بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


بوتين بين إرضاء الغرب وإرضاء "الأنا"*

12/2/2001

شيرين حامد فهمي - القاهرة

تركز السياسة الخارجية الروسية اهتمامها حاليًا على هدفين إستراتيجيين: أولاً، إخراج روسيا من أزمتها الاقتصادية الراهنة؛ وثانيًا، بناء دور خاص لروسيا. وقد يرغب بوتين في تحقيق هذين الهدفين سويًّا، ولكن من الناحية الدولية يُعَد هذا ضربًا من المستحيل؛ وذلك لأن الأطراف التي بإمكانها إخراج روسيا من أزمتها الاقتصادية لن تسمح لها بأن يكون لها دور خاص في العالم. فإما أن يضحي بوتين بالدور الخاص للدب الروسي، فتنهال عليه الاستثمارات والمعونات باليورو والدولار، وإما أن يُصرّ على إعادة الدور الروسي في الخريطة الدولية. وعليه حينئذ أن يتحمل نتيجة "تهوّره".

وقد يوجد خيار ثالث، وهو الوقوف في الوسط حتى ينال من الخَيْرين دون أن يضحّي بأي منهما. ويتطلب هذا بالطبع سياسيًّا محنكًا وحاذقًا، وستكشف لنا الأيام عما إذا كان بوتين هو ذاك السياسي.

إرضاء الغرب من أجل عيون روسيا

بعدما نجح بوتين في تحقيق صورة "البطل المغوار" في حرب الشيشان من خلال إهدار دماء المسلمين وتشريدهم، وبعدما استيقن بوتين إلى استقرار تلك الصورة "المشرفة" في أعين الروس، صار لديه الوقت للتفرغ للتركيز على الداخل الاقتصادي. وهذا بالطبع من شأنه أن يسعد الغرب كثيرًا؛ إذ إن عكوف بوتين على إصلاح اقتصاد بلاده سيشجع كلاًّ من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية على الدخول بثقة واطمئنان في السوق الروسية، ويمكنهما من التفرد بالعالم.

بوتين والتنصل من حكم "الأوليغاركية"

بيد أن توجّه بوتين إلى الداخل الاقتصادي لا بد أن يصطدم بحكم الأوليغاركية (Oligarchy)، وهو حكم القلة المسيطرة على الثروات، والتي قد تتصف بالفساد واتباع طرق غير مشروعة لإحكام سيطرتها على ثروات الدولة. وروسيا - كأي دولة - تتواجد فيها هذه الفئة؛ وتتجلى بوضوح نتيجة التدهور السياسي الملحوظ والمقرون باضمحلال المؤسسات الديمقراطية. وأكثر ما يضايق الاتحاد الأوروبي هو اعتماد بوتين على هذه الفئة التي تستخدمه كدمية أو كلعبة في الكرملين (مقر الرئيس).

فهي لن تساعده على مقاومة الفساد المتفشي في الاقتصاد الروسي، ولن تعينه على تحويل روسيا إلى دولة ذات ركيزة قانونية. بمعنى آخر، إن استمرار اعتماد بوتين على هذه الفئة سيدعم صورة الدولة الروسية الموجودة في الذهن الغربي، وهي صورة "دولة المافيا". وهذا من شأنه أن يؤدي منطقيًّا إلى تثبيط همة أي مستثمر، سواء كان أوروبيًّا أم أمريكيًّا أم صينيًّا.

والسؤال هنا: هل سيستطيع بوتين التنصل من تلك الفئة "الأوليغاركية"؛ ليكسب اليورو الأوروبي والدولار الأمريكي؟! وفي الحقيقة يوجد بديلان عن فئة الكرملين: أولاً القيادة العسكرية، وثانيًا الجبهة الديمقراطية المتواجدة في الدوما "المجلس التشريعي". وبغض النظر عن البديل الذي سيختاره بوتين، تبقى النقطة الهامة التي لا خلاف عليها وهي: أن بوتين ملزم بالتنصل من تلك القلة حتى يكسب اليد الغربية.

رغبة في شراكة إستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي

في قمة هيلسينكي - التي تمت في أكتوبر 1999 - قام بوتين بعرض الإستراتيجية الروسية الجديدة تجاه الاتحاد الأوروبي؛ وقد لاقى العرض إعجاب واهتمام الاتحاد الأوروبي. وكان يُمكن أن يلاقي اهتمامًا أكبر لولا الحرب التي كان بوتين يقودها في الشيشان حينئذ، والتي كانت لا تتوافق مع مصالح الاتحاد الأوروبي. وتأكيدًا لهذا الاتجاه الإصلاحي الجديد، قام بوتين بإبراز نفسه من خلال صورة "الإصلاحي السياسي" في عدة حوارات مع الإذاعات والصحف الغربية: مثل "السي إن إن"، والجريدة الألمانية المعروفة (زوددويتشة تسيتونج) "Suddeutsche Zeitung" وجرائد غربية أخرى.

والسؤال هنا: ما سبب هذا التغيير المفاجئ تجاه دول الاتحاد الأوروبي؟ والإجابة تتلخص ببساطة في أن بوتين قد تنبه أخيرًا إلى واقع أوروبي جديد يستلزم التفاعل الحاذق مع معطياته، فالاتحاد الأوروبي يسعى بقوة باتجاه سياسة أمنية وخارجية موحّدة، الأمر الذي سيمكن الأوربيين في المستقبل من تصعيد دورهم السياسي في الساحة العالمية والدولية.

ولا يخفى أن معظم دول الاتحاد السوفييتي السابق - وإن لم تكن كلها - ستلحق في يوم من الأيام بالاتحاد الأوروبي، وهذا اليوم ليس ببعيد (ما بين عشر سنوات على الحد الأدنى، وخمس عشرة سنة على الحد الأقصى).

إن روسيا تنظر إلى الاتحاد الأوروبي بعين المستقبل، باعتبار أنه سيكون بعد عدة سنوات مهيمنًا على دول البلقان ومنطقة البحر الأسود ووسط آسيا؛ وفوق ذلك منطقة القوقاز الزاخرة بالنفط، التي ستكون محل اهتمام وصراع من قبل الدول الكبرى. هذا بالإضافة إلى توسعات حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي من المفترض أن تصل إلى حدود دول الاتحاد السوفييتي السابق.

والخلاصة: أن الخيار الماثل الآن في ذهن بوتين هو: إما التحالف مع الاتحاد الأوروبي، وإما العزلة.

ألمانيا: محطة مهمة

احتلت ألمانيا منزلة خاصة لدى الدولة الروسية - والشعب الروسي سواء - في ظل رئاسة كل من بوريس يلتسين لروسيا وهيلموت كول لألمانيا. فقد وصل التعاون بين الدولتين في تلك الحقبة إلى درجة تسمية تلك الظاهرة بـ "محور كول - يلتسين" التاريخي. كما أطلق المحللون السياسيون على تلك الفترة "دبلوماسية الساونة"؛ ففيها تم سحب القوات الروسية من القارة الأوروبية، وفيها تم تمهيد الطريق أمام دخول روسيا المؤسسات الاقتصادية والتمويلية الغربية مثل مؤسسة الدول السبع الكبار (G7). وباختصار، إن محور "كول - يلتسين" لعب دورًا بالغ الأهمية في تدعيم العلاقات الألمانية - الروسية، مثلما لعب محور "تشيرنوميردين -جور" دورًا هامًّا في تدعيم العلاقات الأمريكية - الروسية من قبل.

ولكن الحال لم تدم طويلاً. فبعد وصول "جيرهارد شرودر" إلى الرئاسة الألمانية صار هناك حذر شديد تجاه روسيا؛ وذلك بسبب اختلاف كول وشرودر، فالأخير يعتبر أكثر عملية وواقعية من الأول. وهو لن يدخل السوق الروسية إلا بعد توفر الأسباب التي تأتي في مصلحة "البيزنس" الألماني. بمعنى آخر، إن البيزنس الألماني ينتظر انفتاح الأبواب الروسية من خلال تحديث التشريعات والقوانين وفقًا للمعايير الغربية. فلم يَعُد عرض المعونات المالية على الدولة الروسية – دون قيد أو شرط – مقبولاً من لدن ألمانيا ولا حتى من لدن الاتحاد الأوروبي. والنتيجة أن على بوتين أن يختار بين الموافقة على الدخول في هذا النظام كما فعلت تركيا، وبين الطرد من الأسرة الأوروبية.

الدور الخاص لروسيا

ومن الجدير بالذكر، أنه بالرغم من سعي بوتين المستمر لإرضاء الغرب عن طريق التفرغ للشؤون الداخلية، فإنه في الوقت ذاته لا يستطيع أن يتخلص من حلمه في أن يكون لروسيا دور خاص (Special Role) يؤهلها لمواجهة الغرب. وتسمى هذه السياسة "العزلة البنائية" (Construction Isolationism)، ومعناها ببساطة أن تستمر الدولة الروسية في التعاون والاندماج مع الغرب في المجالات التي تعتمد من خلالها على المعونات الغربية، بينما تجتهد على الناحية الأخرى في السعي تجاه إيجاد ذلك الدور الخاص المتميز.

والمشكلة هنا تكمن في معارضة الغرب لذلك الدور. وقد ظهر ذلك جليًّا فيما بعد حرب كوسوفا، حيث انصرفت الحكومات عن تأييد الأحلام والطموحات الروسية التي راودت السياسيين الروس حينذاك - وما زالت تراودهم - في إعادة بناء روسيا كقوة عظمى على المسرح العالمي.

ولحل هذه المشكلة نجد بوتين يتعامل مع الأمور بوجهين مختلفين؛ فهو من جهة، يعمل على تخفيض حدة التوتر والصراعات الإقليمية والهامشية مع الحكومات الغربية، بهدف ضمان دعمها، ومن جهة أخرى، يعمل على تثبيت المصالح العليا الروسية التي لا تحتمل التنازل، مثل: 1 - التدخل الروسي في الشيشان. 2 - التصديق على معاهدات حظر الأسلحة النووية. 3 - الحفاظ على المصالح الروسية من الغاز والبترول الموجودين في منطقة بحر قزوين. 4 - الوقوف ضد توسعات الناتو في الجمهوريات السوفييتية السابقة.

ولذا لا عجب فيما سمعناه مؤخرًا عن قيام روسيا بنشر صواريخ نووية (توشكا إس.إس.21) في كاليننيجراد - مقر الأسطول السوفييتي في البلطيق أثناء الحرب الباردة - مما آثار غضبًا عارمًا عبر البلطيق بالإضافة إلى الاستنكار الأمريكي والهولندي. وقد استهدفت الدولة الروسية - من خلال ذلك - استعراض قواتها العسكرية لمواجهة ما تعتبره تهديدًا ناجمًا عن توسيع حلف شمال الأطلنطي شرقًا. كما استهدفت تحدي حائط الدفاع الصاروخي الأمريكي.

وإصرار بوتين على حفظ المصلحة الروسية العليا أمام الدول الغربية لم يقف عند ذلك الحد، بل امتد إلى الصين التي صارت تمثل الآن تحديًّا جديدًا للهيمنة الأمريكية. فقد استخدم بوتين ورقة الضغط الصينية؛ ودل التضامن بين الجانبين الروسي والصيني على شعور مشترك بالخوف من النظام الأمريكي للدفاع الصاروخي. ومن الجدير بالذكر أن الدولتين تشتركان في أطول حدود بالعالم، مما يعكس تحجيمًا للقطبية الأمريكية الوحيدة.

وكما استخدم بوتين الورقة الصينية، استخدم أيضًا الورقة الهندية. فالهند في حاجة إلى السلاح الروسي؛ وروسيا في حاجة إلى المواد الخام الهندية التي تقدم إليها بأرخص الأسعار مثل الشاي والأغذية الأخرى التي تحصل عليها من خلال المقايضة. هذا فضلاً عن اشتراك الدولتين في التصدي "للخطر الأفغاني".

أما الورقة اليابانية فلم يستخدمها بوتين لعدم ملاءمتها للواقع الذي تعيشه اليابان حاليًا، فالحالة الاقتصادية في اليابان لن تسمح بالمساعدات والمنح اليابانية.

باختصار، لقد توجه بوتين إلى الشرق - الهند والصين - ليجد ملاذًا للاعتراف بدور روسيا الخاص بعد أن أحبطه الغرب. فهل سينجح بوتين في تحدي الغرب، وفي كسب دعمه الاقتصادي في الوقت نفسه؟

ومن جهة أخرى، تحاول روسيا لعب دور مؤثر في تشكيل المنطقة العربية في فترة ما بعد الحرب الباردة، من خلال تحدي الولايات المتحدة حينًا ومهادنتها حينًا آخر، فنجدها تدعم دولاً كالعراق وإيران، وفي الوقت ذاته تتعاون مع إسرائيل في مجال تطوير الأسلحة، حيث قام بوتين مؤخرًا بالاتفاق مع رئيس دولة الاحتلال "موشيه كاتساف" على تحديث إسرائيل للأسلحة الروسية وتسويقها في دول العالم الثالث. كما اتفق الطرفان على التصدي "للخطر الأصولي" الذي بات يهدد المصالح الغربية في المنطقة العربية، وفي الجوار الإقليمي لروسيا.

والواضح أن كلاًّ من هذه القوى الكبرى تستخدم في صراعها مع الأخرى الدول الصغيرة لتحقيق مصالحها. وهو ما يتعارض بشكل أساسي مع مصالحنا العربية والإسلامية، وإن كان تعدد الأقطاب يتيح لنا فرصة أوسع للاختيار والحركة مما يتيحه نظام القطب الواحد.

اقرأ أيضًا:


* هذا المقال هو ثمرة للاطلاع على بعض المقالات الخاصة بالسياسة الروسية في القرن الحادي والعشرين، من موقع مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن.


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع