|
يبدو
الوفاق في السودان سرابًا يستثير
رغبة الظمآن فيظل يلاحقه ويسعى نحوه
حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، فمنذ
شهور قليلة أبدت الأوساط السودانية
بعض التفاؤل إثر اللقاء الذي تم بين
الرئيس السوداني عمر البشير والسيد
محمد عثمان الميرغني- رئيس التجمع
السوداني المعارض- بالعاصمة
الإريترية- أسمرة- برعاية الرئيس
الإريتري أسياس أفورقي؛ ولكن سرعان
ما تبخر هذا التفاؤل وما بني عليه من
آمال عريضة في تحقيق الوفاق والسلام
في السودان، إذ شهد السودان بعدها
العديد من الأحداث التي كان لها تأثير
كبير في عرقلة كل جهود التسوية
السياسية.
الهجوم
على كسلا
أدى
الهجوم الذي شنته قوات التجمع
السوداني المعارض على مدينة كسلا
بشرق السودان إلى تصاعد اتهامات
متبادلة بين الحكومة والتجمع
المعارض، بعد أن كانت قد سادت بين
الطرفين لغة حوار هادئ بعض الوقت؛
وذلك إثر لقاء البشير- الميرغني، الذي
أكد ضرورة تجنب الحل العسكري،
واللجوء إلى الوسائل السلمية لحل
مشكلات السودان في إطار الحفاظ على
وحدته.
المعارضة
ترفض المشاركة في الانتخابات
أصرت
الحكومة على ضرورة إجراء الانتخابات
الرئاسية والبرلمانية في موعدها،
رافضة أي تأجيل لها حتى يتم الوفاق مع
المعارضة، معلنة أنها لن تظل تنتظر
إلى ما لا نهاية وفاقًا غير معلوم
الأجل، وأنها سبق أن أجلت الانتخابات
بالفعل لما يقرب من عام، حيث كان
مقررًا إجراؤها في شهر أبريل الماضي.
كما أن
الحكومة
تعتبر أنها مطالبة أمام المجتمع
الدولي بإجراء تلك الانتخابات حتى
تملأ الفراغ الموجود في بعض مؤسسات
الدولة، ولا سيما المجلس الوطني (البرلمان)
الذي تم حله في شهر ديسمبر الماضي.
وعلى الوجه المناقض، أعلنت أحزاب
المعارضة الرئيسة في السودان
مقاطعتها لتلك الانتخابات معلنة عدم
اعترافها بشرعيتها أو بما يترتب
عليها من نتائج، يستوي في ذلك حزب
المؤتمر الشعبي الذي يتزعمه الدكتور
حسن الترابي، أو حزب الأمة الذي عاد
زعيمه الصادق المهدي إلى السودان
مؤخرًا، أو التجمع المعارض الذي
يترأسه السيد محمد عثمان الميرغني.
عدم
وجود أرضية مشتركة
ويزيد
جهود التسوية تعثرًا عدم وجود أرضية
مشتركة- ولو ضئيلة- تجمع القوى
السياسية السودانية على كلمة سواء،
إذ تتباين مواقف هذه القوى تباينًا
حادًا بحجم اختلاف رؤاها ومصالحها
والقوى التي تساندها، ويتضح ذلك من
خلال إلقاء الضوء على مواقف تلك القوى:
أولا الحكومة:
وقد قدمت خلال الأعوام
القليلة الماضية تنازلات كبيرة تمثلت
في هامش الحرية الذي أتاحته للصحافة
وللعمل السياسي داخل السودان
والجنوب، وقبول المبادرة المصرية
الليبية، وسعيها إلى عقد لقاءات
مباشرة مع قادة وزعماء المعارضة، من
أهمها لقاء جيبوتي بين البشير
والمهدي في ديسمبر من العام الماضي،
الذي أسفر عن اتفاق "نداء الوطن"
بين الجانبين، والذي كان من نتائجه
عودة الحزب إلى داخل السودان على
مراحل، كانت آخرها عودة زعيمه المهدي
الشهر الماضي، بعد أن أعلن عن عدم
مشروعية أي عمل معارض خارج السودان
طالما كان العمل السياسي متاحاً
داخله، ثم لقاء أسمرة بين البشير
والميرغني، وكان من المقرر أن يحضره
جون جارانج زعيم حركة التمرد، إلا أنه
تراجع عن اللقاء، إضافة إلى ما أعلنه
الرئيس السوداني من عفو عام عن كل
المعارضين لنظامه، واستعداده للذهاب
إلى الأدغال للقاء جارانج ذاته.
إلا
أن المعارضة السودانية ظلت تنظر إلى
تنازل الحكومة السياسي نظرة شك
وريبة، إذ إنها تعتقد اعتقادا جازماً
أن الحكومة لم تكن تهدف بهذه
التنازلات إلى كسب ود المعارضة،
وإنما كانت تهدف إلى كسب ودّ دول
الجوار شمالاً (مصر، وليبيا) وجنوبًا (أثيوبيا،
وإريتريا، وكينيا، وأوغندا) سعياً
لكسر عزلتها وتحسين علاقاتها.
وتبدو
الحكومة الآن في موقف أكثر قوة من ذي
قبل، فهي تعلن حرصها على الوفاق
والسلام، ولكنها تسعى في القوت ذاته
لإجراء الانتخابات، استكمالاً
لأجهزتها، معلنة أنها لن تظل تنتظر ما
يفرضه "مزاج" التجمع المعارض
الذي ضعفت موقفه لخروج حزب الأمة-
أكبر القوي السياسية المعارضة- من
صفوفه إثر خلافات حادة، إضافة إلى ضعف
موقف التجمع العسكري بعد تطبيع
الحكومة لعلاقاتها مع معظم دول
الجوار التي كانت تناصبها العداء.
ثانيا
حزب الأمة: وهو الآن في موقف لا يستطيع
أن يعود إلى التجمع المعارض الذي خرج
من صفوفه بعد أن اتهمه بالمماطلة وعدم
الجدية في إيجاد حل سياسي للأزمة
السودانية، وبالعقم في التعامل مع
المستجدات وفي هيكلة نظامه الداخلي،
وفي الوقت ذاته لا يستطيع حزب الأمة
أن ينضم إلى الحكومة عبر اتفاق ثنائي
وحكومة ائتلافية رغم ترحيب الحكومة
بمشاركته في الحياة السياسية؛ معارضا
أو مشاركاً في السلطة. ولا يستطيع حزب
الأمة أيضاً التحالف مع حزب المؤتمر
الشعبي الذي يتزعمه الترابي.
وقد
أعلن حزب الأمة أنه يسعى إلى تكوين
جبهة عريضة تضم كل أنصار الديمقراطية
والحل السياسي في السودان وتتجمع حول
الأجندة الوطنية التي تسعى إلى إقامة
نظام ديمقراطي وسلام شامل وتوزيع
عادل للسلطة والثروة، إلا أن هذه
الآمال العريضة ستصطدم حتماً
بمستجدات الأمور على الساحة
السودانية، والتي كان آخرها إلقاء
الحكومة القبض على سكرتارية التجمع
المعارض داخل السودان خلال اجتماعهم
بالمسئول السياسي في السفارة
الأمريكية بالخرطوم، وإحالتهم
للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى
والتخطيط لقلب نظام الحكم عبر
انتفاضة شعبية مدعومة بالعمل المسلح،
ومما لا شك فيه أن هذا الحدث سيلقي
بظلاله على الجو السياسي في السودان،
وربما تعقبه إجراءات من قبل الحكومة
للحد من نشاط زعماء المعارضة بالداخل
الذين كانوا في السابق يلتقون بمن
يشاءون من المسئولين الأجانب في أي
وقت وأي مكان دون مساءلة، فهل يستطيع
حزب الأمة المعروف بديناميكيته
العالية من ابتكار وسائل وأساليب
جديدة تمكنه من مواصلة العمل السياسي
داخل لتنفيذ أجندته الوطنية.
ثالثا
التجمع المعارض: الذي ما زال يصر
على تغيير الحكومة بواحدة من الوسائل
الثلاث التي يعلن عنها دوماً، إما عن
طريق الحل السياسي الشامل، أو عبر
انتفاضة شعبية أو من خلال العمل
المسلح.
ويعيب
التجمع المعارض أن أعضاءه يرون أن
التجمع بتركيبته الحالية هو المؤهل
للانتقال إلى حكم السودان غداً. كما
يعيبه أيضا سيطرة الحركة الشعبية
والشيوعيين عليه: الحركة باعتبارها
القوة العسكرية الحقيقية،
والشيوعيين بقدراتهم التنظيمية
العالية. وقد ظل جارانج زعيم الحركة
الشعبية ينفي عن نفسه تهمة أنه
انفصالي ويؤكد أنه وحدوي يسعى لوحدة
السودان، إلا أن الصادق المهدي ينتقد
جارانج وكشف أنه (جارنج) أخبر أحد
الرؤساء الأفارقة أنه لا يريد
الانفصال بجنوب السودان، وأنه يريد
السودان موحداً، ولكنه سيعمل على
تغيير تركيبته ليكون سوداناً
أفريقياً، منقطع الصلة بأصوله
العربية والإسلامية، كما يرى
القريبون من جارانج من الشماليين أنه
أذكي من أن يقبل بانفصال الجنوب، لأنه
يدرك حجم التناقضات داخل الجنوب،
وأنه ليس هناك جنوب واحد، وربما تندلع
فيه حرب قبلية شاملة إذا تم فصله من
الشمال، وأن طموح جارانج الجامح لا
يرده الاستيلاء على الجنوب وحده،
وإلا فعلها من قبل بمساعده الولايات
المتحدة ودول الجوار والغرب كله.
رابعاً
حزب الدكتور الترابي: الذي يقف الآن
موقف المتفرج من الأحداث بعد أن
استقطب الغضب الحكومي لفترة من
الزمن، ويضع الآن الديمقراطية كهدف
أولي لحزبه ويسعى للتحالف مع القوى
السياسية العائدة إلى السودان
بالإضافة إلى القوى الأخرى الصغيرة
داخل السودان. وربما يرجع تجمعه مع
بعض قوى المعارضة إلى كراهيته
للحكومة التي يرى أن تلاميذه الذين
انقلبوا عليها قد انتهوا بالاستيلاء
عليها. ولكن هذه الكراهية لن تؤسس
لتحالف يصمد لبعض الوقت، كما أن
المعارضة لا تستطيع إعفاءه من
مسئوليته السابقة في الحكومة؛
ومازالت حتى الآن تحمله الكثير من
مسئولية ما لحق بها.
موجة
من العنف
ووسط
هذا الجدل السياسي وقع بالسودان
مؤخراً ثلاثة أحداث عنف كان لها
دلالاتها الخطيرة في بلد مسالم
كالسودان المعروف بكره أبنائه لحمل
السلاح؛ الذين لم يعرفوا طيلة
تاريخهم السياسي حادث اغتيال سياسي
واحد، وأول هذه الأحداث كان الاعتداء
على رئيس تحرير جريدة "الوفاق"-
على طه- إثر كتابته مقالا يهاجم فيه
الدكتور حسن الترابي. ورغم ما تردد عن
اتهام نجل الدكتور الترابي بالتحريض
على محاولة اغتيال الصحفي، انتهت
القضية بعفو الصحفي عن مهاجميه إثر
وساطة قام بها زعماء التيار الإسلامي
بالسودان؛ إلا أن الحادث يظل أول عنف
من نوعه يمارس ضد صاحب رأي بالسودان.
وثاني
أحداث العنف يتمثل في الاعتداء على
الدكتور عمر نور الدايم- نائب رئيس
حزب الأمة السوداني. وقيل: إن
المعتدين كانوا ينتمون إلى جيش الحزب
في إريتريا قبل عودته إلى السودان؛
وقد قاموا بالاعتداء عليه بعد
مطالبتهم الدكتور عمر بمبالغ مالية.
ورغم
تأكيد الحزب أنه تم فصلهم نتيجة
مخالفات قاموا بها سابقًا، فإن
الاعتداء الذي قاموا به يعكس معاناة
قطاع كبير من الشباب انضم إلى صفوف
المعارضة على مدى أكثر من عشر سنوات.
وفي نهاية الأمر لم تتحقق على أيديهم
أي حلول حاسمة. وفي الوقت نفسه لم
يجدوا حلاً لمشكلاتهم الشخصية.
وثالث
أعمال العنف تتمثل في حادث الاعتداء
على المصلين بمسجد الجرافة بأم درمان
في الحادي عشر من رمضان، وقد راح
ضحيته أكثر من 20 شهيدًا وأكثر من 30
جريحًا أثناء أدائهم صلاة التراويح
في مسجد تابع لأنصار السنة المحمدية
على يد قاتل أو مجموعة من القتلة
ينسبون إلى جماعة التكفير والهجرة.
والحوادث
الثلاثة تعبر عن ظهور موجة من العنف
في السودان في وقت انحسرت فيه مظاهر
العنف في بلاد عربية أخرى.
السودان
في أيدي الخارج
كما
يزيد الشأن السوداني تعقيدًا التدخل
الخارجي الذي يأخذ صورًا وأشكالاً
متعددة في السودان، وتزيد الأمور
تعقيداً كذلك أن تنقل الملفات
الداخلية للشأن السوداني من أيدي
السودانيين لتوضع في أياد أخرى
خارجية لا يهمها- في الغالب- إلا
مصالحها التي ليس من بينها بالتأكيد
مصلحة السودان وأمنه واستقراره
ووحدته؛ وقد تجد تلك الأيادي في
السودان- بتسامح أهله والهامش المتاح
فيه من الحرية- مرتعًا خصبًا لممارسة
أنشطتها.
اقرأ
أيضًا:
|