|
يبدو أن موسم الانتخابات في البلقان
يتواصل دون انقطاع، و يتواصل معه
التفاؤل بتطبيع الوضع على الأرض بعد
عقد من الحروب والمآسي. وهكذا يتوجه
الاهتمام الآن نحو الانتخابات
البرلمانية الصربية في 23 كانون الأول/ديسمبر
الحالي، ونحو الانتخابات البرلمانية
المتوقعة في كوسوفا خلال الربيع.
ويبدو أن تطبيع العلاقات بين
الطرفين، الألبان والصرب، ينتظر ما
تتمخض عنه هذه الانتخابات .
كوشتونيتسا
يدعو روغوفا إلى الحوار
وفي
انتظار ذلك، تبدو في هذه الأيام
تجاذبات صربية/ألبانية وإقليمية/دولية
قد تؤثر على ما هو قادم في المستقبل
القريب. وقد بدأت هذه التجاذبات في
مطلع ديسمبر الحالي حين وجه الرئيس
الصربي/اليوغسلافي فويسلاف
كوشتونيتسا دعوة إلى الزعيم الألباني
المعتدل د. إبراهيم روغوفا – الذي فاز
حزبه في الانتخابات المحلية التي جرت
مؤخرا في كوسوفا – من أجل "الحوار
السريع حول الوضع الراهن في إقليم
كوسوفا ومستقبله". ومن الواضح هنا
أن بلغراد كانت تراهن على فوز د.
روغوفا في الانتخابات وعلى حوار
ثنائي صربي - ألباني (كوشتونيتسا -
روغوفا) حول مستقبل كوسوفا . إلا أن
الظروف المستجدة تجاوزت هذه المبادرة
لتفتح المجال الآن أمام ترتيبات
إقليمية - دولية جديدة .
استقلال
كوسوفا أمر مفروغ منه
وتجدر
الإشارة إلى أن الولايات المتحدة
كانت قد كشفت لأول مرة على لسان "عراب
البلقان" ريتشارد هولبروك أنها
تعتبر أن قرار مجلس الأمن 1244 لا ينفي
استقلال كوسوفا، وأنها تقترح أن
يناقش ذلك في مؤتمر دولي . ولا شك أن
مثل أن هذا الموقف قد شجع أكثر
الألبان على الإصرار على استقلال
كوسوفا. وكانت الانتخابات المحلية -
التي جرت في كوسوفا مؤخرا وسط تنافس
جاء بين حزب "رابطة كوسوفا
الديمقراطية" برئاسة د. روغوفا و"حزب
كوسوفا الديمقراطي" برئاسة هاشم
تاتشي القائد السابق لـ "جيش
التحرير" - قد أدت إلى التأكد أكثر
من أي وقت مضى على موضوع الاستقلال (مع
بعض التباين في مفهوم هذا الاستقلال).
ولاشك أن طرح هذا الهدف (الاستقلال) في
الحملة الانتخابية القوية وضع الحد
الأدنى الذي لم يسمح لأي طرف بتجاوزه (حتى
ولو كان د. روغوفا) لأن الجميع الآن
يتطلع للفوز في الانتخابات
البرلمانية القادمة التي ستكون
الحاسمة.
ومع
هذه الأجواء تبلور في كوسوفا موقف
ألباني جديد، يقطع الطريق على د.روغوفا
وغيره الحوار أو التفاوض مع بلغراد؛
بمعنى تأجيل كل حوار أو تفاوض مع
بلغراد إلى ما بعد الانتخابات
القادمة في كوسوفا، والتي يفترض أن
تفرز "القيادة الشرعية" التي يحق
لها أن تتحدث وتفاوض باسم كوسوفا .
أول
"حوار" صربي ألباني
وفي
انتظار ذلك، جرى في الأسبوع الماضي
أول "حوار" صربي - ألباني حول
مستقبل كوسوفا في أثينا؛ وذلك في إطار
ندوة دولية مهمة عُقدت هناك حول "الألبان
كأغلبية وكأقلية - حوار إقليمي" (1-3
كانون الأول/ديسمبر) بتنظيم من "المؤسسة
الأمريكية للعلاقات الإثنية".
ويلاحظ هنا أن هذه الندوة تميزت بحضور
قوي على المستوى البلقاني، إذ شارك في
أعمالها وزير الخارجية اليوناني جورج
باباتدريو، ووزير الخارجية الصربي/اليوغسلافي
غوران سفيلانوفيتش، ووزير الخارجية
الألباني باسكال ميلو، ود. إبراهيم
روغوفا وغيرهما، بالاضافة إلى د.
برنارد كوشنر رأس الإدارة الدولية في
كوسوفا .
وتجدر
الإشارة هنا إلى أن هذه الندوة كشفت
عن أنه لا استقرار في البلقان دون
استقرار الألبان، خاصة وأنهم سيكونون
في المستقبل القريب (2020) الشعب الأكبر
(20 مليون) في البلقان، أي حوالي 30% من
سكان البلقان . ولا شك أن هذا النمو
الديموغرافي الصارخ، الذي له أسبابه
الثقافية والاجتماعية والسياسية،
سيفرض حقائق جديد على الأرض نظراً لأن
معظم الألبان يدينون بالإسلام .
تحرر
كوسوفا والدور الجديد
وهكذا،
في مثل هذا الجو الذي أخذ يتفهم الدور
الجيوبوليتكي الجديد للألبان في
البلقان، كان من الملفت للانتباه أن
بلغراد خطت أول خطوة في هذا الاتجاه .
فالألبان يشعرون أنهم خرجوا من "القمقم"
الذي كانوا حبيسين فيه حوالي نصف قرن
داخل "ألبانيا أنور خوجا" و"يوغسلافيا
تيتو". ومع تحرر كوسوفا من صربيا
تبدو في الأفق الآن أهمية كوسوفا التي
تكاد تكون الآن "بيضة القبان في
البلقان" . فكوسوفا مرشحة (كما كانت
في التاريخ الحديث للألبان) أن تلعب
دوراً مهماً في التوازن البلقاني، إذ
أنها بموقعها المتوسط بين ألبانيا
ومقدونيا (التي تحكمها الآن لأول مرة
حكومة ائتلافية مقدونية - ألبانية)
والجبل الأسود وصربيا ستمثل مركز
الثقل الألباني (الديموغرافي
والثقافي والسياسي) في 2020 .
بلغراد
تريد التدخل وروغوفا يرفض
وفي
مواجهة هذه المستجدات يمكن تفهم خطوة
بلغراد الجديدة، التي تقبل فيها أن
تناقش مستقبل كوسوفا في إطار إقليمي/دولي
وليس ثنائي كما كانت تفضل حتى الآن .
ففي ختام هذه الندوة، عبر وزير
الخارجية الصربي/اليوغسلافي
سفيلانوفيتش عن رأيه بأن مستقبل
كوسوفا يمكن أن يناقش في مؤتمر ما بين
ممثلي كوسوفا ويوغسلافيا والمجتمع
الدولي، مع ترحيبه بـ "دور خاص"
لألبانيا وبلغاريا واليونان
ومقدونيا في هذا المؤتمر . وبعبارة
أخرى، يبدو هذا الاقتراح أقرب ما يكون
إلى تأطير بلقاني جديد بإشراف دولي
يأخذ بعين الاعتبار الوضع في البلقان
كما سيكون عليه في 2020 . إلا أن د.
روغوفا رد على سفيلانوفيتش بعد عدة
أيام حين صرح – في لقاء مع مجلة "ديرشبيغل"
الألمانية في 12/12/ 2000 - أن موضوع
استقلال كوسوفا محسوم و "لا يحتاج
إلى سؤال بلغراد" .
كوشتونيتسا
يستعين بإيطاليا الصديقة
وقد
جاء تصريح روغوفا ليثير المزيد من
الآراء والمواقف السياسية في المنطقة
.
ففي
اليوم ذاته (12/12/2000) كان كوشتونيتسا في
زيارة خاطفة إلى إيطاليا (الأقرب إلى
بلغراد) حيث صرح هناك أنه يؤيد "الحكم
الذاتي" لكوسوفا ضمن حدود
يوغسلافيا كدولة متعددة القوميات.
وبهذه الزيارة أوضحت إيطاليا أنها
تؤيد الوحدة الترابية ليوغسلافيا
الباقية لأنها تعتبر ذلك لصالح
الاستقرار في البلقان .
إلا
أن ألبانيا، التي تخشى دائما من أي
تقارب يوغسلافي/إيطالي، ردت بدورها
على لسان وزير الخارجية باسكال ميلو
في 16/12/2000 برفض الاقتراح الذي قدمه
وزير خارجية صربيا/يوغسلافيا
سفيلانوفيتش، والذي يقتضي بأن تكون
دول البلقان مشاركة للوضع النهائي
لكوسوفا . وذكر في معرض تبريره لذلك أن
مشكلة كوسوفا ليست إقليمية فقط بل هي
مشكلة دولية؛ ولذلك لابد من حلها
بواسطة المؤسسات الدولية، لأن دول
المنطقة عاجزة عن أن تضمن مشكلة معقدة
كهذه .
السفير
البريطاني "لا يستعجل" على الوضع
النهائي
وفي
اليوم ذاته (16/12/2000) نشرت جريدة "داناس"
البلغرادية المستقلة مقابلة مع
القائم بأعمال السفير البريطاني في
بلغراد دافيد لاندسمان، الذي بدا
كأنه يرد على تفسير السفير الأمريكي
هولبروك لقرار مجلس الأمن 1244
واقتراحه بعقد مؤتمر دولي . فقد صرح
لاند سمان في هذه المقابلة أن "الوضع
المستقبلي لكوسوفا هو دون شك مشكلة
يجب أن يتفق عليها بلغراد وممثلي
كوسوفا المنتخبين". وبالمقارنة مع
التفسير الأمريكي لقرار 1244 الذي يرى
أنه لا ينفي استقلال كوسوفا، صرح
لاندسمان أن قرار 1244 لم يوضح الوضع
النهائي لكوسوفا؛ بل إن هذا الأمر"
ترك للمفاوضات في الوقت المناسب" (نشرة
"تشيك" 16/12/2000) .
ولاشك
أن كل هذا يدفع الأمور إلى إطار
إقليمي/دولي (ثنائي بإشراف دولي يشارك
فيه ممثلون ومراقبون عن دول البلقان ).
وقد يعقد في خريف 2001، بعد أن تفرز
الانتخابات القادمة في كوسوفا "الممثلين
الشرعيين" وبعد أن تكون الإدارة
الأمريكية الجديدة قد أوضحت سياستها
في البلقان.
اقرأ
أيضًا:
|