|
شهدت
الساحة السياسية في العاصمة
الباكستانية أوائل الشهر الجاري
ائتلافًا كبيرًا تم بين ثمانية عشر
حزبًا من الأحزاب السياسية
الباكستانية، بما فيها حزب الرابطة
الإسلامية الذي تتزعمه حاليًا كلثوم
نواز، زوجة نواز شريف المخلوع، وحزب
الشعب الباكستاني برئاسة بنظير بوتو
التي تعيش في المنفى. ويترأس الائتلاف
نصر الله خان، الشهير بصانع
الائتلافات المعارضة، مستهدفًا
إعادة الديموقراطية، ذلك الشعار الذي
يفسره كل اتجاه بما يخدم مصالحه، ومما
برر للمعارضة قيامها بتشكيل هذا
الائتلاف أيضا هو عجز حكومة العسكر عن
دحض الإرهاب، وإهمال القوة القضائية
في إصدار أحكام رادعة بحق المتورطين
في أعمال العنف، والفشل الذريع في حل
أزمة كشمير المزمنة، واستمرار التدخل
في أفغانستان، وتدهور الأوضاع
الاقتصادية، وأخيرا تحديد نشاطات
الأحزاب السياسية، الأمر الذي يعارض
مبادئ الديموقراطية.
وبالطبع
توجيه المعارضة كل هذه الاتهامات نحو
العسكر ليس في كله مبنيا على الصواب،
إذ إن العسكر قد تولوا مهمة الحكم
والبلد في زوبعة من العواصف
السياسية والاقتصادية والاجتماعية
كانت قد هبت على سماء البلد، بعد
حكومة مدنية سبقتها والتي استمرت
لمدة 11عاما، بدءا بمجيء حكومة بنظير
بوتو عام 1988 ومن بعدها نواز شريف،
اللذان تناوبا السلطة بينهما لغاية
أكتوبر عام 1999 لتصل من الفساد درجة هيأت
بيديها أسباب إطاحتها، مع العلم بأن
حكومة العسكر بطبيعة الحال غير خبيرة
بالسياسة.
ومما
دفع "التحالف الديمقراطي الكبير"
الذي ظل قيد النقاش بين هذه الأحزاب
منذ الشهور الأربعة الماضية، لتشديد
فاعلياته السياسية هو اقتراب رأس
السنة المقبلة، ذلك الذي حددته حكومة
الجنرال برويز مشرف زمنا لانتخاب
أعضاء مجالس الشورى المحلية أو
الحكومات المحلية المقصودة لتثبيت
جذور الديمقراطية الحقيقية لا "الديمقراطية
المخجلة"، حسب تعبيره. وبموجب هذا
القانون ستنتقل صلاحيات الدولة
المركزية إلى الوحدات الإدارية
الأدنى، ويُسحب قدر لا يستهان به من
الصلاحيات التنفيذية من المراكز
الحكومية - المحتكرة عادة بأيدي
البيوروقراطيين في البرلمان المركزي
والولايات الأربعة - لتخول إلى
السلطات المحلية في المحافظات
والمديريات، للتخفيف من المركزية،
وللمشاركة الشعبية في السلطة في
مجالس إدارية صغيرة تُسمى بالمجالس
المحلية التي سيبلغ عددها (225000) مجلس
في كافة أرجاء باكستان.
وترفض
الأحزاب الخطة بحجة أن هذا الانتقال
الذي يدل بظاهره على اللامركزية، نوع
من سلب صلاحيات البرلمانات المحلية لتخول
إلى البرلمان المركزي، ومن ثم إلى
الرئيس العسكري- في غياب البرلمان
المركزي.
خطوات
عملية
وقد
أعلنت الأحزاب الحليفة المعارضة في
أول خطوة عملية في اليوم الثاني من
جلستها في 6 ديسمبر 2000 في إسلام آباد،
مبادرتهم بمقاطعة الانتخابات. ويبدو
بجلاء أن اتخاذ هذه الخطوة لا يخدم
مصلحة، اللهم سوى إنقاذ جلود حزبي
الرابطة والشعب غير القادرين على
المشاركة في الاننتخابات، نظرا لأن
العسكر كانوا توصلوا في سبتمبر
المنصرم إلى إصلاحات دستورية وإدارية
عبر تعديل قانون 1962م للأحزاب
السياسية، بموجبه يمنع ترشيح أي زعيم
سياسي صدر ضده حكم قضائي لأكثر من
عامين، ويحظر عليه الانتساب إلى أي
حزب أو خوض الانتخابات باسمه أو
الترشيح لتمثيله في البرلمان، كما
يحثُّ جميع القوى التي تنوي المشاركة
في العملية الانتخابية إلى كشف
ميزانياتها السنوية ومصادر التمويل
المختلفة. ولذلك فالمادتان تمنعان
الحزبين البارزين من المشاركة، فضلا
عن فضحهما شر فضيحة.
وإلى
جانب ذلك، فإن بعض الأحزاب في هذا
الائتلاف يرفض الانتخابات لأسباب
أخرى، منها إسهام المرأة بنسبة 33% في
المجالس، وهو ما يدفع المرأة للخروج
إلى مجالس عامة، فضلاً عن كون المرأة
الباكستانية عاجزة عن تولي هذه
المهمة، نظرا لإشاعة وارتفاع نسبة
الأمية بين النساء بنسبة (74 %) .
وإذا
ما نجحت المعارضة في حث الشعب على
مقاطعة الانتخابات، تكون الحكومة
العسكرية في أزمة حقيقية، أشد من
مواجهاتها في الشارع مع الشعب في
إضرابات من أجل الضرائب في الصيف
الماضي.
ائتلافات
مصلحية مؤقتة
والمتابع
لتاريخ الأحداث السياسية في باكستان
يلاحظ أن أمر ائتلاف الأحزاب ضد
الحكومات العسكرية ليس بأمر جديد، إذ
حدث ذلك في أواخر الخمسينيات مما أطاح
بحكومة الجنرل يحيى خان بيد حزب
الرابطة الإسلامية الذي كان يتمتع
يومئذ بقوة شعبية، ثم ضد حكومة الجنرل
أيوب خان في أواخر السبعينيات، بيد
حزب الشعب الذي شكله ذو الفقار علي
بوتو. فضلا عن تجمع المعارضة في عهد
الجنرل ضياء الحق كاد أن يطيح بحكومته
قبيل وفاته في حادث سقوط طائرته عام
1989. وقد نجحت كل هذه الائتلافات
وأطاحت بالحكومات العسكرية، بيد أن
الأمر مختلف هذه المرة من جوهره، فقد
ضعفت المعارضة من المدنيين بصورة
ملحوظة، وذلك بتشتت عميق في داخل حزب
الرابطة، ومات حزب الشعب سياسيا
نتيجة تورطه في فسادات مالية وسياسية.
حروب
طاحنة بين العسكر والمعارضة
منذ
إطاحة العسكر بحكومة نواز شريف في
الثاني عشر من شهر أكتوبر عام 1999، خاض
العسكر حروبًا طاحنة مع الأحزاب
المعارضة بصورة غير مباشرة، منها
حربه غير المباشرة مع الأحزاب
المختفية وراء الإضرابات من أجل
الضرائب التي عصفت بالبلاد واستمرت
لقرابة ثلاثة أشهر وخسر البلد بسببها
بلايين الدولارات.
وخاض
العسكر حربًا أخرى في جبهة مع
الإقطاعيين الموالين للأحزاب
المدنية الكبرى، فحسب بعض الإحصائيات
فإن خمسين أسرة ثرية- وهم رؤوس
الإقطاعيين والصناعيين الأثرياء-
تحكم باكستان وتتولى مصير البلاد
بيديها، وقد حاول برويز مشرف التخلص
من هؤلاء، فأعلن في فبراير 2000 عزمه عن
بدء مشروع إصلاح الأراضي، الذي يعني
توزيعها لقطع أوصال الإقطاعيين؛
لتنمو بدلها طبقة متوسطة تقدر على
دفع الضرائب وتستطيع الحكومة
تطويعها، وقد تكهن الاقتصاديون بأنه
لو استمرت الظروف على غرار ما هي
عليه الآن، فإنها ستمحو تدريجيا
الطبقة المتوسطة؛ لتحل محلها الطبقتان
الفقيرة والثرية.
وأخيرًا
كانت تلاحظ ضغوط الأحزاب على العسكر
من خلال إثارة الرأي العام الدولي ضد
العسكر، ومن ذلك دفع رؤساء الكومنولث
البريطاني لتعليق عضوية باكستان؛
لإجبار العسكر على العودة
للديموقراطية، ومن ذلك أخيرا تصريحات
أدلى بها مسئولو الاتحاد الأوربي.
وبرغم
ذلك كله، فإن حكومة مشرف مصممة على
تنفيذ خططها، على خلفية تمتعها- إلى
حد ما- بالشعبية، لا لأنها هي
المنتخبة المفضلة، بل لانعدام بدائل.
ناهيك أن "مشرف" يعتمد على
القوات المسلحة لكونه رئيسًا
تنفيذيًّا لكافة القوات
الباكستانية، فضلا عن أنه يستغل سمعة
السياسيين السيئة لصالح أغراضه
وأطماعه السياسية.
ومن
هذا المنطلق بإمكاننا القول: إن
باكستان في حالة لا يحسد عليها، اللهم
إلا إذا أدرك العسكر والسياسيون
خطورة الأمر وقاموا بمبادرة صادقة
لحل أزمتهم المتنامية.
ويرى
الخبراء أن الظروف الراهنة في
الباكستان تتطلب من الجيش والسياسيين
أن يعملوا سويًّا، لا أن يتناحروا؛
وذلك لمواجهة التحديات الإستراتيجية
مثل قضية اتفاقية الحظر الشامل على
التجارب النووية، وقضية كشمير، ولا
يتم ذلك إلا من خلال توافر انسجام
كامل وإقامة وضع تشاوري صحيح بين
الجيش والحكومة المدنية، وأن سيطرة
هذا الأجواء لم تخدم البلد يومَا ما
بقدر ما وفرت المناخ لنمو شتى
المشكلات السياسية والاجتماعية
والاقتصادية.
حكومة
العسكر والعنف
ليس
بوسع أحد وصف حكومة مشرف بحكومة
فائزة، ولا سيما في ظل ما يجري في
باكستان، لأسباب عديدة أهمها عدم
تمكنها من قمع العنف أو حتى وضع حد له،
ذلك الذي يأخذ ضحاياه بلا هوادة، بحيث
وصل الأمر إلى عشر حالات عنف
أسبوعيًّا خلال نوفمبر 2000. ويرى
المتابعون لقضايا العنف أن جذوره
متعددة، لكن السياسة الخاطئة المتخذة
تجاه المتورطين في العنف، واستمرار
اختلافات الأحزاب المتناحرة،
وانعدام التعاون بينها، وتفشي الفقر
المدقع، واستمرار أزمة كشمير، وأخيرا
استمرار الحرب في أفغانستان وتدخل
الباكستانيين فيها حكومة واستخبارات
وأفرادًا، هي من أهم العوامل وراء
ظاهرة العنف.
هل
ستكلل محاولات المعارضة بالنجاح؟
هل
يمكن أن يتوصل هذا التحالف إلى
النتيجة التي يريدها؟ وهل لهذا
الائتلاف ثقله السياسي بحيث يشكل قوة
ضاغطة حقيقية يمكّنه من رضخ العسكر
للتخلي عن السلطة وتمثيل المستقبل
السياسي للبلد؟
يرى
بعض الخبراء الباكستانيين الجواب
بالنفي؛ ذلك أن هذه الأحزاب فقدت
شعبيتها وأن الناس قد تعبوا من الساسة
المبتزين، فالمعروف لدى عامة الشعب
الباكستاني أن معظم قادة الأحزاب
السياسية- ولا سيما حزب الشعب وحزب
الرابطة الإسلامية- ليسوا إلا مجرد
أناس يستغلون السياسة لابتزاز أموال
الشعب تحت غطاء الديمقراطية.
ويرى
هؤلاء أن هدف الأحزاب من وراء تشكيل
هذا الائتلاف هو:
1
ـ بذل مساعٍ مشتركة من قبل زعماء
الأحزاب ولا سيما حزب الرابطة
الإسلامية وحزب الشعب لإخفاء ثرواتهم
التي عثروا عليها في أثناء سيطرتهم
على مقاليد الحكم.
2
ـ تقوية مواقفهم السياسية في وجه
القوة القضائية التي تتابع الجرائم
المالية والسياسية ضد زعماء هذه
الأحزاب.
وبرغم
ذلك، فإنه من الممكن أن تجني الأحزاب
ثمرة ائتلافها ووحدة صفها، وتخلق لها
ثقلًا سياسيًّا إذا ما احتفظت بوحدة
الموقف وتقاربت وجهات النظر
المتعارضة، وتركت المصالح الحزبية
لصالح الأهداف المشتركة، بتعاون صادق
بين أعضائها، وأخيرا الاستفادة من
تجارب الأخطاء الماضية، وعندئذ من
الممكن أن تكون التطورات مخاضا لتحول
سياسي في الساحة السياسية في
المستقبل القريب.
اقرأ
أيضًا:
|