|
لأول
مرة تقوم المنظمات المسلمة في
الولايات المتحدة الأمريكية باتخاذ
خطوات جادة ومبشرة في دعم التواجد
الإسلامي على الساحة السياسية
الأمريكية. ففي يوم 23 من شهر أكتوبر
الماضي قامت لجنة الحركة السياسية
التابعة لمجلس التنسيق السياسي
الإسلامي الأمريكي [AMPCC-PAC] بالمصادقة
على جورج دبليو بوش، المرشح الجمهوري
للرئاسة الأمريكية. ولكن السؤال هنا:
ما هي
التحديات التي تقف في وجه هذه
المصادقة؟ وما هي الصعاب التي يمكن أن
تعوقها؟
إن
الأمل من وراء هذه المصادقة الرسمية
–كما يخبرنا الأستاذ أغا سيد رئيس
اتحاد المنظمات الإسلامية المشاركة
في الانتخابات –هو خلق وإيجاد جبهة
انتخابية مسلمة وموحدة. ولكن
–بالرغم من ذلك- فإنه لم يظهر بعد ما
إذا كان ذلك المجهود سيسفر في النهاية
عن الآمال المرجوة أم لا.
انتعاش
المسلمين مؤخرًا
لم
تنتعش حالة المسلمين الأمريكيين إلا
مؤخرًا. ففي الآونة الأخيرة، انبعثت
الهمم والحركات بين الصفوف مطالبة
باحترام الحقوق المدنية للمواطن
المسلم الأمريكي، ووضعه على قدم
المساواة مع أي مواطن أمريكي آخر.
واندفعت شتى المنظمات الإسلامية لتشد
من أزر المسلمين في جميع مجالات
الحياة الأمريكية، وتدعمهم للسعي
وراء أخذ حقوقهم وممارستها في داخل
المجتمع الأمريكي كما ينص الدستور
الأمريكي. ومن ضمن هذه الحقوق –بل من
أبرزها- حق المشاركة السياسية.
قد
نجد حاليًا المسلمين الأمريكيين
مدفوعين دفعًا للتعرف على المرشحين
سواء على المستوى الوطني أو المحلي،
والإدلاء بأصواتهم لمن يشعرون بأنه
الأقدر على تلبية طلباتهم. وليس أدل
على ذلك من الشعار الذي رفعه علي أبو
زقوق –الرئيس التنفيذي للمجلس
الإسلامي الأمريكي والقائل إن "من
ليس له صوت ليس له ثقل".
مما
لا شك فيه أن هذه المنظمات النشطة سوف
تكون خير قائد ومشجع للمسلمين
المتواجدين في الولايات المتحدة –
الذين يتراوح عددهم بين ستة وثمانية
ملايين نسمة- حيث ستساعدهم على اختيار
أفضل المرشحين المؤهلين لتمثيل
مصالحهم. ولكن بالرغم من ذلك، فلا
يمكن التغاضي عن رؤية الخسائر
والمعضلات التي يمكن حدوثها نتيجة
لهذا الاختيار، خاصة أننا ما زلنا
في أول الطريق.
بمعنى آخر:
إن حركاتنا التي تنادي بحقوقنا
المدنية لا تزال في سنوات
"الطفولة"؛ ولما تنضج بعد.
بوش
ليس قديسًا
من
الخطأ أن يعتقد المسلمون الأمريكيون
–حينما يختارون بوش- أنه سيكون نصير
المسلمين إذا ما فاز بمنصب الرئاسة.
وهذا الكلام موجه خاصة للمسلمين
الأمريكيين حديثي الهجرة، الذين
يعتبرون حديثي الخبرة بالعملية
الديمقراطية الأمريكية. فهم يستمعون
إلى وعود بوش –التي تشبه عادة مقولات
"أنا سأنظر في ذلك الأمر"، أو
"أنا سأسعى لضمان احترام
القانون واحترام جميع المواطنين
الملتزمين بالقانون"- يستمعون
إليها بحماسة بالغة معتقدين أن كل شيء
سيصير على ما يرام،
وكأن بوش
سيستخدم "عصاه السحرية" ليزيل
بها كل ظلم وجور يُرتكب ضد المسلمين.
ولعلهم رأوا بأعينهم وعود بوش الخاصة
بمسألة "الدليل السري"، والتي تم
تسجيلها عبر "الفيديو" للمجلس
الإسلامي الأمريكي في يوم 26 أكتوبر
الماضي. والسؤال المطروح هنا –وهو
المشكلة الحقيقية-: ماذا سيحدث لو لم
يف بوش بوعوده؟ وكيف سيكون أثره على
المسلمين الأمريكيين؟ بالتأكيد
سيمثل خيبة أمل كبيرة.
الأمور
ليست بهذه البساطة
قد
يعتقد البعض أن إمكانية فرض المسلمين
الأمريكيين أنفسهم على الساحة
السياسية الأمريكية أمر بسيط أو هين،
وهم لا يعلمون أن الحقيقة أعمق من ذلك
بكثير، وأنها لا تحتمل ذلك التبسيط أو
التسطيح.
ومن
نماذج ذلك التبسيط، المحاضرة التي
ألقاها ريتشارد كوريتس –رئيس تحرير
جريدة واشنطن ريبورت- في المؤتمر
السنوي الخامس للتضامن الوطني
الإسلامي الأمريكي بولاية
كاليفورنيا (في 30 سبتمبر 2000) حيث قال:
"إذا استطاع الناخبون المسلمون
–في هذا العام- أن يُخرجوا كل
المجتمعات المسلمة المتواجدة في
الولايات المتحدة إلى صناديق
الاقتراع ليدلوا بأصواتهم في صوت
واحد ومن خلال جبهة واحدة، فإن
الولايات المتحدة الأمريكية لن تكون
أبدًا كما كانت من قبل، أو كما هي
الآن:
فأولاً،
ستصير سياستها تجاه الشرق الأوسط
–لأول مرة منذ إقامة دولة إسرائيل-
غير متحيزة.
ثانيًا،
سيمكن
للسياسة الأمريكية-الآسيوية (جنوب
آسيا) الخروج من الأسر
الإسرائيلي-الهندي الذي يفرض هيمنته
بكل قوة على منطقة جنوب آسيا.
ثالثًا،
سيصير هناك أداة رادعة لضرب تلك
الثقافة العفنة التي تندلع من
هوليود؛ تلك الثقافة بكل ما فيها من
جنس وعنف ومخدرات، والتي كانت تؤدي في
كثير من الأحيان بالآباء والأمهات
المسلمين –بل تضطرهم- إلى إرسال
أبنائهم إلى مسقط رأسهم (البلد الأم)
لوقايتهم وحمايتهم في سنوات التكوين
الأولى".
إن
كلام ريتشارد كورتيس، إن دل على شيء
إنما يدل على التبسيط المفرط للحقيقة
وللواقع.
فالطريق
أمامنا مازال طويلاً، وتلبية حقوق
المسلمين الأمريكيين في الولايات
المتحدة يتطلب نفسًا أطول. إننا ما
زلنا في حاجة إلى توظيف دقيق ومضبوط
وصحيح لقدراتنا واستعداداتنا
وطاقاتنا. كما أننا في حاجة إلى
الاعتراف بتلك الجماعات التي ستصير
مهددة من خلال تمكيننا السياسي
والاقتصادي.
صوت
موحد للمسلمين شيء صعب
إن
مجرد الحديث عن إمكانية إيجاد صوت
موحد للمسلمين الأمريكيين يعتبر
أيضًا تبسيطًا للأمر إلى حد يؤدي إلى
تشويه الحقيقة وسوء فهمها. فالاعتقاد
القائل بأن المسلمين الأمريكيين
سيتمكنون –لأول مرة- من إقامة جبهة
انتخابية موحدة، إنما هو اعتقاد
يناقض الواقع القائم –للأسف
الشديد- على فرقة مصالح المسلمين في
الولايات المتحدة الأمريكية، وعدم
التقائها تحت سماء واحدة.
فمثلاً،
توجد فجوة واسعة بين معظم المسلمين
الأمريكيين ذوي الأصل الأوروبي وبين
معظم المسلمين الأمريكيين ذوي الأصل
العربي وذوي الأصل
الهندي-الباكستاني. فبينما يقف مفهوم
العنصرية على رأس أولويات المسلمين
العرب والمسلمين الهنود والمسلمين
الباكستانيين، لا يتواجد هذا المفهوم
بالنسبة للمسلمين الأوروبيين.
فمن
المعروف أن "الشرق أوسطيين" يتم
مطاردتهم عبر القانون الأمريكي –مثل
"الدليل السري"- إما بسبب لونهم
أو أسمائهم أو أية علامات أخرى
"تميزهم" عن غيرهم. أما
البوسنويون والألبان وغيرهم من
الأوروبيين الأمريكيين –على الوجه
المناقض- فلا يتم التركيز عليهم نظرًا
لعدم احتوائهم على
"تلك
العلامات المميزة" التي تتواجد
عند "الآخرين"
بدون ذنب لهم. ولذا فقلما يتعرض
هؤلاء الأوروبيون إلى ما يتعرض إليه
هؤلاء "الشرق أوسطيون" على
الدوام، من اتهام بالإرهاب، إلى
عزلهم ومعاملتهم معاملة "خاصة"
في المطارات والأماكن العامة الأخرى،
إلى غير ذلك من الإهانات.
البوسنوي
الأمريكي يرى بوش وجور سواء
يوجد
اعتقاد كبير لدى المجتمع البوسنوي
–الذي يعيش بالولايات المتحدة
الأمريكية- أن المرشحين بوش وجور لا
يختلفان كثيرًا في موقفهما تجاه
الصراع العربي- الإسرائيلي. فالاثنان
يبديان تأييدًا مشتركًا ومتساويًا
"لدولة" إسرائيل. وقد يرى
المجتمع البوسنوي أن الاثنين كانا
يتسابقان بالفعل –من خلال المناظرات
التي دارت بينهما- في إظهار أكبر قدر
من الولاء لكل من إسرائيل والمجتمع
اليهودي الأمريكي.
وتبعًا
لملاحظتي الخاصة، فلم يتواجد إلا عدد
ضئيل جدًا من الأوروبيين المسلمين
–في شيكاغو- الذين أظهروا اعتراضًا
ضد الانتهاكات الإسرائيلية في
الأراضي المحتلة. وهذا لا يعني
إطلاقًا أنهم غير مؤيدين لحقوق
المسلمين العرب؛ ولكن كل ما في
الأمر أنهم مشغولون بمشكلاتهم الخاصة
المتعلقة بوضعهم في منطقة البلقان
وبصراعهم الطويل ضد الطاغية سلوبودان
ميلوسوفيتش.
البوسنيون
ضد بوش ومع جور
وقوف
البوسنيين الأمريكيين ضد بوش ليس
سببه فقط أن بوش هو "ابن والده"
الذي سيتبعه في انتهاج سياسة
"التجاهل" و"الازدراء" تجاه
البلقان، ولكن سببه أيضًا في أن جور –
منافس بوش- ونائبه ليبرمان يؤيدان
تواجد القوات الأمريكية في تلك
البقعة البلقانية الساخنة في داخل
أوربا، خاصة في البوسنة والهرسك
وكوسوفا.
وإذا
كان جور قد دافع عن الوجود الأمريكي
في تلك البقعة الساخنة، فإن نائبه
المرشح جوزيف ليبرمان لديه سجل زاخر
– يشهد به مجلس الشيوخ – في تأييد
البوسنة؛ فقد كان أحد الديموقراطيين
الذين صوتوا من أجل رفع حظر الأسلحة
عن البوسنيين المسلمين حتى يتمكنوا
من الدفاع عن أنفسهم ضد محاولات
الإبادة الإثنية والعرقية. هذا
بالإضافة إلى أن الاثنين – جور
وليبرمان – قد عبرا عن اقتناعهما بأن
الموقف الأمريكي المتخاذل والسلبي
تجاه ما فعله سلوبودان ميلوسوفيتش
منذ بداية التسعينات كان سببًا –على
الأقل- وراء تأجيج الحرب ضد البوسنيين
والألبان.
مشكلة
الأمريكي الإفريقي
وعن
مشكلة المجتمع الإفريقي المسلم
الأمريكي، تقول الأستاذة أمينة ماك
كلاود – أستاذة الدراسات الدينية
بجامعة دي بول بولاية شيكاغو، وهي
سيدة إفريقية مسلمة أمريكية مشهورة،
وقد كتبت كثيرًا عن تلك المشكلة – إنه
يوجد ثمة فارق كبير بين المهاجرين
المسلمين والمجتمع الإفريقي المسلم
الأمريكي.
ففي
معظم الأحوال كان المهاجرون الجدد –
خاصة العرب والهنود الباكستانيين - لا
يحبذون العيش في أحياء الأفارقة، ولا
حتى التعامل معهم. بل كانوا يحبذون
العيش في داخل مجتمعاتهم، أو الذوبان
في وسط المجتمعات "البيضاء". ولم
يفلت من هذه القاعدة سوى الفلسطينيين
الذين عاشوا بين الأفريقيين
الأمريكيين، واحتكوا معهم في
المعاملات اليومية.
الحقيقة،
أن المسلمين المهاجرين لم ينشغلوا
جديا بحركات المجتمع الإفريقي
الأمريكي في مطالبته بحقوقه المدنية.
ولم يشاركوا في محاربة آفات ذلك
المجتمع – من عنف ومخدرات وفقر – إلا
بالقدر الضئيل جدًا. ومن الجدير
بالذكر، أننا رأينا تلك الهوة
الكبيرة بين الإفريقيين المسلمين
الأمريكيين والمهاجرين المسلمين رأى
العين؛ وذلك في مؤتمر ISNA الأخير الذي
عقد في ولاية شيكاغو. فيكفي القول بأن
حضور الإفريقيين المسلمين
الأمريكيين كان أقل من 10% من إجمالي
الحاضرين الذين تجاوز عددهم30 ألف
مسلم أمريكي.
من
أجل ذلك كله، فإنه ليس واضحًا بالفعل
إذا ما كانت المصادقة على جورج دبليو
بوش- التي خططت لها لجنة الحركة
السياسية التابعة لمركز التنسيق
الإسلامي الأمريكي (AMPCC – PAC) - ستؤدي
إلى إيجاد جبهة انتخابية موحدة
للمسلمين.
ملخص
القول: غايتنا واحدة
إن
سعينا من أجل رسم وتخطيط الوسائل
التكتيكية التي ستدعم من تواجدنا
السياسي على الساحة الأمريكية شيء –
مما لا شك فيه – يبعث على التفاؤل.
ولكن، هذا لا يكفي بالطبع. فنحن
بحاجة إلى رسم إستراتيجيات بعيدة
المدى، ووضعها تحت حيز التنفيذ؛
تلك
الإستراتيجيات سوف تدعم بشدة من
موقفنا السياسي والاقتصادي.
وحتى
هذه اللحظة، لم يصب شبابنا إلا بكل
خيبة أمل. ولذا، يستلزم علينا أن نسعى
جاهدين في تنمية الوعي الثقافي
والسياسي لدى مجتمعاتنا المسلمة قاصدين
فئة الشباب على وجه الخصوص.
ولنقم
بهذه التنمية -تدريجيا- من خلال
البرامج التعليمية.
في
النهاية، يمكن القول إن المسلمين
الأمريكيين مقتنعون تمامًا بضرورة
توحدهم في سبيل تحقيق صالح هذه الأمة.
ولكن، قد يستلزم ذلك كثيرًا من
الوقت والجهد في سبيل سد الفجوات
بين المجتمعات الإثنية المختلفة،
وكذلك في سبيل إقامة جبهة انتخابية
موحدة. نحن بحاجة شديدة إلى مد
اتصالات وروابط أكثر عمقًا بين
المجتمعات المسلمة الأمريكية
المختلفة. بل نحن في أمس الحاجة إلى
التقارب فيما بيننا على أساس
إيماننا المشترك وعقيدتنا الواحدة؛
تلك العقيدة التي تثمر الخير والرخاء
وتقاوم الظلم والجور. أليس هذا ما
يطالب به ديننا الحنيف من حب
الإنسانية وضمان العدل من أجل
الجميع؟ وأليست هذه مسئوليتنا
المشتركة؟
اقرأ
أيضًا:
بوش
وآل-جور.. اتفاق في الثوابت واختلاف في
السياسات
هل
يستطيع العرب والمسلمون إحداث نُقطة
تحول؟
حيرة
المسلم بين الحزبين الجمهوري
والديمقراطي
المسلمون
الأمريكيون.. الرابح المؤكد في
الانتخابات الأمريكية
|