|
هل
يختلف عام 2001 عمّا سبقه من أعوام
توالت على سوريا في خلال أربعة عقود
من الزمن؟ هو سؤال يطرح نفسه بقوة،
وقد يكون قد طرح نفسه على كثير من
السوريين، وتجاوزهم إلى المهتمين
والمتابعين للأوضاع في سوريا مستندًا
إلى ما شهدته من متغيرات، تداخلت فيها
متغيرات السياسة والاقتصاد والمجتمع
والثقافة في العام الماضي، وبخاصة في
الستة أشهر الأخيرة منه.
السوريون
يستحقون حياة أفضل
ومثلما
أن السؤال لم يكن منفصلاً عن الواقع
بما حمله من متغيرات شهدتها سوريا،
فإنه لا يمكن فصل السؤال عن طموحات
وأحلام السوريين بتجديد حياتهم،
وتطوير قدرات بلادهم، خاصة وأنهم
يستحقون حياة أفضل مما عاشوه منذ
استقلال بلادهم وحتى الآن؛ حيث لم
تتناسب قط حياتهم وأوضاعهم مع
إمكانيات السوريين كشعب، ولا هي
تناسبت مع إمكانيات سوريا كبلد، يملك
كثير من الإمكانيات البشرية والمادية.
ولعله
أمر لا يحتاج إلى تأكيد أن علاقة
وثيقة تحكم المتغيرات الجارية
وطموحات السوريين، حيث إن أية طموحات
تكون محكومة بما يحيط بها من متغيرات
وعلى الأقل بما يمكن أن يحدث من
متغيرات قريبة الحدوث. وهو أمر يعيدنا
للوقوف عند الأساسي والجوهري بما
شهدته سوريا من متغيرات.
وداعًا
لسياسة الإقصاء
ولعل
الأهم والأساسي في المتغيرات يكمن في
الجانب السياسي. فإن ما تم طرحه يوحي
بأن سوريا تتجه إلى تبدلات سياسية
واسعة؛ تبدأ من الإشارة إلى توسيع
حدود مشاركة السوريين ومسئوليتهم
المشتركة في مواجهة التحديات التي
تواجه سوريا داخليًّا وخارجيًّا،
تضمنها خطاب القسم الذي ألقاه الرئيس
بشار الأسد أمام مجلس الشعب. وهي
إشارة تعني تجاوز سياسة الإقصاء
والاستبعاد السياسي والاقتصادي،
التي مورست ضد بعض السوريين في العقود
الماضية؛ وبخاصة سياسة الاستبعاد
السياسي، والتي جاء على أساسها حكم
الحزب الواحد أولاً، وتطور لاحقاً
إلى حكم الحزب القائد ثانيًا.
إعادة
الجسور بين الجبهة والجمهور
وكان
من الممكن عدم تحميل تلك الإشارة
المضمون السابق، لو لم تتبعها إشارات
لاحقة توالت تباعًا بعد خطاب القسم.
تلك الإشارات التي تشير إلى إعادة
إحياء المجتمع وتفعيل الحياة
السياسية فيه. وتمثل ذلك في إشارات
مباشرة، كان بينها الكلام عن تطوير
تجربة وصيغة الجبهة الوطنية التقدمية.
ورغم أن السوريين قد سمعوا هذا الكلام
مرات سابقة، إلا أنه كان في ظروف
مختلفة عما هو الحال عليه الآن، حيث
تم الإعلان عن فتح مقرات مركزية
وفرعية لأحزاب الجبهة، والتي أعطيت
الحق في إصدار صحافة تخصّها، تخاطب
فيها جمهور السوريين مباشرة وبأوسع
الحدود. وكل ذلك سوف يساهم في إعادة
تأسيس العلاقة بين أحزاب الجبهة
والجمهور؛ وهو أمر يتناسب مع إعادة
تفعيل الحياة العامة في سوريا.
ولعله
من المهم، الإشارة إلى أن طرح
الموضوعات المتصلة بالجبهة الوطنية
وأحزابها قد تزامن مع طرح قانون جديد
للأحزاب السياسية، ينظم تشكيلها
ونشاطاتها؛ وهو تطور نوعي من حيث
المبدأ. وقد تضيف التفاصيل التي سوف
يحتويها قانون الأحزاب المنتظر
أبعادًا جيدة ومهمة في موضوع تأسيس
ونشاط الأحزاب السياسية بصورة تخرج
بالأحزاب أن تكون صوتًا وظلاًّ للحزب
الحاكم، أو أحزابًا تندفع إلى ممارسة
نشاطاتها في الظلام، مما قد يخرجها عن
طبيعتها السياسية.
تعديل
قانون المطبوعات
ويكتسب
الحديث عن تعديل قانون المطبوعات في
سوريا أهمية كبرى من الناحية
السياسية، حيث إن تعليق قانون
المطبوعات السوري بعد 8 مارس 1963 -
بموجب قانون الطوارئ سيئ الصيت
والسمعة - قد أضرّ بالحياة العامة
وبخاصة من الناحيتين الفكرية
والسياسية، مما جعلها تجري في مسارات
الجمود والعصبية ونفي الآخر، بديل
الانفتاح والتعددية والتنوع.
المجتمع
المدني يتحرك بعد سكون طويل
والإشارات
غير المباشرة التي توالت في سوريا
خلال الستة أشهر الأخيرة - مما يتصل
بتطوير وتجديد الحياة السياسية - كانت
كثيرة وملموسة. ولعل من أبرزها تلك
الحركة الجماهيرية النشطة في تأسيس
عشرات المنتديات والهيئات الأهلية،
وبينها منتديات حقوقية واقتصادية
وثقافية وفكرية، وجمعيات منها لجان
المجتمع المدني، ولجنة نصرة العراق،
ولجنة مقاطعة الولايات المتحدة
وتفعيل المقاطعة العربية لإسرائيل،
واللجان المستقلة لدعم الانتفاضة
الفلسطينية وغيرها. وكان السعي
لتشكيل أي واحدة منها على مدار عقود
طويلة، كافيًا لزجّ أصحاب الفكرة في
غياهب السجون مع توجيه أقصى
الاتهامات إليهم.
الاعتراف
بالآخر
وثمّة
إشارة أخرى تتصل بتفعيل الحياة
السياسية، وهي إشارة مختلطة بين
المباشر وغير المباشر، حيث تم إطلاق
سراح مئات من المعتقلين والسجناء
السياسيين من الاتجاهات المختلفة،
حيث قضى بعضهم أكثر من عقدين في
الاعتقال. وترافقت الخطوة بالإعلان
عنها - وهو أمر غير مسبوق في سوريا - إذ
غالبًا ما كان ينظر للمعتقلين
السياسيين باعتبارهم مجرمين وعملاء
للخارج لا سجناء رأي أو أصحاب وجهة
نظر في الموضوعات السياسية
والاقتصادية، وأنهم يمثلون فئات من
المجتمع السوري.
وقد
أضيف لهذه الإشارة بعد آخر بصدور قرار
الرئيس بشار الأسد إغلاق سجن "المزّة"
والذي يمثل في الجانب الأهم إرثًا
ثقيلاً من تاريخ القمع والاضطهاد
للسوريين، يمتد من أيام الانتداب
الفرنسي، حيث أقيم هذا السجن. وهذه
الإشارة في جانبيها، إنما تعني
تحولاً في الاعتراف بالآخر السياسي،
واستعدادًا للتعامل معه بعيدًا عن
الروح التي سادت في السابق. بل هي تعني
إضافة إلى ما سبق: بدء تصفية رموز عهد
من العلاقة الملتبسة بين السلطة
والمجتمع؛ وهي فكرة التقطها المنتدى
الحقوقي، حيث طالب في بيان علني
بإغلاق سجن "تدمر" العسكري، وهو
معتقل لا يقل رهبة في نفوس السوريين
عن سجن المزة.
هدوء
غير معهود
إن
الفهم العام لموقف السلطة في سوريا
إزاء ما يحدث من خطوات، يلخصه قول:
إنها لا تعارض تلك المبادرات
والخطوات، بل ربما كانت تشعر بارتياح
من هذه الخطوات بسبب ما تتسم به
الخطوات من اتزان وهدوء؛ مما يكفل
لسوريا انتقالات سياسية واقتصادية،
لا ترافقها هزات عنيفة وقوية في وقت
تتأكد توجهات العهد الجديد بالتغيير
والتجديد.
لقد
كرست السلطة موقفًا هادئًا في الرد
على بيان المثقفين السوريين -
والمعروف ببيان الـ 99 - حيث لم يتم
اللجوء إلى أية إجراءات زجرية أو
عقابية. وهي حالة بدت مستهجنة إزاء
مطالب، لعلها من أهم المطالب
السياسية التي طرحت في سوريا ما بعد
الاستقلال؛ إذ تضمنت مطالبة برفع
حالة الطوارئ والأحكام العرفية،
وإشاعة الحريات العامة، وربط
الإصلاحات السياسية بالاقتصادية،
وأخيرًا إصلاح القضاء.
وتجاوز
موقف السلطة إزاء البيان حدود
السكوت، إلى استجابة غير معلنة،
لكنها واضحة وصريحة لواحد من أهم
المطالب: وهو إطلاق سراح مئات
المعتقلين السياسيين من الاتجاهات
المختلفة، لكن التجاوز الأهم كان
تعليقًا غير معلن لقانون الطوارئ،
وهو ما تشير إليه الحالة العامة في
سوريا.
عام
2000: محصلة مشرقة
إن
محصلة العام الماضي من متغيرات
السياسة في سوريا، تضعنا مباشرة في
أفق متغيرات لعام 2001، وهو يفتتح قرنًا
جديدًا من عمر سوريا والسوريين،
بقيادة تبدو مختلفة في طموحاتها، وفي
تصوراتها وعلاقاتها مع السوريين
وقضاياهم. وبالإجمال، فإن المتغيرات
السياسية المحتملة، يمكن تلخيصها في
ثلاثة أمور أساسية:
الأول:
مشاركة أوسع للسوريين في إدارة
شؤونهم العامة عبر مؤسسات سياسية
وتمثيلية جديدة أو مجددة.
الثاني:
جو أوسع، لكنه أكثر وضوحًا في موضوع
الحريات السياسية والاجتماعية
والإعلامية.
الثالث:
استمرار مسيرة التغيير والتحديث
للبنية العامة في سوريا، ولا سيما في
الجانب السياسي، وما يتصل بدور
الهيئات السياسية ومنها مجلس الشعب،
وتجذير دورها في البلاد.
اقرأ
أيضاً:
|