بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

أوروبا وأمريكا الشمالية واستراليا

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


ضحايا الذخائر المشعة.. أمريكيون وأوربيون وعرب

14/01/2001

بون - نبيل شبيب

قضية الذخائر المشعة التي يواجهها حلف شمال الأطلسي ليست مجرّد قضية "أطلسية"، أو نزاع أمريكي -أوروبي داخل الحلف، وإذا كان الغرب يطرحها من زاوية كشف المسؤولية أو تمييعها بصدد إصابة جنود غربيين نتيجة غلبة الفكر العسكري والاستهتار بالإنسان، على أعلى المستويات العسكرية والسياسية، أو إذا كان الغرب يطرح القضية من زاوية العلاقات بين الدول الأعضاء في الحلف، فإن طرحها خارج نطاق الغرب ضروري على أكثر من مستوى آخر، بدءًا بمسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية عن "جرائم قتل" المدنيين أثناء المعارك العسكرية المعنية وبعدها، ومرورًا بالسؤال عن مخاطر الخلل في واقع التسلح العالمي بين امتلاك أسلحة "فتاكة" وعدم امتلاك أسلحة "رادعة"، وانتهاء بالسؤال عن مواجهة تنصيب الولايات المتحدة الأمريكية لنفسها في موقع "المسؤول" عن احتكار التقنية النووية ومكافحة انتشارها عالميًّا، مكافحة انتقائية تشمل حتى استغلال الطاقة النووية لأغراض سلمية، كما هو الحال مع تنصيبها لنفسها في موضع الادعاء العام والمحقق والقاضي والجلاد في ميادين أخرى، مثل ما تمارسه تحت عنوان مكافحة الإرهاب العالمي، أو ما تزعمه من دفاع عن حقوق الإنسان والأقليات.. وما شابه ذلك.

تابع في هذا المقال:

ما هي الذخائر المشعة؟

كلمة الذخائر المشعّة هي الوصف الأصحّ لتلك القنابل والقذائف المدفعية والصاروخية التي يسعى المسؤولون العسكريون والسياسيون في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية للتهوين من شأنها، وقد زوّدتها المصانع الأمريكية لرفع طاقتها على اختراق الترسانات الإسمنتية والفولاذية السميكة في المنشآت المستهدفة، بعنصر اليورانيوم وهو فيما يُسمّى مرحلة الاستنفاد أو النضوب، أي وهو في مرتبة النفايات المتبقية عادة في مصانع الطاقة النووية، وهذا ما يشير إلى أنّ صدور إشعاعات عنه أمر ثابت في الأصل، وإن كانت نسبتها خفيفة بالمقارنة مع اليورانيوم المخصّب، ولكن هل يعني أنها لا تسبب أضرارًا صحية وبيئية؟!

والثابت في هذه الأثناء أيضًا أنّ القوات الأمريكية قد استخدمت الذخائر المشعّة في حرب الخليج الثانية، ضدّ العراق، وفي حرب البوسنة والهرسك، وفي كوسوفا.

ومؤخرًا فقط كشفت مصادر وزارة الخارجية البريطانية، أنه بينما بلغ وزن عنصر اليورانيوم المستنفذ الذي دخل في صناعة 31 ألف قذيفة وقنبلة، ممّا ألقي في حرب كوسوفا دون 10 أطنان، فقد كان حجم ما استخدم في حرب البوسنة والهرسك في حدود 30 طنًّا، أما في العراق فقد بلغ ذلك 300 طن.. أي ما يعادل أكثر من 900 ألف قذيفة. وكشفت مصادر حلف شمال الأطلسي في هذه الأثناء عن خرائط تبين توزّع المناطق الملوّثة في كوسوفا، وامتنعت عن نشر خرائط مماثلة عن صربيا، بينما ما يزال المنشور عن البوسنة والهرسك مبدئيًّا غير مكتمل، أما عن العراق والكويت فلم يُنشر أي معلومات رسمية أو خرائط حتى الآن.

ولم يَعُد الأمر نظرية.. فقد ثبت في هذه الأثناء أيضًا، ورغم الإنكار الأمريكي المتكرر، أنّ هذه الذخائر سببت فعلاً التلوّث الإشعاعي في المناطق التي استخدمت فيها، ولوّثت الأسلحة والأبنية والمعدّات والمواد التي أصابتها أثناء القصف - وربّما التربة والمياه الجوفية والماشية - وهذا ممّا أكّده ساعة كتابة هذه السطور تحقيق جديد صدر عن الأمم المتحدة بشأن خمس مناطق على الأقل تعرّضت في كوسوفا للقصف عام 1999. أمّا أسباب الإنكار الأمريكي فلا تحتاج إلى تكهّنات بعيدة، ولعل أهم الأسباب أنّ واشنطن لا تريد التخلّي عن هذا السلاح وتطويره رغم ظهور أخطاره، وما كان استخدامه في التسعينيات الميلادية إلا من قبيل "التجربة الميدانية" كما يصنع الأمريكيون منذ زمن طويل في ساحات القتال "المناسبة" في أنحاء العالم، في إطار عمليات التطوير العسكرية لأسلحتهم.

ويضاف إلى ذلك عنصر آخر مرتبط بالإصرار الأمريكي المعتاد على عدم حمل المسؤولية السياسية عمّا يرتكبه الساسة الأمريكيون من مخالفات قانونية دولية وما يسببونه من مآسٍ بشرية إنسانية، وهو ما يصيب حاليًا فيمن يصيب ضحايا أوروبيين، بل وأمريكيين أيضًا. ثم علاوة على التهرّب من هذه المسؤولية السياسية، يبرز عامل مادي محض، وهو تجنّب التعويضات المالية، والتي يمكن أن تكون ضخمة وأن تترتّب على وزارة الدفاع الأمريكية وشركات صناعة السلاح الأمريكية، إذا ما ثبت بالموازين والمعايير الأمريكية - وليس عالميًّا فقط - أنّ الذخائر المعنية ليست "مضمونة" كما يقول المسؤولون حتى الآن، والذين لا يعيرون ما يثبت عالميًّا وزنًا أو اهتمامًا كما هو معروف.

ومن الجدير بالملاحظة في هذا الموضع، أنه سبق وقيل الكثير على مختلف المستويات غير الرسمية بشـأن الأضرار البشرية الكبرى في العراق، بسبب استخدام الذخائر المشعّة الأمريكية في حرب الخليج الثانية، ولكنّ حلف شمال الأطلسي والدول الغربية الأعضاء فيه، لم يطرحوا قضية تلك الذخائر على بساط البحث، بما في ذلك المطالبة الرسمية بسحبها، إلاّ بعد أن أصيب جنود أوروبيون ومات عدد منهم، وثارت ثائرة الرأي العام الأوروبي.

ضحايا الذخائر المشعة

سبعة جنود إيطاليين لقوا حتفهم نتيجة الإصابة بسرطان الدم، فضلاً عن عشرات الإصابات المماثلة في إيطاليا وبلجيكا والبرتغال وفرنسا وأسبانيا وهولندا وبعض الدول الشرقية.. إنّما لم تظهر حتى الآن سوى إصابة واحدة مشكوك فيها في صفوف الجنود الألمان المشاركين في القوات الأطلسية في كوسوفا، وهي إصابة من عام 1999م وتقرّر الآن العودة للتأكد من مدى علاقتها بالذخائر الأمريكية المشعة. ونجا الجنود الألمان من الإصابات "الخفيفة" أيضًا والتي بلغت المئات أوروبيًّا، وهو ما لفت النظر وتبيّنت أسبابه بعد أن تعرّضت وزارة الدفاع الألمانية لضغوط الرأي العام لبيان ما اتخذته من إجراءات.. فظهر أنّ القيادات العسكرية الألمانية كانت من بين القيادات العسكرية الأوروبية الوحيدة التي رفضت "تصديق" التأكيدات والتطمينات الصادرة عن القيادات العسكرية الأمريكية أثناء حرب كوسوفا، والتي وصفت الذخائر المشعة في حينه بأنها آمنة مضمونة لا ضرر يُنتظر منها على جنود الحلف، فرغم ذلك أصدرت القيادات الألمانية أوامر عسكرية إلى الجنود الألمان باتخاذ الاحتياطات والإجراءات الوقائية المعتادة للحماية من الإشعاعات، كلما اقتربوا من منطقة تعرّضت لقصف أمريكي بالذخائر المشعة.

ومن العسير القول إنّ الأمريكيين - لم يكذبوا - على الدول الحليفة، بل قالوا ما اعتقدوه صحيحًا، وربما كانوا يوهمون أنفسهم بالوصول إلى "تطوير" الذخائر المشعة بحيث لا تسبب "إضرارًا" ذاتيًّا، أو هذا على الأقل ما يُستنتج أو يُفترض استنتاجه من أنّهم استفادوا من دروس حرب الخليج الثانية، ومن تعامل جنودهم من قبل مع المشكلة في المناطق العراقية التي تعرّضت للقصف في حرب الخليج الثانية، فإصاباتهم معروفة، وتعرفها الجهات الرسمية أيضًا، وإن استمسكت إلى الآن برفض الربط بين ما عُرف في هذه الأثناء بوصف "أعراض حرب الخليج" وبين الذخائر المشعة، وهي ترفض أيضًا إجراء دراسات وبحوث علمية مستقلة أو الاعتراف بنتائج ما جرى من ذلك خارج نطاق مسؤولية القيادات العسكرية المعنية نفسها.

وفي مقدّمة ما صدر بصورة مستقلة ما قام ويقوم به "مركز البحوث القومية حول حرب الخليج" من بحوث بإدارة باول سوليفان، الذي يقول إنّ 250 ألفًا من أصل 700 ألف جندي أمريكي في حرب الخليج الثانية، قد وثّقوا لدى مركزه إصابتهم بتلك الأعراض المرضية، بينما بلغت الإصابات بسرطان الدم وسواه ممّا يسببه التعرّض للأشعة، ألوف الجنود، وبلغ عدد الوفيات عدة مئات.. وبقيت وزارة الدفاع الأمريكية على موقفها أنّ هذا لا علاقة له بالذخائر المشعة، وهذا "بعض" ما يجعل سوليفان يتهم الحكومة الأمريكية بالكذب والتزييف والخداع..

كما أجريت في ولاية ميسيسيبي الأمريكية بحوث على 251 جنديًّا من الذكور والإناث، شاركوا في حرب الخليج، فأحصيت إصابات بعاهات ولادية عند أطفالهم المولودين بعد الحرب، بنسبة الثلثين.. وبقيت الحكومة الأمريكية على موقفها.

ثم كان أول تقرير قدّمته وزارة الدفاع الأمريكية رسميًّا هو التقرير الصادر عنها قبل أيام تحت ضغط الحلفاء الأوربيين، ويتحدّث عن استخدام الذخائر المشعة في البلقان وليس في كوسوفا، ويتألف من أربعمائة صفحة، ويصل إلى النتيجة ذاتها القائلة بأن تلك الذخائر مضمونة.. وتضاربت الأقوال ما بين الرفض والموافقة على المطالب الأوروبية ولا سيما الإيطالية، بحظر استخدام الذخائر المشعة تحت العلم الأطلسي في المستقبل.

وسيّان أين تصل المشادّات الجارية داخل حلف شمال الأطلسي، فمعظم الدول الأوروبية الأعضاء قرّرت في هذه الأثناء إجراء فحوص اختبارية شاملة على كافة الجنود الذين شاركوا في حرب كوسوفا.. ولا بدّ هنا من السؤال، ماذا عن الجنود الذين شاركوا في حرب الخليج الثانية وفي البلقان أيضًا، من عدة دول عربية وإسلامية؟

لا يبدو أنّ الموضوع مطروح حتى الآن أصلاً، ومن العسير الاعتقاد بأن السبب هو عدم وجود إصابات، فمن المعروف أن الجنود العرب، ولا سيما من السعودية والكويت، كانوا هم المكلفين بالتحرّك في نقاط الاحتكاك العسكري المباشر، وكذلك بالتوغّل في المناطق التي تقصفها الطائرات والصواريخ الأمريكية والبريطانية وغيرها عن بُعْد من الجو، والتي ينسحب "العرب" العراقيون منها، فخشية من أن يكونوا قد خلّفوا فيها كمائن أو ألغامًا، كان على الجنود "العرب" الآخرين أن يتقدّموا في تلك المناطق قبل الجنود الغربيين، وبالتالي فهؤلاء الجنود العرب، كانوا هم الأشدّ تعرّضًا لمخاطر الإشعاعات النووية التي خلّفتها الحرب، فما هي النسبة المئوية المحتملة للإصابات إذا كانت النسبة المئوية بين الجنود الأمريكيين تناهز أربعين في المائة؟

هذا علاوة على ما هو معروف في تقارير دولية عديدة بشأن انتشار الإصابات بسرطان الدم وسواه من الأمراض الإشعاعية الخطيرة، وانتشار العاهات لدى الأجنّة، على نطاق واسع بين المدنيين لا العسكريين فقط، في جنوب العراق على وجه التخصيص، أي الجزء من العراق الذي تعرّض للقصف بالذخائر المشعّة أكثر من سواه، وهناك بلغت نسبة الوفيات نتيجة إصابات مرضية ذات علاقة بالأشعة - ناهيك عن الإصابات المرضية والعاهات التي لم تنته إلى وفاة - أكثر من عشرة أضعاف ما كانت عليه قبل حرب الخليج الثانية.

سجل الإجرام النووي

يقول باول سوليفان: "إنّ واشنطن لم تكن تقاتل في حرب الخليج ضد العراقيين بل ضد الجنود الأمريكيين أيضًا".. وقد يُستغرب هذا القول من داخل الولايات المتحدة الأمريكية عن زعمائها، عند مقارنته بما نسمع أنّ واشنطن لا تتورّع مثلاً عن قصف صاروخي مركّز لأفغانستان والسودان بدعوى الانتقام لمقتل عدد من الأمريكيين، ولا تتردّد عن مقاطعة بلد مثل ليبيا دوليًّا ولعدة أعوام بدعوى مقتل عدد من الأمريكيين.. ولكن من الضروري للجمع بين "المتناقضات" جمعًا منطقيًّا، السؤال عن الطرف القائم على صناعة القرار في واشنطن، وليس عن إخراج القرار سياسيًّا أو دبلوماسيًّا أو إعلاميًّا، وهنا لا بدّ من اعتبار ما يسمّى "لوبي" صناعة السلاح الأمريكي طرفًا رئيسيًّا في صناعة القرار. ويمكن أن نتصوّر في قضية الذخائر المشعة ما يمكن أن يعنيه صدور أي موقف عن واشنطن يفيد اعترافها بالذنب وتحمّلها المسؤولية السياسية ومسؤولية التعويضات المالية.. تجاه الجنود الأمريكيين أنفسهم، ولا يُنتظر بطبيعة الحال شيء من ذلك على مستوى التعامل مع الحلفاء في حلف شمال الأطلسي الذي تهيمن عليه واشنطن بصورة واضحة.

ولا يقاس هذا الأسلوب من التعامل مع الأسلحة المعنية وضحاياها بمقاييس الأخلاق والقيم بطبيعة الحال، وإنما بالمقاييس المادية والمصلحية المحضة، ولا يُنتظر أن يتبدّل هذا الأسلوب في المستقبل المنظور.. فالواقع أنّ له تاريخًا "عريقًا" جعله ثابت الأركان، ولا يتزحزح عن العمل على الحيلولة دون تأثير عنصر القيم على ما يصنعه العنصر المادي المحض، سواء وُصف بالمصالح أو الحرية الفردية أو بالتقدّم أو سوى ذلك من الأوصاف فالحصيلة واحدة، وكان من محطاتها البارزة في السجل النووي الأمريكي على وجه التخصيص، أن التجارب النووية على الأرض الأمريكية نفسها سبّبت تلوّثا إشعاعيًّا مع سائر ما يرتبط به من أضرار بيئية وصحية، وما ترتّب عليه من وفيات، وعاهات، وإصابات، وتحدّثت عن ذلك تقارير ودراسات عديدة من داخل الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن لم يوصل شيء من ذلك إلى موقف رسمي قويم، أو تعويضات مالية، أو تعديل في سياسة صناعة السلاح النووي.

من هنا يجب طرح السؤال: أليس من الخطأ النظر إلى قضايا أسلحة الدمار الشامل عمومًا، بدءًا بالتقنيات المتطوّرة التي تسمح بصناعتها، ومرورًا بإنتاج تلك الأسلحة على اختلاف أنواعها، وانتهاء بقضايا آنية من قبيل الذخائر المشعّة الأمريكية حاليًا؟!.. أليس من الخطأ الاستمرار على النظر في هذه القضايا وفق المنظور الأمريكي، أو الأطلسي، أو الغربي عمومًا، سواء أعطي عنوان "مفاوضات دولية" أو مواثيق واتفاقات عالمية، أم لا؟

وبتعبير آخر مبسّط: إنّ "زعماء" الولايات المتحدة الأمريكية المتحكمين في صناعة القرار فيها غير مأمونين على الجنود الأمريكيين أنفسهم، فهل يمكن الاطمئنان إليهم، أو القبول بهم أو بزعامتهم الانفرادية عالميًّا، في قضايا من قبيل "حظر انتشار الأسلحة النووية والكيمياوية والحيوية"؟، وهو ما يجري حاليًا بأسلوب "احتكار" صناعة تلك الأسلحة وتخزينها وتطويرها احتكار التقنيات المتطوّرة المرتبطة بها، لدى الأمريكيين، وبعض من يرضى عنه الأمريكيون.. (أو من يتمرّد عليهم أيضًا ويصنع لنفسه شيئًا من القوة الرادعة).

ومن المعروف أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تتزعّم في الوقت الحاضر حملات "الاحتكار" هذه وهي لا تفتأ تردّد منذ عشرات السنين، أنّ أكبر الأخطار على البشرية، هو عدم ضمان "تغلّب الحكمة والعقل" في استخدام هذه الأسلحة وتلك التقنيات، إذا ما وصلت إلى أيدي زعماء "رعناء" غير مضمونين، في دول تحكمها أنظمة استبدادية، مثل كوريا الشمالية أو العراق، أو إذا وصلت بطريقة ما إلى منظمات إرهابية وفق تعريف واشنطن للإرهاب بطبيعة الحال، أو حتى إذا وصلت تلك الأسلحة والتقنيات إلى دول "صديقة" لواشنطن حاليًا، فهي تحسب حساب تقلّبات الحكم والسلطة فيها على غير ما تشتهيه الدولة النووية الأولى!

ولم يثبت بعد بالتجربة العملية وليس بالاتهام النظري، إلا على الولايات المتحدة الأمريكية، أنها أشدّ الأطراف في العالم ارتكابًا للإجرام على مستوى استخدام الأسلحة الفتاكة بمختلف أنواعها، وهذا كلّما ضمنت لنفسها عدم وجود "قوّة رادعة" يمكن أن تصيبها إصابة "موجعة" ما.

هي الدولة الوحيدة حتى اليوم التي استخدمت السلاح النووي، كما كان في الحرب العالمية الثانية، ولم تستخدمه جهلاً بمفعوله باعتباره كان جديدًا آنذاك عند قصف مدينة هيروشيما به، بل واستخدمته مرة ثانية بعد ستة أيام في قصف ناغازاكي، أي بعد أن ظهر مفعوله الوحشي في قتل المدنيين وتدمير العمران على أوسع نطاق.. فكانت جريمة ثانية عن سابق إصرار وتدبير وتصميم، بل ومن باب "الانتقام" فقط، وكان انتقامًا من المدنيين، فاليابان عند قصفها كانت في حكم المهزومة عسكريًّا على كل حال، والحرب العالمية الثانية كانت بحكم المنتهية واقعيًّا.

والولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة التي يحفل سجلها أكثر من سواها بجرائم استخدام الأسلحة الكيمياوية والحيوية على أوسع نطاق، فضلاً عن استخدام الأسلحة التقليدية المحظورة من مثل القنابل الحارقة والألغام الموجّهة ضد المدنيين، وأنواع القنابل العنقودية والانشطارية وغيرها..

وإذا أردنا وضع قائمة تعدّد الأسباب الموضوعية المحضة، لتسمية "مجرمي الحرب" وفق نوعية السلاح المستخدم، وأسباب استخدامه، وضحاياه، وظروف استخدامه، لاحتلت الولايات المتحدة الأمريكية عبر تاريخها الطويل منذ إبادة الهنود الحمر إلى اليوم، رأس هذه القائمة دون منازع، وبفارق ضخم عن كل من يمكن أن يتبعها.

من سبل المواجهة

تتطلب مواجهة مساعي الولايات المتحدة إلى تحقيق زعامة انفرادية مهيمنة على سواها في هذه القضية بالذات، من المسئولين العرب والمسلمين خاصة:

1 - أن يستشعروا مسؤوليتهم تجاه بلادهم وشعوبهم بصورة مختلفة عمّا يصنعه المسؤولون الأمريكيون مع جنودهم وجنود حلفائهم.

2 - رفض الاستجابة بصورة انفرادية وجماعية، للمساعي الأمريكية فضلاً عن المشاركة فيها، للحيلولة دون توفير أسباب القوة العسكرية الرادعة بمختلف أنواعها الممكنة، في البلدان العربية والإسلامية، والدعم الجماعي لمن يتحرّك على هذا الصعيد منها.

3 - رفض الانضمام بصورة انفرادية وجماعية، إلى معاهدات دولية والانسحاب من القائم منها، إلاّ إذا تضمّنت نصوصًا قابلة للاختبار عند التطبيق بما يلزم الولايات المتحدة الأمريكية وسواها من الدول التي تحتكر أسلحة الدمار الشامل وتقنياتها، بالشروع في إتلاف المخزون منها وحظر المزيد من الإنتاج والتطوير.

ولكن البديل المستقبلي الذي يمكن التعويل عليه تعويلاً أكبر على ضوء ما بدأنا نرصده من ارتفاع مسـتوى الوعي العام بالأحداث والتطوّرات والواقع العالمي، هو إيجاد أرضية شعبية جماهيرية واسعة النطاق من الضغوط على كل من يحمل مسؤولية صناعة القرار، وطنيًّا وعربيًّا وإسلاميًّا ودوليًّا، في اتجاه يعبّر تعبيرًا واضحًا عن رفض السياسات الأمريكية في ميدان التسلّح والأمن الدوليّين على وجه التخصيص، وهو ما يمكن أن يتخذ أشكالاً متعدّدة على حسب الظروف والمعطيات:

1 - بدءًا بحملات التوعية للكشف عن السجل النووي الأمريكي والمخاطر المستقبلية الناجمة عن تفاقم الاحتكار الأمريكي لأسلحة الدمار الشامل.

2 - مرورًا بتشجيع كل عمل يستهدف إضعاف تغلغل الهيمنة الأمريكية عالميًّا في مختلف الميادين، تغلغلاً بات يؤثر على الأذواق والأفكار والعادات المعيشية، ومثال ذلك العمل المطلوب ما بدأ ينتشر تحت عنوان المقاطعة الشعبية للسلع والخدمات الأمريكية.

3 - وانتهاء بالسعي لتشكيل هيئات دولية مشتركة، من شخصيات ذات اعتبار ومكانة؛ لتنظيم محاكمات علنية لمرتكبي الجرائم الكبرى في حق الإنسانية، ولا سيما من الأمريكيين، وعناوينه والشهادات التاريخية عليه قائمة في هيروشيما وناغازاكي وفيتنام وكوريا وسواها.. وقامت وتقوم صباح كل يوم جديد في فلسطين. 

اقرأ أيضاً:


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع