقلة عن حلف شمال الأطلسي جديدًا من
حيث المضمون، وإنّما من حيث اللهجة
التي استخدمت في صياغة هذا القرار
وتعليله، والتي لم تَعُد تراعي
الجانب الدبلوماسي تجاه الحليف
الأمريكي. وتبديل لهجة الخطاب بين
الجانبين هو ما يشير إلى وصول تطوّر
علاقاتهما الأمنية في اتجاه الانفصال
إلى مرحلة اللاعودة.
"الدرع
الصاروخي".. الوصول إلى مفترق الطرق
لا
يعني الوصول إلى مرحلة اللاعودة أن
الانفصام المنتظر في أرضية العلاقات
الأمنية بين الأوروبيين والأمريكيين
سيقع بين عشية وضحاها. فكلا الطرفين
يدرك ما يمكن أن يسبب ذلك من أضرار على
حساب مصالحه ومخططاته الدولية. ولكن
يعني أنّ كثيرًا من هذه المخططات
المستقبلية بدأ كل من الجانبين يضعه
انطلاقًا من مصالحه أولاً، فلا يراعي
مصالح الحليف الآخر إلا بمقدار ما
تفرضه الضرورة.
وإذا
كان هذا يسري على خطوات التميز
العسكري الأوروبي السالفة الذكر،
فإنّه يسري بالمقابل على مشروع الدرع
الصاروخي الأمريكي أيضًا. وقد كان
طُرح في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق
"ريجان" طرحًا مختلفًا تمامًا عن
الطرح الراهن. واعتبر في حينه وسيلة
أطلسية "مشتركة" للضغط على
المعسكر الشرقي بأسلوب الردع العسكري
وماليًا في الدرجة الأولى، إلى أن لفظ
أنفاسه الأخيرة بالفعل..
ولكن
الطرف الأمريكي تمسّك بالمشروع رغم
زوال السبب الرسمي المعلن، والمشترك
أطلسيًّا، ولم يمتنع عن تنفيذه في
حينه إلاّ لأسباب مالية، وهو ما
استدعى تعديله إلى مشـروع مصغر، ولكن
على أساس التقنية العسكرية نفسها. ثم
تأجّل القرار في عهد كلينتون بسبب
الإخفاق في بعض التجارب الأساسية
للتأكد من هذه التقنية. وتحوّل في هذه
الأثناء إلى مشروع عسكري أمريكي محض،
وهذا في فترة لم يَعُد الاتحاد الروسي
نفسه يملك من القوّة النووية أو
الصاروخية الضاربة، ما يمكن أن يشكّل
خطرًا كبيرًا على الولايات المتحدة
الأمريكية.
ولا
داعي هنا للتأكيد أنّ طرح ما أثير تحت
عنوان "خطر الدول المارقة" لا
يزيد عن كونه فقاعة إعلامية محضة،
بعيدة كل البعد عن الواقع فلا تستدعي
نقاشًا جادًّا.. وهذا ما يدركه
الأوروبيون والأمريكيون على السواء
فيما يضعونه لأنفسهم من مخططات
وسياسات أمنية وعسكرية. فلم يَعُد
يوجد مبرر حقيقي للمشروع الأمريكي
سوى أنّ الولايات المتحدة الأمريكية
تنطلق بعيدًا عن الاعتبارات الأطلسية
ومصالح الحلفاء، وبعيدًا عن أجواء
الوفاق الدولي واتفاقاته، لتكون لها
من القوّة العسكرية الذاتية ما
يجعلها في المستقبل قادرة على فرض
إرادتها السياسية والاقتصادية
دوليًّا تحت مسمى النظام العالمي
الجديـد أو العولمة الحديثة.
ولذا،
فإن المحور الرئيسي في المساعي
الأوروبية المبذولة يتركز حاليًا على
تعزيز القدرات الذاتية قبل فوات
الأوان، وقبل أن يزداد حجم الهوّة
الأمنية وغير الأمنية على السواء،
الفاصلة بين حلفاء الأمس.. ويسري شبيه
ذلك على المساعي الروسية، والمساعي
الصينية، وربما مساعي بعض الدول
الرئيسية في جنوب شرق آسيا. وما زال
السؤال المفتوح متركزًا على المنطقة
الإسلامية ومعها منطقة البلدان
النامية عموما: هل تبقى هي المنطقة
الوحيدة التي لا تكاد تبذل شيئًا
يُذكر من الاستعدادات الواجبة ولا
الممكنة لمواجهة الهيمنة الأمريكية
الأشدّ خطرًا ومفعولاً في المستقبل؟!
اقرأ
أيضًا:
|