|
كانت
بلغراد تنتظر مناسبة مهمة (قمة فيينا
لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا)؛
لتشهد عودتها من جديد إلى الحياة
الدولية، ولكن ما حدث أن الرئيس
الصربي الجديد فويسلاف كوشتونيتسا (الذي
لم تعترف به بعد بقية يوغسلافيا:
الجبل الأسود وكوسوفا)، سارع إلى قطع
مشاركته في هذه المناسبة التي طال
انتظارها؛ ليعود بسرعة إلى بلاده
لتفاقم التوتر في جنوب صربيا نتيجة
لهجمات "جيش تحرير بريشيفو
وبويانوفاتس وميدفيجا" على القوات
الصربية التي أدت إلى قتل أربعة وجرح
العديد منهم. وقد كان لهذا التطور
أثره في لفت الانتباه مرة أخرى إلى ما
يجري هناك في آخر بؤر التوتر.
بؤرة
جديدة للتوتر بفعل التداخل العرقي
وكانت
أولى الاشتباكات قد جرت خلال حزيران/
يونيو 2000م بين القوات الصربية و "جيش
تحرير بريشيفو وبويانوفاتس وميدفيجا"،
وأسفرت عن وقوع قتلى وجرحى بين
الطرفين، مما أثار حينئذ التساؤل عن
أسباب وأطراف القتال. وكان من المنطقي
التنبؤ آنذاك بأن هذه المنطقة تبدو
مرشحة لتكون بؤرة توتر أخرى في
العلاقات الألبانية الصربية، التي
تحتاج إلى أسس جديدة (بعد سقوط ميلو
شيفيتش) تبنى عليها في المستقبل".
وفي
الواقع أن الأمر يتعلق بثلاث محافظات/
كوميونات مجاورة لكوسوفا (بريشيفو
وبويا نوفاتس وميدفيجا) التي تمثل
تداخلاً صربيًّا - ألبانيًّا ما بين
صربيا وكوسوفا. واستنادًا إلى آخر
إحصاء رسمي في يوغسلافيا (1991م) تجاوز
عدد الألبان في هذه المحافظات 100 ألف
(101549)، مع تفاوت في نسبتهم من محافظة
إلى أخرى؛ إذ ترتفع النسبة إلى 89.9% في
بريشيفو، وتصل إلى 60.1% في بويانوفاتس،
وتنخفض إلى 28.7% في ميدفيجا، ولكن هذه
الأرقام لم تَعُد كما كانت في 1991م
نتيجة للحروب/ المآسي التي شهدتها
يوغسلافيا السابقة؛ إذ يقدر عدد
الالبان الآن في هذه المحافظات
الثلاث بسبعين ألف نسمة.
"كوسوفا
الشرقية"
وعلى
حين أن هذا الجيب الألباني يقع الآن
في جنوب صربيا إلا أن الألبان لا
يزالون يعتبرونه ويسمونه "كوسوفا
الشرقية". وفي الواقع أن انفصال
الألبان إلى شرق وغرب لم يتم إلا في
وقت متأخر في 1945م، فقد احتلت صربيا كل
المنطقة في 1912م باسم “تحريرها” من
الحكم العثماني، ومارست فيها كل
الفظائع للتخلص من الألبان المسلمين
فيها. وفي 1918م دخلت كلها في إطار
الدولة الجديدة (يوغسلافيا) حتى 1941م
حين انفرطت يوغسلافيا وضمت كوسوفا
إلى ألبانيا. وقد بقي مصير كوسوفا
معلقًا بين ألبانيا ويوغسلافيا حتى
1945م، حين احتفظت يوغسلافيا بكوسوفا
على أن تمنحها الحكم الذاتي. وبناء
على ذلك فقد عمدت بلغراد لأول مرة إلى
وضع حدود إدارية جديدة لكوسوفا
اقتطعت منها هذه المحافظات الثلاثة (بريشيفو
وبويانوفاتس وميدفيجا) التي كانت
بجغرافيتها وسكانها وثقافتها
امتدادًا لكوسوفا، دون أخذ رغبة
السكان بعين الاعتبار.
وقد
كان من الواضح أن اقتطاع هذه
المحافظات الثلاثة من كوسوفا وضمها
الى صربيا جاء نتيجة لما تمثله هذه
المحافظات من أهمية إستراتيجية
لصربيا؛ إذ إنها تمثل حلقة الوصل بين
وادي مورافا في الشمال (صربيا) ووادي
فردار في الجنوب (مكدونيا) التي تمر
فيها أهم الطرق والسكك الحديدية.
وفي
المقابل لم يشعر الألبان الذين كانوا
يشكلون الغالبية في المحافظات الثلاث
(بريشيفو وبويانوفاتس وميدفيجا)
بالارتياح لفصلهم عن كوسوفا وضمهم
إلى صربيا؛ إذ كانت تربطهم مع بقية
كوسوفا الصلات الأسرية والاقتصادية
والثقافية.
ولم
يستسلم الألبان هناك لهذا المصير، بل
حاولوا خلال الستينيات والسبعينيات
رفع صوتهم والمطالبة بالانضمام إلى
كوسوفا. وفي الواقع كانت تلك فترة
التحرر من سياسة "القبضة القوية"
وتوسع الحكم الذاتي للألبان في
كوسوفا الذي حوَّل بريشتينا (مع
جامعتها ومؤسستها الثقافية) إلى مركز
استقطاب لكل الألبان في يوغسلافيا،
وخصوصًا في المحافظات الثلاث
المجاورة؛ إذ تدفق من هذه المحافظات
آلاف الطلبة لمتابعة دراستهم في
ألبانيا سواء في المدارس الثانوية أو
في الجامعة، حيث تأثروا بجو النهوض
القومي الألباني وأصبح بعضهم (رجب
إسماعيل وغيره) من أهم مثقفي تلك
المرحلة.
ومع
إلغاء الحكم الذاتي في كوسوفا في آذار
(مارس) 1989م وتصاعد النزعة الاستقلالية
الألبانية، وإعلان الاستقلال
والجمهورية من طرف واحد، وانتخاب
إبراهيم روغوفا رئيسًا للدولة (1991 - 1992م)
انتقلت حمى ذلك إلى الألبان في
المحافظات الثلاث، حين نظموا استفتاء
في 1992م عبَّرت فيه غالبيته الساحقة عن
رغبتهم في حكم ذاتي مع إمكان الانضمام
إلى كوسوفا في الإطار اليوغسلافي.
فكرة
تبادل الأراضي
وإلى
تلك الفترة تعود فكرة رائدة طرحها
آنذاك رغوفا تقترح إجراء تعديلات في
الحدود بين صربيا وكوسوفا، بحيث
تنتقل هذه المحافظات الثلاث إلى
كوسوفا مقابل انتقال المناطق ذات
الغالبية الصربية في شمال كوسوفا إلى
صربيا.
وساهم
تطور الأحداث لاحقًا في عزل روغوفا
وبروز خيار جديد (جيش تحرير كوسوفا)
الذي يمثل الاتجاه القومي الألباني
المتشدد. ويذكر أن مفهوم كوسوفا لدى
الاتجاه الألباني المتشدد يضم فيما
يضم المحافظات الثلاث وغيرها ويطلق
عليها "كوسوفا الشرقية"؛ ولذلك
بعد أن نجح "جيش تحرير كوسوفا" في
تصعيد الموقف وتدويل الحل في كوسوفا،
يبدو الآن "جيش تحرير بريشيفو
وبويانوفاتس وميدفيجا" يقوم بدور
مماثل ولكن في ظروف مختلفة.
تداعيات
تحرير كوسوفا
أدى
استسلام القوات الصربية وانسحابها من
كوسوفا في حزيران (يونيو) 1999م إلى
المواقع المجاورة داخل صربيا، وما
صاحب ذلك من تصعيد صربي ضد "الإرهاب"
(الألبان) إلى تزايد الضغوط على
الألبان في هذه المحافظات التي
تحوَّلت إلى "كوسوفا" مصغرة في
خاصرة صربيا. وردًّا على هذا التطور
بدأت القوات الصربية تزيد من وجودها
ونشاطها في المحافظات الثلاث، وأدى
هذا إلى مزيد من هجرة الألبان إلى
كوسوفا المجاورة، حيث كان من السهل
تجنيد الشباب منهم لـ "تحرير"
تلك المناطق. ولكن الغرب الذي اندفع
لاعتبارات عديدة إلى التدخل في
كوسوفا، التي انفصلت بالفعل عن
صربيا، لا يمكن أن يحجم صربيا أكثر من
ذلك، وأن يشجع هذا "الجيش" على
تفجير الوضع من جديد.
من
ميلوسوفيتش إلى كوشتونيتسا
وكانت
بلغراد تتهم القوات الدولية في
كوسوفا (وخاصة الأمريكية الموجودة في
القطاع الشرقي المحاذي للمحافظات
الثلاثة) بأنها تسمح بتسرب المقاتلين
الألبان من كوسوفا، الذين يتمركزون
في المنطقة العازلة بين صربيا
وكوسوفا (بعرض 5 كم) التي تم الاتفاق
عليها في حزيران/ يونيو 1999م. وفي
المقابل فقد ضغطت القوات الدولية على
"جيش التحرير" لتوقيع اتفاق
ثلاثي (صربي - ألباني - دولي)؛ لوقف
إطلاق النار في يوم السبت 25/11/2000م لمدة
ثلاثة أيام. ومع أن هذا الاتفاق قد صمد
إلا أن الرعب يسيطر على سكان المنطقة
لتخوفهم من إجراءات انتقامية؛ ولذلك
فقد أخذت قوافل المهاجرين الأبان
تزداد في الأيام الأخيرة في ظروف
الشتاء القاسية، حيث يتدفق الآلاف
على مدن كوسوفا (كامنيتسا وجيلان
وبريشتينا)، مما يزيد في توتر
العلاقات الألبانية - الصربية.
وإذا
كان "جيش التحرير" يطالب
باستفتاء وحق تقرير المصير (بما في
ذلك الانضمام إلى كوسوفا)، وهو مستبعد
جدًّا الآن، فإن يونس موصلي رئيس "المجلس
السياسي لألبان بريشيفو ويويانوفاتس
وميرفيجا" قد عبر في لقاء مع
تلفزيون كوسوفا (الأحد 26/11/2000م) عن
الاحباط؛ لأن سقوط ميلو شيفيتش وتولي
كوشتونيتسا لم ينعكس بشكل إيجابي على
هذه المنطقة، حيث إن الألبان لم
يلمسوا بعد أي تغير إيجابي هناك؛
ولذلك فإن قطع كوشتونيتسا مشاركته في
قمة فيينا وزيارته الأولى إلى محافظة
بويانوفاتس، وحثه هناك على نبذ "الإرهاب"
والتفاهم بين الصرب والألبان، يجب أن
تكون متبوعة بإجراءات فعالة لكي يلمس
الألبان هناك بالفعل الفارق بين عهد
ميلوشيفيتش وعهد كوشتونيتسا.
اقرأ
أيضًا:
|