|
بينما
تتساقط الحجارة والصواريخ في الأراضي
الفلسطينية تجول الكلمات والآراء
وتصول في وسائل الإعلام الألمانية.
ففي الأسابيع الماضية سيطرت قضية
الصراع العربي الإسرائيلي على المواد
الإعلامية، وأحاطت بمتابعيها. وواضح
أن طريقة معالجة الأحداث من جانب
وسائل الإعلام الألمانية منحازة في
كثير من الأحيان لصالح "إسرائيل"
وناقصة.
والسؤال:
ما الذي يصنعه الجمهور الألماني
بالمعلومات التي تصل إليه، وكيف
يستوعبها ويفكر بها؟ هذا السؤال يصبح
مهماً عندما نأخذ بعين الاعتبار أن
رأي الشعب في دولة مثل ألمانيا لا
يُستهان به.. فهو عندما يظهر"كرأي
عام" يصبح عاملا أساسيًّا ومهمًّا
في الدولة الديمقراطية، التي تأخذه
بعين الاعتبار في عملية صنع القرار
السياسي الداخلي والخارجي.
والرأي
العام يتكون من أفكار مطروحة علناً،
يعبر عنها مواطنون أو جمعيات؛ وهو
يهدف إلى التأثير على صياغة الإرادة
السياسية. وبذلك يستحوذ الرأي العام
على مكانة عالية في الديمقراطية
الألمانية ويعتبَر الشرط الأول في
عملية تحديد الاتجاه السياسي أو
تغييره.
ألمانيا..
علاقات متميزة مع إسرائيل
من هنا ننطلق عندما نبحث عن حل لتغيير
سياسة الاتحاد الأوروبي أو ألمانيا
تجاه المنطقة العربية والإسلامية.
فزيارة المستشار الألماني "جيرهارد
شرودر" إلى المنطقة أوضحت كالمعتاد
أن ألمانيا حريصة على الحفاظ على
علاقاتها الخاصة والمتميّزة مع
إسرائيل، وأنها ليست مستعدة أن تقوم
بدور فعّال وحيادي، أو أن تعرب عن
موقف حازم على الإطلاق. وبالتالي لم
تتمكن ألمانيا من إدانة جرائم الجيش
الإسرائيلي في مجلس حقوق الإنسان
التابع للأمم المتحدة حيث امتنعت عن
التصويت.
وهذا
التردد ليس فقط ظاهرة على المستوى
السياسي الرسمي، بل هو قائم أيضاً في
المجتمع الألماني وله تفسير تاريخي،
وهو واقع ملاحقة اليهود قبل سبعين سنة
تحت سيطرة "هتلر"؛ فأصبحت تلك
الجريمة خطيئة موروثة، تتَلَبس
كلّ ألماني، وتعيقه عن أن يعالج قضية
تتعلق باليهود بشكل طبيعي، فيكون
شديد الحذر في هذا المجال.
ولن
يتغير الموقف السياسي الألماني إن لم
يتغيَّر إدراك الناس أو وعيهم في
المجتمع الألماني، بأن يتخلصوا من
العقدة المذكورة، ومن الضغط المقصود
واللوم المستمر؛ ليتمكنوا من استخدام
إحساسهم للحق والباطل في معالجة
القضية الفلسطينية والصراع المبني
عليها في المنطقة العربية.
سبيل
الخلاص
والخطوة
الأولى في تغيير التفكير الألماني هي
أن نجد مدخلا لقبولهم الأفكار غير
المعتادة عندهم، ثم أن نجد طريقة
للتأثير عليهم بتوفير المعلومات
والوقائع التي لا تصلهم عن طريق وسائل
الإعلام.
لذلك
نسأل: كيف يفكر الناس في ألمانيا عن
الوضع في المنطقة العربية؟ وكيف
يعالجون الأحداث؟ وإلى أين تتجه
الآراء؟
الجواب
متوفر خلف أبواب عديدة، منها مراقبة
حلقات النقاش في المدارس أو الجامعات
أو المقاهي وأماكن العمل، أو في ندوات
النقاش على الإنترنت حول الأوضاع
الراهنة. وهو ما يعنى هذا المقال
بدراسته.
الندوات
المختارة
تخصص
بعض الجرائد الألمانية المشهورة
والكبيرة والتي تمتلك موقعًا على
الإنترنت أماكن نقاش لقرائها
وزائريها، ونجد في معظمها زاوية
لإبداء الآراء والمواقف الشخصية حول
التطورات الراهنة في المنطقة العربية.
توجد
على هذه الصفحات مساهمات كتابية
مختلفة الطول، ومرتبة حسب وقت
إرسالها للموقع، وتحمل أسماء مؤلفيها
فتكون إما مُختصرةً أو مُستَعارةً أو
حقيقيةً. وتتميَّز هذه الحوارات
بتسهيلات عديدة، مثل أنها تمكّن
الزائر من قراءة التصريحات بهدوء؛
لكي يستوعبها جيداً ويفكر فيها قبل
الجواب أو التعليق عليها، أو لتكوين
رأي شخصي دون المساهمة فيها. ويمكن
الدخول للموقع من أي مكان يوجد فيه
حاسوب وفي أي وقت ودون ضرورة الكشف عن
الهوية بعد التسجيل المجاني للمشاركة.
الرأي
العام الألماني
هل
الألمان مع الفلسطينيين أم ضدّهم؟
هل
هناك تضامن من جانب الألمان مع اليهود
أم لا؟
هل
هم أصلاً قادرون – نظراً لتاريخهم –
على أن يشاركوا من غير انحياز، في
حوار عن الصراع العربي-الإسرائيلي؟
الواقع
أنّهم يشاركون في النقاش بشكل صريح
وباهتمام وجدّية، كما يبدو بعد النظر
إلى أمكنة الحوار المخصصة لهذا
الموضوع على الإنترنت والذي تمّ
فتحها بعد ما اندلعت انتفاضة الأقصى،
وأصبحت تلك المواقع من الصفحات
الأكثر زيارةً من سواها، ويدور فيها
النقاش حسب طبيعة المشاركين والآراء
المطروحة إما عدائياً ساخناً، أو
واقعيا تحليليا، أو منفعلا.
المشاركة
التحليلية
يحاول
أكثر المشاركين في ندوات النقاش أن
يقدموا مساهمات موضوعية وغير
متحيِّزة، ويحرصون أن لا يستنكروا
أعمال "إسرائيل" استنكاراً
إجمالياً، وأن يعرضوا سيئات الطرفين
– الفلسطيني والإسرائيلي - على
السواء كما يرونها. ويظهر ذلك بوضوح
على موقع جريدة " Die Zeit" –كبرى
الصحف الأسبوعية الألمانية- والتي
يجري فيها الحوار بشكل واقعي ومتعدد
الأبعاد من وجهة نظر المشاركين،
فمعظم من يكتب هناك يكون من أصل
ألماني، ويفكر في القضية ثم يعالجها
بجدّية.
نجد
مثلاً محاولات لتفسير ما يحدث في
المنطقة العربية، فمنهم من يقول: إن
"كل طرف لديه أسباب قوية مدعَّمة
بالحجج القانونية والأخلاقية
الثابتة تجعله يطالب بما يكون
مستحيلاً من وجهة نظر الطرف الآخر".
ويبدو
أن الأكثرية تأبى أن تحدد من الظالم
ومن المظلوم، أو أن تدين أحدا، فهم
ينتقدون متطرّفي الجانبين، ويقولون:
إن لكل من "إسرائيل" وفلسطين على
السواء حق الوجود.
وبالتالي
ينتقدون أن القوات الإسرائيلية ترسل
الجنود الشباب دون خبرة إلى أماكن
المواجهات، فيطلقون النار ليس للدفاع
عن النفس بل دون تمييز. ومن ناحية أخرى
ينتقدون أن السلطة الفلسطينية ترسل
الأطفال إلى الصفوف الأمامية فتعرضهم
للخطر.
وعندما
نحلل المقالات الطويلة نسبياً
والكثيرة المحتوى نجد أن المؤيدين
لعدم إدانة أي طرف هم أنفسهم يطرحون
الكثير من الأمثلة والحجج التي لا
تعتبر في صالح "إسرائيل".
تأييد
الفلسطينيين
هناك
أشخاص يؤازرون في مساهماتهم الطرف
الفلسطيني، وهم الأكثرية. وقد أوجدت
جريدة "Sueddeutsche Zeitung" من الصحف
اليومية الكبرى، موقع حوار تحت عنوان
"ما هو الحل للصراع في الشرق الأوسط"،
يتميز بسعته والمشاركة الحيوية
والمستمرة فيه، وهنا يتَّخذ حوالي
ثلاثة أرباع المشاركين موقفا مؤيّدا
للفلسطينيين.
ونجد
في المقالات أساليب مختلفة لإدانة
السياسة الإسرائيلية حتى تصل أحياناً
إلى التشكيك بحق وجود الدولة
الإسرائيلية، رغم أن أراء كهذه غير
معتادة وشبه محرَّمة في ألمانيا.
فيقول
أحد المشاركين الألمان بكل صراحة: إنه
"لا حلّ هناك (أي بالمنطقة العربية)
ما دامت الدولة الإسرائيلية قائمة في
فلسطين". وتكتب زائرة مساهمة أخرى:
إن "السلام لن ينمو على باطل"
ويدين آخر احتلال فلسطين واضطهاد
شعبها. ومنهم من كان في المنطقة
فيتحدّث كشاهد عيان حول الهجمات
الإسرائيلية بذخائر مميتة على
الفلسطينيين وحول الاعتداءات عليهم
في الحياة اليومية.
ويشارك
على هذا الموقع بعض العرب، ومعظم
مساهماتهم "موضوعية" تطالب
بتطبيق قرارات الأمم المتحدة،
وبإقامة الدولة الفلسطينية. ومنهم من
يهاجم "إسرائيل" ويشبّهها
بالسرطان الذي يجب إزالته، ويشير إلى
المستوطنات اليهودية فيسميها "حصونا
استفزازية" أنشئت بالتعويضات التي
تدفعها البلاد الأوروبية لإسرائيل.
وهناك مقارنة الإسرائيليين بهتلر أو
النازيين. وعقب هذا النوع من
المساهمات يتدخّل أحد المشاركين
ويطالب بنظرة متباينة.
إنّما
يثبت هذا النوع من الجدال الحادّ
والصريح أن هذه الجريدة لا تتبع سياسة
الرقابة حتى فيما يتعلق بموضوع خطير
مثل هذا، وأنها تقبل جميع الآراء.
وهذا الأمر ليس مفروغًا منه –في بلد
ديمقراطي- لأنه في موقع حوار تابع
لجريدة يومية أخرى وهي (Tageszeitung) لم
يظهر موقف يقارن المشارك فيه اليهود
بالنازيين، وهذا يدلّ على وجود بعض
الحواجز عندما يتعلق الأمر باليهود،
رغم حرية الرأي والفكر المضمونة في
الدستور الألماني.
ويتبيَّن
أن معظم الآراء على موقع النقاش
لجريدة Tageszeitung تنطوي على موقف أساسي
إلى جانب الطرف الفلسـطيني، رغم أن
العرب لا يشاركون فيه. ولهجة النقاش
شديدة؛ لأن بعض المشاركين الدائمين
يهاجم بعضهم بعضًا. وفي المناقشات
إدانة متكررة "لزيارة" شارون
للمسجد الأقصى، ولفتح النار على
الأطفال الفلسطينيين، وللاغتصاب
الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية،
وهذا ما يدل على أن الشعب الألماني
يدرك -رغم الأخبار المنحازة- أن هناك
ظلمًا وعدوانًا ظاهرين في فلسطين.
تأييد
الإسرائيليين
نجد
في جميع مواقع الحوار المذكورة
مساهمات مؤيدة للطرف الإسرائيلي،
ولكن كتّابها لا يحاولون تبرير
الجرائم الإسرائيلية، إنّما يشيرون
إلى خطأ الإدانة المتحيّزة، وإلى
الذنب الذي يرتكبه الفلسطينيون أيضاً
- في نظرهم - برمي الحجارة وبتطرّف
بعضهم.
وتوجد
أيضاً آراء متطرفة مؤيّدة للطرف
الإسرائيلي، وتأتي عادة من جانب
يهود، فهم يزعمون مثلاً أن الأخبار
مُدبَّرة ومُستَعملة لشن العدوان ضد
اليهود، ثم يدّعون أن من يرمي
بالحجارة من الفلسطينيين الصغار هم
"جنود أطفال" تستعملهم السلطة
الفلسطينية لغاياتها، وأن وجودهم
مخالف للقوانين الدولية، وأن الحجارة
تكون أيضاً سلاحا مؤذيا. ويقول بعض
أصحاب هذه الآراء: إن الفلسطينيين
يطالبون بدولة لم يكن لها وجود في أي
وقت من الزمن. و يشير أحد المساهمين
إلى أن "ميليشيا حماس المتطرفة
تمارس الإرهاب ضد المستوطنين
بأسلحتها النارية" وإن "وراء كل
ذلك" أسامة بن لادن.
يصل
تشويه الحقيقة التاريخية والراهنة من
قِبل المشاركين اليهود إلى حد أنهم
يزعمون أن الشعب الفلسطيني هو "شعب
وهمي" ليس له جذور في فلسطين، وزُرع
فيها بعدما طُرد منها اليهود. ويشددون
في تصريحاتهم على الخوف من المسلمين ،
فيحذّرون من العدوان الإسلامي
العالمي الذي يهدف إلى القضاء على كل
من ليس في ملّته.. ويسمّي أحد
المجادلين اليهود المظاهرات التي
خرجت في العاصمة الألمانية برلين ضد
العنف الإسرائيلي في فلسطين بأنها
"ثورة حاشدة لهَمَج تركي".
وبالطبع
لا تبقى تصريحات قليلة وعدوانية كهذه
دون ردّ فعل شديد اللهجة من جانب
المشاركين فلا أحد يتقبّلها سِوى
مؤلفيها.
التردّد
الألماني
ونستخلص
من تحليل الآراء والتصريحات وطريقة
الحوار أن ما يسود في مواقع النقاش
الألمانية على الإنترنت هو الحوار
البنّاء والبحث عن حلّ للمشكلة. والحل
في منظور الأغلبية أن تنفَّذ قرارات
الأمم المتحدة، وأن يطَبَّق القانون
الدولي. هذا الموقف يعكس التفكير
القانوني الألماني من ناحية، ومن
ناحية أخرى يتجنب الألمان به تقويم
الأحداث في المنطقة تقويماً مستقلاً
وواضحاً.
وبعضهم
لا يصمت عمّا يعتقد به، فيتجرأ أن
يدين ما يظهر له بأنه باطل، وبأنه ظلم
وعدوان، وينتقد الوسائل العدوانية
التي تستخدمها إسرائيل للاستبداد
بالفلسطينيين. وهذه المحاولات تجد
ردودًا من جانب آخرين حريصين على "تصنيف"
الوقائع.
هذا
الموقف الحذر والمتردّد الذي يتكرر
في جميع المواقع ينتج بالتالي عن
الصورة التي تحاول أن تقدمها وسائل
الإعلام الغربية، وتبرزها مقابل
التبرير والتهوين من شأن الأعداد
الكثيرة من الشهداء الفلسطينيين،
والتهوين من شأن الظلم الصهيوني الذي
يعانونه، وذلك مثلاً عبر المبالغة في
الإدانة والاستنكار لقتل اثنين من
الجنود الإسـرائيليين، بينما
يُعَبَّر عن القتل الإجمالي
للفلسطينيين بلغة الأرقام فقط. وتوحي
هذه الطريقة للمراقب بصورة مزيفة
لتوازن القوة بين الأطراف، فيفقد
إحساسه بالواقع، ثم يضيع في متاهة
مقالات وتقارير متناقضة. هذه عملية
لتعقيد الواقع البسيط، تجعل المتابع
عن بعد لا يتمكن من الوصول إلى حكم
سليم بهذا الشأن.
وتوجد
جرائد ألمانية معروفة، لديها مواقع
شبكية كبيرة، ولم تفسح مجالا لمناقشة
موضوع القضية الفلسطينية مثل جريدة
(Die Welt) ، وهي جريدة يومية رئيسية، لها
قراء مثقفون، ومنهم من هو في مركز صنع
القرار، ولم تخصص مكانا في موقع
الحوار لديها لمعالجة موضوع الصراع
العربي- الإسرائيلي. كذلك المجلة
الأسبوعية المشهورة (Der Spiegel) لم
تصنع ذلك رغم المطالبة من جانب القراء.
وهذا التقصير المقصود يدلّ على أن بعض
الجهات لا تريد أن يكون هناك حوار
مفتوح حول الموضوع.
ما
العمل؟
ويستخلَص
من تحليل المساهمات في الحوار، أن
هناك فرصة جيدة للتأثير على الرأي
العام الألماني؛ لأننا نجد تعاطفًا
مع الجانب الفلسطيني وقابلية للتفكير
بوجهة نظر أخرى ولو خالفت السلوك
السياسي والاجتماعي التقليدي لدى
الألمان، ولأنهم يبحثون عن معلومات
إضافية.
فمن
واجب المسلمين والعرب في ألمانيا وفي
الغرب أن يستخدموا كل الوسائل
المتوفرة لديهم للحوار مع الألمان،
ولعرض الأفكار والوقائع التي لم
يسمعوا بها؛ لكي يصححوا الصورة
الخاطئة التي تقدمها وسائل الإعلام.
وواضح أن الحوار الموضوعي على مواقع
الإنترنت وسيلة حديثة وفعّالة
لإقناعهم بالحقائق، وهي أفضل من
القيام بالمظاهرات مثلا؛ لأن الألمان
يتأثّرون بالأساليب الموضوعية أكثر
من تأثرهم بالتحركات العاطفية.
اقرأ
أيضا:
هايدر
يربك الديمقراطية الغربية!!
تصاعد
اليمين الأوروبي: هل يهدد الوجود
المسلم في الغرب؟!
"الإسلام
السياسي" في الصحف البريطانية.. نقيض
كل ما هو غربي
|