|
إن
الخلافات الراهنة بين الولايات
المتحدة الأمريكية والأوروبيين حول
شبكة الدرع الصاروخي الأمريكي،
ومساعي التميز الأمني الأوروبي،
وموقع روسيا على خارطة السياسة
الأمنية الدولية، وعلاقات الحلف
الغربي بمنظمة "الاتحاد الأوروبي
الغربي" الأمنية، ومستقبل صناعة
القرار الأمني بين الحلف والأمم
المتحدة .. جميع ذلك ليس وليد الساعة،
وإنما انتقل إلى العلن الآن، وبرز
أكثر مما مضى بعد تجاوز تصريحات
الطرفين للقشور الدبلوماسية
التقليدية.
الخلاف
الأمني ليس خلافًا طارئًا
وعندما
نتجاوز الاعتياد الخاطئ - على النظر
إلى التلاحم الأمني بين الجانبين
خلال الحرب الباردة وكأنّه تلاحم "أبدي"،
وتفسير ما سواه من خلاله، فنعتبره
كسواه تلاقيًا فرضته مصالح محدّدة في
حقبة معينة من الزمن - فسوف يظهر بوضوح
أن الوضع المتأزم الراهن لا يمثل "خلافًا
أمنيًّا" طارئًا، بل تراكمًا
لمسلسل من الخلافات الأمنية القائمة
بين الأوروبيين والأمريكيين، لأسباب
ترتبط بالتاريخ، والموقع الجغرافي،
ونمط التفكير… ثم بالمصالح المتقلبة
من حين إلى حين والمرتبطة غالبًا
بتبدّل الأوضاع الدولية بين حقبة
وأخرى، وليس بتبدّل الأوضاع
والمنطلقات الذاتية فقط.
"الطلاق"
قادم قادم
لهذه
الخلافات المتراكمة مقدّمات تفسرها.
إنّما برزت للعيان أكثر، المرحلةُ
الأخيرة منها في عقد التسعينيات
الميلادية، بعد سقوط المعسكر الشرقي.
ومع أنه لم يقع في إطار العلاقات
الأمنية المعنية بين الجانبين حدث
كبير يتجاوز التقديرات الموضوعية،
فقد وصل مجرى تطوّرها الآن إلى مرحلة
اللاعـودة على الأرجح. ولم يَعُد
السؤال الأهم ما إذا كان الطلاق
الأمني الأوروبي - الأمريكي سيقع أم
لا، ولكن كيف سيقع رغم التشابك الكبير
في المصالح وفي البنية الهيكلية بين
الطرفين؟ وهل سيكون طلاقًا مفاجئًا
وبائنًا أم على مراحل؟ وهل سيقترن
بنزاع مفتوح يضاعف عواقبه أم يتمّ
باتفاق وهدوء؟ ثم ما الذي سينجم عنه
من تأثير على ميادين أخرى للعلاقات
عبر الأطلسي وعلى السياسات الدولية
المتشابكة؟
بذور
التمرّد على الهيمنة
لم
تخلُ العلاقات الأطلسية في أي وقت من
مظاهر الهيمنة الأمريكية على الحلف
المشترك، بما يشمل جوانب التسلحّ،
والقيادات العسكرية، وصناعة القرار
السياسي الأمني. فهذا ما استمرّ
بدرجات متفاوتة أثناء الحرب الباردة.
ولكنّ مظاهر الهيمنة لم تكن
استعراضية تلفت الأنظار، بل بقيت
وراء الستار الدبلوماسي، يواريها أو
يخفف من وطأتها الارتباط بالحلف عبر
مصالح أمنية مشتركة في مواجهة
المعسكر الشيوعي.
ولكن
هذه الهيمنة - القائمة من قبل - بلغت
ذروتها وانتقلت إلى العلن عقب انتقال
سياسة الانفراج إلى مرحلة الوفاق
الدولي؛ إذ بدأ الحديث المباشر في
أوروبا عن سقوط الحاجة إلى مظلة نووية
أمريكية واقية، وبالتالي إلى حلف
شمال الأطلسي نفسه. وهنا تلاقت في تلك
المرحلة الدعوات الأوروبية الغربية
مع الدعوات السوفييتية - قبيل تفكك
الاتحاد السوفييتي - على تعزيز دور
"مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا"،
وكان الهدف الظاهر للعيان هو أن يأخذ
مكان المعسكرين الشرقي والغربي على
الصعيد الأمني أيضًا. ووصل ذلك
التوجّه إلى مرحلة متقدّمة نسبيًّا
في قمة باريس عام 1990م، عندما أضيفت
عدة وثائق عن حقوق الإنسان والأقليات
ودعم المناهج الديمقراطية والتحرّك
نحو اقتصاد السوق، كما تحوّل المؤتمر
نفسه إلى منظمة دائمة. واعتبر ذلك
التاريخ بمثابة نهاية رسمية للحرب
الباردة وبدء عهد الوفاق الدولي بين
الشرق والغرب، كما بدأت تُطرح مشاريع
التميّز الأمني الأوروبي علنًا.
وبالمقابل،
بدأ التمسّك الأمريكي الشديد بالحلف
يطرح السؤال عن أسبابه إذا كانت
المواجهة مع الشيوعية "قد انتهت
بانتصار الديمقراطية واقتصاد السوق"
كما يتردّد باستمرار. وكان الدعم
الأوروبي الرئيسي للموقف الأمريكي
مقتصرًا على بريطانيا المعروفة بعدم
اندماجها في مسيرة الاتحاد الأوروبي
اندماجًا كاملاً حتى الآن. وفي تلك
الفترة بدأ البحث عن "مهام أمنية
جديدة" للحلف أو إعادة صياغة
مهامّه الأمنية، مما لا يعتبر سوى
عنوان آخر بتعبير مغاير، لمضمون
السؤال المطروح عن مغزى بقاء الحلف
أصلاً.
الضغوط
الأمريكية
وفي
تلك الفترة كان قد بدأ طرح "تصوّرات
مستقبلية" بديلة لمصادر الخطر
المحتملة على الغرب ومصالحه، ومنها
أطروحة "الإسلام هو العدوّ البديل".
وقد تردّدت هذه العبارة لأوّل مرة على
المستوى الرسمي على لسان وزير الدفاع
الأمريكي آنذاك نائب الرئيس الأمريكي
حاليًا "تشيني"، وكان ذلك عام 1991
في "منتدى ميونيخ للسياسات الأمنية
الدولية"، وهو الذي شهد في آخر
لقاءاته في ميونيخ - في الأسبوع الأول
من شباط/ فبراير 2001 - وصول الخلاف
الأمريكي - الأوروبي بصدد مستقبل
السياسة الأمنية إلى ذروة جديدة
علنًا.
وربّما
كان من الأهداف الأمريكية لحرب
الخليج الثانيـة تأكيد واشنطن
لحلفائها آنذاك، أنه لا غنى عن
التحالف العسكري مع الأمريكيين، من
أجل استمرارية ضمان المصالح الغربية
الدولية، والتي تعني بشكل أساسي في
هذه الحالة الهيمنة على المنابع
النفطية الخليجية. ومن المرجّح إلى
حدّ بعيد، أن يكون أسلوب التعامل
الأمريكي مع الأوروبيين في مواجهة
أحداث البلقان قد استهدف الغرض نفسه.
وبهذا المنظور، يمكن القول: إنّ أهم
الأحداث العسكرية في التسعينيات
الميلادية كانت أشبه بتجارب عملية
لترسيخ ما كان يُطرح من تصوّرات
وأفكار حول الجانب "العسكري"
الذي يُطرح عادة تحت عنوان السياسة
الأمنية، وذلك في إطار التصورات
الأشمل والأوسع نطاقًا عن نظام عالمي
جديد يراد إنشاؤه.
كما
بدأت الضغوط الأمريكية المضادة تجاه
الأوروبيين فور ظهور المحاولات
الأوروبية الأولى للتميز الأمني
والعسكري بتكوين نواة فيلق أوروبي من
قوّات فرنسية وألمانية، التي ما زالت
تتصاعد حتى الآن. ويتجنّب الحلفاء
دبلوماسيًّا الحديث عن "ضغوط"،
ولكنها كانت ظاهرة للعيان على أكثر من
محور. ومع ملاحظة أن كل تحرّك سياسي أو
عسكري له عدد من الأسباب والدوافع في
وقت واحد، فإن التركيز على المنظور
الأوروبي في هذا الموضوع يبين بعض
مواقع الضغوط الأمريكية في تلك
المحاور، ومنها:
-
التلويح بتحويل مركز الثقل في
السياسات الدولية الأمريكية إلى شرق
آسيا والأمريكتين، وهو ما اقترن
بتطوير العلاقات التجارية هناك..
-
التركيز في الاتفاقات الجديدة للحدّ
من التسلّح مع موسكو على الأسلحة
العابرة للقارات، دون خطوة مماثلة
على صعيد الأسلحة المتوسطة المدى، أي
التي تشمل الأراضي الأوروبية دون
الأمريكية..
-
التحرّك الأمريكي بصورة ملحوظة في
مناطق أشدّ حساسية من سواها بالنسبة
إلى أوروبا، ومن ذلك أنّ واشنطن نازعت
فرنسا هيمنتها على مناطق نفوذها
التقليدية في إفريقيا، كما رسّخت
إقصاءَ أوروبا عن دائرة الصراع
العربي - الإسرائيلي في المنطقة
الجغرافية المجاورة..
ومن
العسير فصل تطوّر السياسة الأمريكية
في هذه الميادين وسواها في قطاع "السياسة
الأمنية"، وآثارها بالمنظور
الأوروبي عن موجة أخرى من الضغوط
المالية والاقتصادية المحضة..
-
بدءًا بأزمة النقد الأوروبية في مطلع
التسعينيات الميلادية، والتي يعزوها
كثير من المحللين إلى "هجوم مدبّر"
من جانب مضاربين أمريكيين..
-
مرورًا بقضايا المقاطعة المتعددة لا
سيما تجاه إيران وكوبا، حيث تعتبر
مصالح التعاون مع المنطقتين بالغة
الأهمية لدى الأوروبيين..
-
وانتهاء بحلقات جديدة ظهرت مؤخرًا في
مسلسل التعويضات المالية عن الحقبة
النازية لصالح اليهود وسواهم، وهو ما
عُرف بتعويض "عمال السخرة"..
وقد
رافق سائر تلك الضغوط تحرّك إعلامي
مكثف ولافتٌ للنظر، داخل البلدان
الأوروبية من جانب أنصار الارتباط
بالولايات المتحدة الأمريكية، ممّا
شمل محاور عديدة: منها ما يتصل بعقدة
النازية كما في النمسا، وما يندرج
تحته من قوانين الحجر على الفكر
الناقد تاريخيًّا "للمسلّمات
البديهية الصهيونية عن جرائم النازية"،
ومنها ما يتصل بالحقوق والحريات كما
في التعامل مع منظمة "سانتيولوجي"
التي تحمل عنوان طائفة دينية وتنشط
فكريًّا واقتصاديًّا.. وغير ذلك من
الحملات.
توسع
الأطلسي شرقًا
في
مطلع التسعينيات الميلادية كان الوضع
السياسي والاقتصادي الروسي أشدّ
انهيارًا، وبالتالي أشدّ اعتمادًا
على الدعم المالي الخارجي منه الآن.
كما أنّ أحداث انتقال السلطة من
جورباتشوف إلى يلتسين بعد إخفاق
محاولة انقلابية عسكرية، ثم التمرّد
الشيوعي وقصف مقر المجلس النيابي في
موسكو.. أدّى إلى انهيار مكانة الحزب
الشيوعي في الاتحاد الروسي، وإلى
اضمحلال المخاوف من احتمال تحرّك
عسكري مضاد.
ويضاف
إلى ذلك، أنّ الدول الأوروبية
الشرقية - التي تحرّرت من السلطة
المركزية في موسكو وعبر حلف وارسو -
كانت أقرب ما تكون إلى تقبّل خارطة
أمنية وسياسية جديدة وفق التصوّرات
الغربية. وإجمالاً يمكن القول: إنّ
المعسكر الغربي كان قادرًا في تلك
الفترة بالذات على التحرّك لتحقيق
أهدافه في التمدد شرقًا دون مخاوف
تستحق الذكر من ردّ فعل "روسي" أو
شيوعي مضاد..
وقد
استفادت واشنطن من تلك المرحلة - وما
قبلها بفترة وجيزة - استفادة مباشرة
عبر الإسراع بعقد اتفاقيتي الحدّ من
التسلّح النووي البعيد المدى بمضامين
تحقق المصالح الأمريكية أكثر من
الروسية. ولكنّ السياسة الأمريكية
كانت - فيما عدا ذلك ولعدّة أعوام -
تدعم بوضوح عودة القوّة إلى الجسم
الروسي المنهار، وبما لا يستثني
استعادة دور موسكو في خارطة السياسة
الأمنية الأوروبية. ولم يكن ذلك دعمًا
لموسكو نفسها وإنّما دعمًا لتجديد
حالة "المواجهة"، وبالتالي حالة
الإحساس الأوربي بوجود خطر خارجي،
يجدّد بدوره الإحساس بالحاجة إلى
الحليف الأمريكي.. ومن المعالم
الرئيسية لهذه السياسة في تلك الفترة:
-
الدعم الأمريكي الملحوظ لاسترجاع
الهيمنة الروسية في وسط آسيا مع فتح
الأبواب أمام التحرّك الأمريكي
اقتصاديًّا وماليًّا في المنطقة،
وهذا ممّا أثار مخاوف الدول
الأوروبية الشرقية كبولندا والمجر من
عودة الهيمنة الروسية أيضًا، ودفع
بها إلى المطالبة الملحّة بالاندماج
في حلف شمال الأطلسي.
-
دعم احتكار الاتحاد الروسي من بين دول
المنطقة لإرث أسلحة الدمار الشامل،
وهذا –وإن وجد تأييد الدول الأوروبية
الغربية - إلاّ أن التأييد اعتمد على
دعوات "إتلاف" المخزون منها، وهو
ما لم يتمّ بكميات تستحق الذكر إلى
الآن. ولكنّ بقاء الطاقة النووية
الروسية مع قابلية مضاعفتها في
المستقبل، جدّد في غرب أوروبا الحديث
القديم عن الحاجة إلى التحالف مع
القوة النووية الأمريكية.
في
الفترة الأولى التي شهدت عجز موسكو عن
التحرّك المؤثّر على "تطوير
الخارطة الأمنية" في أوروبا، كانت
ألمانيا تتبنّى تلبية رغبات الدول
الأوروبية الشرقية في الانضمام إلى
حلف شمال الأطلسي ، بينما كانت
المعارضة ولعدّة سنوات تصدر عن
واشنطن، حتى تحوّلت بصورة كاملة نحو
تبنّي هدف التوسعة. وفي نفس الوقت
كانت موسـكو قد استعادت لنفسـها –
عبر ثغرة البلقان - مركزًا ثابتًا في
ساحة اتخاذ القرار الأمني أوروبيًّا.
وبالتالي تحوّلت التوسعة الأطلسية
شرقًا إلى عنصر مواجهة تهدّد بعودة
أجواء الحرب الباردة.. وهي بالذات
الأجواء التي تجدّد الإحساس باحتياج
الأوروبيين إلى الحليف الأمريكي.
والواقع
أن من أهمّ ما يركّز الأوروبيون عليه
في الوقت الحاضر هو تأكيد رغبتهم في
خارطة أمنية مستقبلية لأوروبا
بمشاركة موسكو وليس في مواجهتها أو
ضدّها، وتضمّن ذلك الاعتراض على عدد
من المواقف الأمريكية الاستعراضية
التي يمكن أن تثير انزعاج موسكو، بما
في ذلك ما رافق التعامل مع أحداث
كوسوفا. وهذا إن دل على شيء إنما يدل
على سعي أوروبا إلى تبديد عنصر
المواجهة، ومن ثم إفشال المخطط
الأمريكي.
اقرأ
أيضًا:
|