بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


الانتفاضة وجذور العنف الصهيوني

27/11/2000

القاهرة - أ. د. عبد الوهاب المسيري

نشاهد يوميًّا في الفضائيات مدى عنف الاستجابةالإسرائيلية

للانتفاضةالفلسطينية، وهو عنف لم نرَ مثله من قبل في عمليات القمع الإسرائيلية. والحق يُقال: إنني توقعت هذه المواجهة العنيفة منذ أن بدأ ما يُسمَّى بعملية السلام، وشعرت باقترابها حينما صرح أحد المفاوضين الفلسطينيين بأنه "لم يتم التوصل إلى سلام دائم، وإنما إلى مفاوضات سلام دائمة"! وهو تعليق ساخر تشوبه المرارة يصف الطريق المسدود الذي دخلته "عملية السلام"، الذي جعل الفلسطينيين يدركون مدى عبثية عملية أوسلو بأسرها.

ومع هذا حين اندلعت انتفاضة الأقصى، وحين قوبلت بكل هذا العنف الإسرائيلي، اعترتني الدهشة، وتساءلت: كيف يمكن للإسرائيليين بعد هذا أن يستمروا في الزعم أنهم يريدون التعايش جنبًا إلى جنب مع الفلسطينيين، خاصة بعد أن تم إسقاط أهم الثوابت الفلسطينية (عدم الاعتراف بإسرائيل – الميثاق الوطني الفلسطيني) وتم وضع علامة استفهام على بعضها (عودة اللاجئين)، وكل هذا من أجل سلام يتسم بالحد الأدنى من العدل؟

لم يكن أمامي من سبيل لفهم كل هذا العنف إلا بالعودة للرؤية الصهيونية للواقع الذي يحدد إدراك الإسرائيليين لأنفسهم ولمن حولهم- وإدراك المرء للواقع وليس الواقع في حد ذاته- هو الذي يحدد سلوكه وكيفية استجابته لما يدور حوله- كان عليَّ العودة إلى المقولة البسيطة الساذجة التي تشكل أساسًا للتصور الصهيوني للواقع، وهي أن فلسطين "أرض بلا شعب، وأن اليهود شعب بلا أرض". والنصف الثاني من المقولة: أن اليهود شعب جائل لا وطن له، ثبت كذبه؛ إذ إنه بعد قرن كامل من الاستيطان الصهيوني في فلسطين، وبعد نصف قرن من إعلان الدولة، لا تزال الغالبية الساحقة ليهود العالم موجودة خارج الدولة الصهيونية، مما ينفي عن هذه الدولة صفة أنها وطن كل يهود العالم، وينفي عن اليهود صفة أنهم شعب يتطلع للعودة لوطنه. ومع هذا أمكن للدولة الصهيونية التعايش مع هذا الوضع، وأن تستمر في طريقها، كأن شيئًا لم يحدث.

تابع في هذا المقال:

  1. "أرض بلا شعب": اختزال للتاريخ والواقع

  2. آليات الإبادة الإدراكية للعربي

  3. العربي "الغائب" لم يغب

  4. تصدع الأيديولوجية الصهيونية

"أرض بلا شعب": اختزال للتاريخ والواقع

أما بالنسبة للنصف الأول من المقولة: "أرض بلا شعب"، فالمسألة أكثر عمقًا، ولا تتحمل أي تعاون؛ إذ إن الإجماع الصهيوني (الذي يشكل الإطار الإدراكي والأيديولوجي لكل الصهاينة) يستند إليها. ففلسطين، من منظور صهيوني، هي "إرتس يسرائيل" (أي أرض إسرائيل)، وطن اليهود القومي، ومن ثم فإن اليهود، كل اليهود، لهم حقوق مطلقة فيها؛ والحقوق المطلقة لا تقبل الآخر، مما يعني إنكار حقوق العرب في أسوأ تقدير أو تهميشها في أحسنه. ومن هنا صدر قانون العودة عام 1950م، الذي وصفه بن جوريون – عن صدق – بأنه عمود الصهيونية الفقري، وهو قانون يمنح أي يهودي ترك "وطنه المزعوم" من عدة آلاف من السنين "الحق" في العودة ليصبح مواطنًا فور "عودته"! وتنكر، في الوقت ذاته، هذا الحق على ملايين الفلسطينيين القابعين في مخيمات اللاجئين!

هذا الإجماع هو ما يتفق عليه كل الصهاينة، متطرفهم ومعتدلهم، يمينهم ويسارهم، رأسماليهم واشتراكيهم، وهو شكل من أشكال العنف الفكري، فهو رؤية اختزالية للواقع المركب يستبعد من وجدان الصهاينة فلسطين وشعبها وتاريخها بل وجغرافيتها. والصهيونية في هذا لا تختلف عن التجارب الاستعمارية الاستيطانية الإحلالية الأخرى، حين يتم نقل كتلة بشرية من أوربا ويتم توطينها في أرض جديدة. وعادة ما يشارك أعضاء هذه الكتلة في تبرير موقفهم باللجوء إلى ديباجات مختلفة، ولكنها مع هذا لها سمات ثابتة:

1 - فكل المستوطنين عادة ما يتجهون إلى إلغاء الزمان (التاريخ) أو تجميده والانفصال عن المكان. ونقطة البداية عند المستوطنين البيض لا بد أن تُغيَّب السكان الأصليين تمامًا. ونقطة البداية عند المستوطنين البيض المهاجرين من العالم الغربي هي عادة رفض تاريخ بلادهم الأصلية، باعتباره تاريخ اضطهاد وكفر، ويحاول المهاجرون أن يضعوا حلاً نهائيًّا لمشاكلهم، وأن يبدءوا من نقطة الصفر الفردوسية في الأرض الجديدة. ويتضح هذا الجانب في أسطورة الاستيطان الصهيونية التي تبدأ برفض تاريخ اليهود في المنفى (وضمن ذلك العالم الغربي)، والصهيونية هي الحل النهائي الذي يطرحه الصهاينة والاستيطان في "صهيون" هو نقطة البداية والصفر.

2- ينكر المستوطنون البيض تاريخ السكان الأصليين في الأرض التي سيهاجرون إليها ويستوطنون فيها، فهي عادة أرض عذراء بلا تاريخ، غير مأهولة بالبشر (أرض بلا شعب)، على عكس الأرض التي يأتي منها المستوطنون، فهي مكتظة بالسكان.

ومرة أخرى نجد أن أسطورة الاستيطان الصهيونية تعبر عن هذا بشكل متبلور؛ إذ يزعم الصهاينة أن فلسطين هي "إسرائيل" أو "صهيون"، وأن تاريخها قد توقف تمامًا برحيل اليهود عنها. بل إن تاريخ اليهود أنفسهم قد توقف هو الآخر برحيلهم عنها، ولن يستأنف هذا التاريخ إلا بعودتهم إليها، ولكنه تاريخ جديد خالٍ من الاضطهاد والصراع، فهو أقرب إلى التاريخ المقدس.

3- لا تؤكد أسطورة الاستيطان الغربية نهاية التاريخ وحسب، وإنما نهاية الجغرافيا كذلك، فالأرض التي يستوطن فيها الإنسان الأبيض هي أرض وحسب، ليس لها حدود واضحة؛ ولذا فهي تتسع حسب قوة الإنسان الأبيض الذاتية، كلما زاد عدد المستوطنين وازدادوا قوة اتسعت الحدود. ومن هنا فكرة "الرائد" والجبهة المتسعة دائمًا. والرائد هو الذي يرتاد أرضًا جديدة دائمًا، لا يعرف حدودًا ولا قيودًا ولا سدودًا. وارتباط نهاية التاريخ بنهاية الجغرافيا أمر متوقع، ففكرة الحدود فكرة إنسانية حضارية غير طبيعية، أما عالم الطبيعة والمادة فلا يعرف الإنسان، ومن ثم فهو لا يعرف الحدود.

وأسطورة الاستيطان الصهيونية هي أسطورة التوسع بالدرجة الأولى، فإرتس يسرائيل ليس لها حدود واضحة؛ فالعهد القديم يحتوي أكثر من خريطة. والمستوطنون الصهاينة أطلقوا على أنفسهم مصطلح "حالوتسيم"، أي "رواد".

4 - إذا حدث أن كانت الأرض العذراء مأهولة بالسكان فإن أسطورة الاستيطان الغربية تحاول تهميشهم، فهم قليلو العدد متخلفون يفتقرون إلى الفنون والعلوم والمهارات المختلفة، يهملون الثروات الطبيعية الكامنة في الأرض. وهم عادة مجرد رحالة لا يستقرون في أرض ما، وهم شعب لا تاريخ له، فأعضاؤه جزء لا يتجزأ من الطبيعة (كالثعالب والذئاب) ومن ثم لا حقوق لهم. لكل هذا فإن وجود مثل هؤلاء الناس هو وجود عرضي، ومن الضروري وضع حل جذري ونهائي لمشكلة الديموجرافية، أي مشكلة وجود السكان الأصليين في الأرض العذراء، وضرورة اجتثاث شأفتهم تمامًا.

وأسطورة الاستيطان الصهيونية تنظر للوجود الفلسطيني في فلسطين باعتباره أمرًا عرضيًا هامشيًا، والاعتذاريات الصهيونية مليئة بالحديث عن فلسطين باعتبارها أرضًا مهجورة مهملة، وكثيرًا ما يتحدث الصهاينة عن الفلسطينيين كما لو كانوا جزءًا من الطبيعة بلا تاريخ. وكل هذا ينتهي بطبيعة الحال بتأكيد حق اليهود المطلق في فلسطين. وتحاول الحركة الصهيونية وضع حل نهائي للمشكلة الديموجرافية فقامت أحيانًا بالإبادة (دير ياسين– كفر قاسم)، ولكن الطرد كان الشكل الأساسي. وبعد اتفاقيات أوسلو أخذ الحل النهائي شكل عزل السكان الأصليين داخل مجموعة من القرى والمدن ومحاصرتهم بالقوات العسكرية الإسرائيلية والطرق الالتفافية.

5- تم تبرير الرؤى الاستيطانية الإحلالية عن طريق القصص الإنجيلية، وهنا يحدث تلاقٍ كامل بين أسطورة الاستيطان الغربية العامة وأسطورة الاستيطان الصهيونية. فالمستوطنون البيض- وضمنهم الصهاينة- ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم من الآباء (البطارقة) الذين تركوا بلادهم ليستقروا في بلاد أكثر اتساعًا، أو في أرض عذراء لم يستوطن فيها أحد من قبل. وهم مثل العبرانيين يخرجون من مصر (أو بابل أرض المنفى البغيضة)، وينسلخون من تاريخها ليعودوا إلى صهيون (الجديدة) بأن "يصعدوا" لها، فإن وجدوها مأهولة فأهلها إذن من الكنعانيين الذين لا حق لهم في الأرض ومصيرهم هو الحل النهائي: الطرد أو الإبادة.

وغني عن القول إننا حينما نتحدث عن "أسطورة" فنحن لا نتحدث عن واقع تشكل ولا حتى عن برنامج عمل، وإنما عن قصة أو قصص يوجد فيها بشكل كامن نموذج معرفي، وهذه القصة مستبطنة تمامًا، تعبر عن نفسها بشكل جزئي وتتحقق بعض جوانبها في أماكن وأزمنة متفرقة، ولا تتحقق مجتمعة إلا في لحظة نموذجية نادرة.

استنادًا إلى كل هذه التبريرات الأسطورية، يدعي المستوطنون أن لهم حقًا في اغتصاب الأرض الجديدة من سكانها الأصليين، ويحل لهم إبادتهم أو طردهم. والولايات المتحدة مثل واضح على الاستعمار الإحلالي الذي يلجأ للإبادة، والدولة الصهيونية هي مثل واضح على النوع الثاني المبني على الطرد.

آليات الإبادة الإدراكية للعربي

ومما عمق من العنف الإدراكي لدى الصهاينة، هو تفسيرهم للعقيدة اليهودية. فقد حولوا العهد القديم إلى فلكلور الشعب اليهودي، وهو كتاب تفيض صفحاته بوصف حروب كثيرة خاضها العبرانيون ضد الكنعانيين وغيرهم من الشعوب التي أبادوا بعضها، وهو يفصل فصلاً حادًا بين الشعب اليهودي المقدس والأغيار (أي غير اليهود)، بكل ما يتبع ذلك من ازدواجية في المعايير تجعل الآخر مباحًا تمامًا، وتجعل استخدام العنف تجاهه أمرًا مقبولاً. والصهاينة في هذا– بالمناسبة– لا يختلفون كثيرًا عن المستعمرين البيض في أمريكا الشمالية وجنوب إفريقيا وغيرها من الجيوب الاستيطانية. فأعضاء الكتلة البشرية الوافدة دائمًا يزعمون أنهم أكثر تفوقًا من السكان الأصليين (فهم شعب مختار أو جنس أبيض متفوق أو رسل حضارة) وباسم هذا التفوق يقومون بإبادة كل من يقابلهم من كنعانيين أو هنود حمر أو فلسطينيين.

كما أن الصهاينة- على عكس ما يتصور الكثيرون- يكرهون الشخصية اليهودية وينعتونها بالسلبية والهامشية والخنوع والعجز؛ ولذا طالبوا بتحديث الشخصية اليهودية حتى يمكن أن تتخلص من خنوعها وتصبح شخصية قادرة على القتل. وكما قال بيجين: "أنا أحارب، إذن أنا موجود". ومن قبله أوصى أستاذه جابوتنسكي اليهود بأن يتعلموا الذبح من الأغيار "فالتوراة والسيف أنزلا علينا من السماء".

وقد طور الصهاينة صورًا إدراكية للعربي: تنزع عنه إنسانيته، وتجرده تمامًا حتى تغيبه. وتتسم هذه النظرية بتصاعد معدلات التجريد إلى أن نصل إلى النقطة التي يتحقق فيها النموذج الصهيوني الإدراكي وهو التغييب الكامل للعرب:

1- العربي كعضو في الشعوب الشرقية الملونة (تخفيض العربي):

وفي إطار هذا التصور، يقدم الصهاينة وصفًا للشخصية العربية على أنها شخصية متخلفة، ومثل هذا الوصف أمر شائع في الاعتذاريات العنصرية وفي أدبيات الاستعمار الأوربي، فالوصف هنا ليس وصفًا للعربي بقدر ما هو وصف لأي آسيوي أو أفريقي (أو حتى أي أمريكي أسود). والاستعمار الصهيوني، في أحد تصوراته لنفسه، كان يرى أنه جزء (تابع) لا يتجزأ من الحركة الإمبريالية الغربية، ومن الهجمة العسكرية الحضارية على الشرق العربي لإدخاله الحضارة والسكك الحديدية والبلاستيك والقنابل.

2- العربي ممثلاً للأغيار (تجريد العربي):

وقد وُصف الأغيار في الأدبيات الصهيونية بأنهم: ذئاب، قتلة، متربصون باليهود، معادون أزليون لليهود. و"الأغيار" مقولة مجردة، بل إنها أكثر تجريدًا من مقولة "اليهودي" في الأدبيات النازية، أو مقولة "الزنجي" في الأدبيات العنصرية البيضاء، وهي أكثر تجريدًا؛ لأنها لا تضم أقلية واحدة، أو عدة أقليات، أو حتى عنصرًا بشريًا بأكمله، وإنما تضم كل الآخرين في كل زمان ومكان. وقد وضع الصهاينة الإنسان العربي على وجه العموم، والفلسطيني على وجه الخصوص، داخل مقولة "الأغيار" حتى يصبح بغير ملامح أو قسمات.

وتظهر مقولة "الأغيار" هذه في وعد بلفور (أهم الوثائق الصهيونية) حيث أشار إلى العرب (الذين كانوا يشكلون أكثر من حوالي 93% من مجموع السكان) على أنهم "الجماعات غير اليهودية"، دون تحديد هذه الجماعات أو ذكر اسمها، حتى تظل هذه الجماعات عند مستوى عالٍ من التجريد. إن هذه الجماعات غير اليهودية هي أية جماعة إنسانية تشغل الأرض التي سيستوطن فيها الشعب اليهودي. وبينما كان هرتزل يتفاوض بشأن كريات موقعًا للاستيطان الصهيوني، كتب عن الجماعات غير اليهودية التي تقطنها بطريقة تنم عن عدم الاكتراث والتجريد، فقد وصفهم بأنهم "عرب، يونانيون، هذا الحشد المختلط من الشرق".

3- تهميش العربي:

إن عملية التجريد السابقة تستهدف تهميش العربي حتى لا يشغل مركز الأحداث بالنسبة لفلسطين، والعربي الهامشي نمط أساسي في الإدراك الصهيوني للعرب. إن الصهاينة ينكرون وجود أية هوية سياسية للعرب عامة، وللفلسطينيين على وجه الخصوص، أو أية مشاعر قومية من جانبهم. فالصهاينة في إدراكهم للثورات العربية عليهم، ينكرون طبيعتها القومية والسياسية ويؤكدون لأنفسهم ولرفاقهم أن الدافع إليها ليس حب الأرض أو الوطن أو التمسك بالتراث، فالدافع إليها هو التعصب الديني. وقد كان الصهاينة يلومون المسيحيين العرب أحيانًا، باعتبارهم الأعداء الحقيقيين لمشروعهم الاستيطاني، ويصورون المسلمين في صورة الفريق الطيب الذي يمكن التفاهم معه، وكانوا أحيانًا أخرى يفترضون العكس، فيؤكدون أن المسلمين هم العدو الحقيقي، وأن المسيحيين هم الفريق الذي يبدي استعدادًا كبيرًا للتعاون، وكانت الجماهير الفلسطينية بالنسبة إليهم مجرد غوغاء يتلاعب بها المهيجون الإقطاعيون والأفندية ولا تحركها الدوافع القومية. ويرى سمحا فلابان أن وايزمان كان يؤمن إيمانًا راسخًا بأن تمرد هذه الجماهير ليس تعبيرًا صادقًا عن حركة قومية خلاقة، وإنما كانت تملية الاعتبارات الإقطاعية والقبلية الضيقة.

والى جانب هذا، كان الصهاينة يرون الفلسطيني أو العربي حيوانًا أو مخلوقًا اقتصاديًا محضًا تحركه الدوافع الاقتصادية المباشرة؛ ولذا فيمكن حل المشكلة العربية- حسب هذا التصور- في إطار اقتصادي لا يكون سياسيًا بالضرورة، ولعل من الأمثلة الأولى على هذه الإستراتيجية الإدراكية رشيد بك، هذا العربي الذي تم تخليقه حسب المواصفات الصهيونية في رواية هرتزل "الأرض الجديدة القديمة"؛ حيث يؤكد أن الوجود الصهيوني قد عاد على العرب بالنفع الكبير: لقد زادت صادرات البرتقال عشر مرات، كما أن الهجرة اليهودية كانت خيرًا وبركة، خصوصًا بالنسبة لملاك الأراضي؛ لأنهم باعوا أرضهم بأرباح كبيرة. وظل لفيف من الصهاينة يؤمنون إيمانًا راسخًا بإمكان التغلب على المعارضين الفلسطينيين عن طريق توضيح المزايا الاقتصادية الجمة التي سيجلبها الاستيطان الصهيوني، وعن طريق حثهم على الرحيل إلى البلاد العربية بعد إعطائهم التعويض الاقتصادي المناسب عن وطنهم. وكانت إحدى القناعات الإدراكية عند وايزمان أن تطور فلسطين سيؤدي إلى أن يفقد العرب الاهتمام بالمعارضة السياسية.

4- تغييب العربي:

إن ذكر العرب- ولو في مجال التشهير بهم- هو اعتراف ضمني بهم، ولكن الصهاينة يحاولون إخفاء العرب بإدخالهم في مفهوم مقولة "الأغيار" المجردة. هذا الاتجاه يصل إلى قمته فيما يمكن أن نسميه مقولة "العربي الغائب"، فبدلاً من الإخفاء الجزئي خلف مقولة مجردة، تصل محاولة الإخفاء إلى حد الإغفال الكامل. فالصهاينة أحيانًا لا يذكرون العربي بخير أو شر، ويلزمون الصمت حيال الضحية، ويظهرون عدم الاكتراث الكامل بها (وهذه إحدى سمات الخطاب الصهيوني).

وإفراغ فلسطين من كل سكانها أو معظمهم (أي تغييبهم) هو أحد ثوابت الفكر الصهيوني، وهو عنصر متضمن بشكل صامت في الصيغة الصهيونية الأساسية، وهذا أمر منطقي ومفهوم؛ إذ لو تم الاستيلاء على الأرض وبقي سكانها عليها لأصبح تأسيس الدولة الوظيفية مستحيلاً، ولتم تأسيس دولة عادية تمثل مصالح سكانها بدرجات متفاوتة من العدل والظلم. فيهودية الدولة (مع افتراض تغييب السكان الأصليين) هو ضمان وظيفتها وعمالتها.

ومن هنا، كان اختفاء العرب حتميًّا، ومن هنا كانت الصفة الأساسية للاستعمار والاستيطان الصهيونيين هي كونهما استعمارًا استيطانيًّا إحلاليًّا، فصهيونيته تكمن في إحلاليته، كما أن إحلاليته هي التعبير الحتمي عن صهيونيته (ويهوديته المزعومة).

ورغم أن رصد مقولة "العربي الغائب" وتوثيقها أمر بالغ الصعوبة؛ لأن ما هو غائب لا يمكن رصده وتوثيقه بالطريقة التقليدية التي تعتمد على الاقتباسات والنصوص وتحليلها. فإن هناك عددًا كبيرًا من التصريحات والمفاهيم الصهيونية لا يمكن فهمها إلا في إطار مقولة "العربي الغائب". ويمكن أن يندرج تحت هذا كل ذلك الحديث المستفيض عن الأرض المقدسة وإرتس يسرائيل وصهيون وأرض المعياد، فهو حديث يستند في نهاية الأمر إلى افتراض غياب فلسطين العربية. والحديث عن استيطان المهاجرين من روسيا القيصرية باعتبارها "عاليا"، أي "صعود"، والحديث عنهم باعتبارهم "معبيليم"، أي يهود يدخلون فلسطين كما دخلها العبرانيون القدامى رغم كل الصعاب والعوائق، هو أيضًا حديث يفترض غياب العرب وغياب تاريخهم. بل إنه يمكن القول بأن المصطلح الصهيوني ككل (نفي، عودة، تجميع المنفيين.. إلخ). يفترض مفهوم العربي الغائب، وقراءة أي نص صهيوني وفهم أي برنامج صهيوني أمر صعب جدًا، إن لم يكن مستحيلاً، من دون افتراض مقولة العربي الغائب كمثل أعلى.

ولنحاول الآن أن ننظر للواقع من خلال عيون مستوطن صهيوني يرى العالم من خلال هذه العدسات الإدراكية: "إن ظهر عربي على شاشة وعيي، فإنه يتحدى خريطتي الإدراكية، فالمفروض فيه أنه غير موجود. وإن تجاسر وطالب بحقوقه ونادى بتطبيق قرارات هيئة الأمم على إرتس يسرائيل، أرض الميعاد اليهودية، فهذا دليل على جهله وتخلفه، ولا بد من تلقينه درسًا. وإن بدأ يتحرك نحوي- أنا اليهودي عضو الشعب المختار وصاحب الحقوق المطلقة- فهذا يعني أنه إنسان مجنون وخطر لا بد من القضاء عليه، فالعرب لا يفهمون سوى لغة القوة" (وهذا هو أحد بنود الإجماع الصهيوني).

هنا يتحول العنف الإدراكي إلى عنف فعلي مسلح، أي إلى إرهاب، فتنطلق الصواريخ والمدافع والطائرات لتصبح فلسطين أرضًا بلا شعب، أو أرضًا يقطنها شعب لا سيادة له يعيش داخل كانتونات تراقبه العيون الصهيونية المسلحة لتضبط حركته وتجعله يتحرك داخل حدود الإدراك الصهيوني. وحينما يطالب الصهاينة الفلسطينيون بالجلوس معهم على مائدة المفاوضات فهم يطلبون منهم ذلك وهم قابعون داخل إدراكهم الصهيوني، فيعرضون عليهم سلامًا صهيونيًا حسب شروط صهيونية، يضمن استسلام الفلسطينيين، فإن لم يقبل الفلسطينيون بالسلام/ الاستسلام، فإن "جيش الدفاع الإسرائيلي" سيتحرك ليدك المنازل ويسويها بالأرض ليضمن أن الواقع الفلسطيني يتفق مع الإدراك الصهيوني له.

العربي "الغائب" لم يغب!

ولكن لِمَ يُسمى جيش المستوطنين الصهاينة جيش "الدفاع" الإسرائيلي؟ يعود هذا بطبيعة الحال إلى تصور الصهاينة أن أرض فلسطين هي أرضهم وأن الفلسطينيين دخلاء، ومن ثم فالبطش بالفلسطينيين وذبحهم هو من قبيل الدفاع عن النفس! ولكن ثمة بعدًا آخر خفيًا للإدراك الصهيوني، وهو ما نسميه الهاجس الأمني وعقلية الحصار. ويعود الهاجس الأمني إلى أن المستوطنين الصهاينة أدركوا أن الأرض التي يسيرون عليها ويدعون ملكيتها منذ آلاف السنين هي في واقع الأمر ليست أرضهم، وليست أرضًا بلا شعب كما كان الزعم، وأن أهلها لم يستسلموا كما كان متوقعًا منهم، ولم تتم إبادتهم كما كان المفروض أن يحدث. بل إنهم يقاومون وينتفضون ويتزايدون في العدد والكفاءات، ولم يكفوا عن المطالبة بشكل صريح بالضفة والقطاع، وبشكل خفي بكل فلسطين وبحق العودة لها. وقرارات هيئة الأمم المتحدة الخاصة بحق العودة لا تزال سارية المفعول، ولم تقبل إسرائيل عضوًا في المنظمة الدولية إلا بعد تعهدها بتنفيذ هذه القرارات، ويساندهم في هذا كله الشعب العربي. ومسألة العجز العسكري العربي والتفوق العسكري الإسرائيلي ليستا مسألة أزلية، وقد أثبتت حرب 1973 ثم المقاومة في لبنان، وبعدها الانتفاضة أن العرب قادرون على أن يعيدوا تنظيم أنفسهم ويهاجموا المستعمر ويلحقوا به خسائر فادحة.

ثمة إحساس عميق لدى المستوطن الصهيوني بأن العربي الغائب لم يغب، وهو إحساس في جوهره صادق: فالكيان الصهيوني محاصر بالفعل ومهدد دائمًا، والعرب في واقع الأمر لا يمكن "الثقة بهم"؛ لأن الجماهير العربية لن تقبل حالة الظلم باعتبارها حالة نهائية رغم توقيع معاهدات السلام الكثيرة! وأقصى ما يطمح إليه المستوطنون الصهاينة هدنة مؤقتة تنتهي عادة بمواجهات عسكرية. فالصراع مع الكيان الصهيوني صراع شامل على الوجود؛ لأن وجود الشعب الفلسطيني لا يهدد حدود الدولة الصهيونية أو سيطرتها على أجزاء من الأرض الفلسطينية وحسب، وإنما يهدد وجودها كله. كل هذا يعمق إحساس المستوطنين الصهاينة بأن دولتهم كيان مشتول، فرض فرضًا على المنطقة بقوة السلاح، وهم أول من يعرف أن ما أُسس بالسيف يمكن أن يسقط به. والإسرائيليون دارسون فاهمون لتجربة استيطانية سابقة تمت في نفس المكان، وهي تجربة حروب الفرنجة (الحروب الصليبية في المصطلح الحديث) وممالك الفرنجة التي دامت حوالي قرنين من الزمان، رحل أصحابها، ولم يبق من آثارها سوى بعض الأطلال. ومما يعمق مخاوفهم إحجام يهود العالم عن الهجرة والتكلفة المتزايدة للتكنولوجيا العسكرية.

كل هذا يولد الهاجس الأمني المرضي وعقلية الحصار المرضية، وهي حالة لا علاج لها داخل الإطار الصهيوني، ومهما قدم العرب من تنازلات، يظل الهاجس الأمني قائمًا، وكأنه لا علاقة له بالواقع، فهو حالة إدراكية مرضية لها جذور عميقة في الواقع.

تصدع الأيديولوجية الصهيونية

وقد ولد هذا الهاجس الأمني إحساسًا عميقًا باليأس لدى الإسرائيليين، والإحساس بأن حالة الحرب دائمة. ويظهر هذا الاستسلام الكامل في كلمات موشيه ديان في جنازة صديقه روي روتبرج الذي قتله الفدائيون الفلسطينيون. فقد قال وزير الدفاع والخارجية الإسرائيلي الأسبق: "إننا جيل من المستوطنين، ولا نستطيع غرس شجرة أو بناء بيت، دون الخوذة الحديدية والمدفع. علينا ألا نغمض عيوننا عن الحقد المشتعل في أفئدة مئات الآلاف من العرب حولنا، علينا ألا ندير رؤوسنا حتى لا ترتعش أيدينا. إنه قدر جيلنا، إنه خيار جيلنا، أن نكون مستعدين ومسلحين، أن نكون أقوياء وقساة، حتى لا يسقط السيف من قبضتنا وتنتهي الحياة".

ومنذ بضع سنوات لاحظ الشاعر الإسرائيلي حاييم جودي بمرارة ما سماه "مركب إسحاق" وهو أن الإنسان الإسرائيلي يولد "وفي داخله السكين الذي سيذبحه"، كما بين جوري أن "هذا التراب (أي إسرائيل) لا يرتوي"، فهو يطالب دائمًا "بالمزيد من المدافن وصناديق دفن الموتى"، كما لو كانت أرض إسرائيل إلهة ثأر بذيئة، لا مجرد قطعة أرض أو إقليم! كما لاحظ الكاتب الإسرائيلي بن عيزر أن الإسرائيليين الشباب، الذين يخدمون في الجيش، يشعرون أن أهلهم- بالاشتراك مع الدولة- يضحون بهم دون تعويض أو عزاء من عقيدة دينية تؤمن بالحياة بعد الموت؛ ولذا فهم يشعرون أن هذه الحروب هي "تضحية علمانية بإسحق"، أي أنها تضحية برية لا هدف لها ولا معنى! والمؤرخ الإسرائيلي يعقوب تالمون يتحدث عن "عقم الانتصار"، بعد أن رأى الجيش الصهيوني ينتصر في حرب تلو الأخرى ولا يحقق شيئًا؛ لأن الشعب الفلسطيني يرفض الاختفاء، ولأن العشب العربي لا يتوقف عن تأييد الفلسطينيين، ولأن الشعوب الإسلامية لا تزال متمسكة بالقدس وبأرض فلسطين.

وتتناول قصة "في مواجهة الغابة" التي كتبها الروائي الإسرائيلي أبراهام يهوشوا، التي وصفت بأنها هدامة وانتحارية، بعض الأحداث في حياة طالب يكتب دراسة عن حروب الفرنجة. وقد عين بطل القصة الإسرائيلي حارسًا لغابة غرسها الصندوق القومي اليهودي في موقع قرية عربية أزالها الصهاينة مع ما أزالوه من قرى ومدن، وكانت كل شجرة في الغابة تحمل اسم أحد المساهمين المتحمسين من الصهاينة التوطينيين من يهود الخارج، ورغم أن البطل ينشد الوحدة، إلا أنه يقابل عربيًا عجوزًا أبكم من أهل القرية يقوم برعاية الغابة، وتنشأ علاقة حب وكراهية بين العربي والإسرائيلي، فالإسرائيلي يخشى انتقام العربي، ومع ذلك فإنه يجد نفسه منجذبًا إليه بصورة غير عادية، بل يكتشف الحارس المعين من قبل الصندوق القومي اليهودي أنه يحاول، بلا وعي، مساعدة العربي في إشعال النار بالغابة. وفي النهاية، عندما ينجح العربي في أن يضرم النار في الغابة كلها، يتخلص البطل من كل مشاعره المكبوتة.

والإحساس باليأس قد يؤدي في النهاية إلى الفرار والهزيمة، ولكنها في المراحل الأولى يؤدي إلى مزيد من العنف الفكري الذي يؤدي بدوره إلى مزيد من الإرهاب الفعلي، وكلما زادت المقاومة الفلسطينية زاد البطش إلى أن يصل المستوطن الصهيوني إلى اللحظة التي يدرك فيها أن العنف لن يجدي فتيلاً أمام المقاومة، وأن تحالف إسرائيل الإستراتيجي مع الولايات المتحدة والعالم الغربي- وهذه هي آخر بنود الإجماع الصهيوني- لن يفيدها كثيرًا في محاولة قمع الفلسطينيين. عندئذ سيمارس هذا المستوطن تحولاً إدراكيًّا؛ إذ إنه لن يمكنه الاستمرار في الادعاءات أمام نفسه بأن فلسطين هي إرتس يسرائيل، وأنها أرض بلا شعب تنتظر عودته منذ آلاف السنين، عندئذٍ ستسقط الأسطورة وتبدأ النهاية.

في 21 أكتوبر عام 1973 كتبت في جريدة الأهرام مقالاً بعنوان "لا نهاية للتاريخ" أشرت فيه إلى أنه بغض النظر عن نتيجة الحرب فإنه نظرية الأمن الإسرائيلية المبنية على فكرة الحدود الجغرافية الآمنة والتي تسقط عنصر الزمان قد انتهت؛ لأن العرب أثبتوا مقدرتهم على تطوير أنفسهم بمرور الزمن، وحينما حانت اللحظة المواتية، تحركوا وألحقوا الهزيمة بالعدو الذي أدرك بعدها أن الأمن لا يوجد في المكان وحسب، وإنما يوجد في الزمان أيضًا، وأنه ليس مسألة خاصة بالعلاقة بالجبال والحواجز المائية والترابية، وإنما أمر يتعلق بالعلاقة مع البشر!

وقد أنجزت انتفاضة 1987 شيئًا من هذا القبيل، فمن خلال فعل المقاومة اضطر الإسرائيليون إلى الاعتراف بالوجود الفلسطيني، وجود هزيل، محاصر من كل مكان، ولكنه وجود حقيقي، أي أن الخريطة الإدراكية الصهيونية تم تعديلها بشكل جذري واختفت مقولة "العربي الغائب". ومع هذا استمرت المقولات الأخرى، وهذا ما تكلفت به انتفاضة الأقصى (التي يطلق عليه البعض اسم انتفاضة الاستقلال) فقد تركت جرحًا غائرًا في الوجدان الصهيوني أكثر عمقًا وجذرية من أي جرح سابق، فلم يعد بوسع الصهيوني أن يزعم أن العربي شخص متخلف هامشي أو عدو أزلي لا عقلاني لليهود. فقد رأى بعينيه السكان الأصليين، الفلسطينيين، وقد هبوا هبة رجل واحد، يدافعون عن حقوقهم المشروعة التي لا يمكن التنازل عنها، وأرسلوا له حجرًا يحمل رسالة لا يمكن أن تتهم بالتخلف أو الهامشية، رسالة تخبره أن وهم السلم المبني على الظلم والبطش قد انتهى، وأنه لا سبيل أمامه إلا السلام المبني على العدل والذي لا ينطلق من الإجماع الصهيوني ونظريات الحقوق اليهودية المطلقة. إن الحلم الصهيوني، بهذا المعنى، قد تم تقويضه وإلى الأبد، وانتهى الوهم بأنه يمكن للمستوطنين الصهاينة التعايش مع العرب حسب شروطهم العنصرية. ومن الآن فصاعد، مهما يحدث بعد انتفاضة الأقصى، حينما سينظر الصهيوني إلى العربي بعيونه المسلحة فإنه سيرى مشروع انتفاضة، وسيرى يدًا تمسك بحجر، وأن هذا العربي الذي يسير أمامه في سلام، والذي دخل معه في مفاوضات سلام ما يقرب من عقد من الزمان، هو في واقع الأمر عربي يلتقط أنفاسه ليعود ليقاوم، وليرفع رايات العدل والصدق في زمن يكثر فيه الكذابون والجبناء. وهذا هو الإنجاز الأعظم لانتفاضة الاستقلال. والله أعلم.

 

اقرأ أيضا:  

الانتصار اللبناني يبدد أساطير الصهيوني

إسرائيل ونموذج الدولة القلعة

كامب ديفيد2 صراع لاءات فلسطينية وإسرائيلية

انتفاضة الاستقلال تتحدى مخطط الإجهاض الإسرائيلي

"انتفاضة الأقصى" تعيد تعريف القضية

قمة شرم الشيخ هل توقف العنف الإسرائيلي؟

انتفاضة الاستقلال تتحدى مخطط الإجهاض الإسرائيلي

قليل من العنف يجسد الدولة الفلسطينية

الإسرائيليون يحصون خسائرهم بسبب الانتفاضة

62.5 مليون دولار خسائر إسرائيل بسبب الانتفاضة


شؤون سياسية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع