|
يسري
على ألمانيا كدولة غربية ما يسري على
سواها من وجود ارتباطات مصلحية
وعضوية "بعيدة المدى" مع الأهداف
الصهيونية العالمية، وكذلك الأهداف
الصهيونية الإقليمية في المنطقة
العربية والإسلامية.
حدود
تحرّر السياسة الخارجية الألمانية
وعلى
صعيد ألمانيا يمكن القول: إن سياستها
الخارجية تحرّرت- إلى حدّ بعيد- من
الارتباط التبعي بالولايات المتحدة
الأمريكية، الذي بقي يمثل -لعشرات
السنين بعد الحرب العالمية الثانية-
حجر الزاوية في تحديد مرتكزات تلك
السياسـة الخارجية إلى جانب المصالح
الاقتصادية الألمانية المتنامية
التي تنامى تأثيرها في رسم معالم
السياسة الخارجية أيضا، إلى أن أصبحت
لها الأولوية على ما سواها، بما في
ذلك العلاقات مع واشنطن، كما يظهر من
أمثلة عديدة لتميّز الموقف الألماني
والأوروبي عمومًا في قضايا معروفة،
كالتعامل الأمريكي مع كوبا وإيران
وليبيا، فضلا عن المساعي الأوروبية
الحثيثة بزعامة فرنسية وألمانية،
للتميز الأمني عن الولايات المتحدة
الأمريكية.
ولكنّ
تحرر السياسة الخارجية الألمانية على
هذا النحو لم يشمل السياسة الألمانية
تجاه قضية فلسطين، وسائر ما يتعلّق
بالعرب واليهود، علاوة على أنّه كان
تحرّرًا مشروطًا، فقد وجدت السياسة
الخارجية الألمانية حاضنتها الجديدة
في الاتحاد الأوروبي، وهو ما كان أحد
الشروط الرئيسية للحصول على التأييد
الأوروبي للوحدة الألمانية فور
انهيار الشيوعية في الشرق. ويبدو
ارتباط السياسة الألمانية تجاه قضية
فلسطين بسياسة الاتحاد الأوروبي أشدّ
من ارتباط سواها، كفرنسا مثلا،
لأسباب يمكن أن تتبيّن لاحقا، بل كانت
الحكومة الألمانية في الفترة الأخيرة
أقرب إلى "ضبط" ما بدا للوهلة
الأولى على شكل تحوّل محتمل لتخفيف
درجة الانحياز السياسي، كما في موقف
التأييد الأوروبي المبكر نسبيًا،
لقيام الدولة الفلسطينية.
وتحرص
التصريحات الألمانية على "التواري"
وراء الموقف الأوروبي المشترك في أي
خطوة جديدة، وهذا ما يسري على الحديث
عن ضرورة مشاركة أوروبية أكبر في "عملية
السلام" بعد انهيارها واقعيًا،
وانهيار مصداقية انفراد واشنطن في
التعامل مع النزاع القائم تحت عنوان
رعايتها "النزيهة".
مع
ذلك لا يستبعد أن تساهم الجولة
الراهنة للمستشار الألماني في
المنطقة في ظهور مواقف ألمانية
وأوروبية متطوّرة، إذا ما وجد لذلك ما
يكفي من التأكيد والدعم على الساحة
العربية، لا سيّما في مصر والأردن وقد
سرى عليهما بالمنظور الأوروبي:
أنّهما ركيزتان رئيسيتان تعتمد
السياسة الأمريكية عليهما في "
احتكار " قرار السلام والحرب " في
هذه المنطقة المجاورة لأوروبا.
بقايا
العقدة النازية بين التفكّك والتماسك
ولا
يعني احتمال تطوّر المواقف أنّه قد
يأتي نتيجة التأثر بانتفاضة
الاستقلال الفلسطينية وشهدائها
والعنفوان العسكري الإسرائيلي في
مواجهتها، إنّما يمكن أن يأتي نتيجة
"حسابات" سياسية محضة، والبحث عن
طريق آخر غير الطريق التي سلكها
الأوروبيون في مشاريع "التعاون
الأوروبي-المتوسطي" و"لقاءات
الشرق الأوسط الاقتصادية " وغير
ذلك ممّا كان من إفرازات العملية
السلمية على الطريقة الأمريكية،
وانهار واقعيًا، أو أصبح من المستحيل
متابعته على الأسس القديمة الشاملة
للكيان الإسرائيلي.
ولا
تكمن مشكلة ألمانيا وتحرير سياستها
الخارجية في المنطقة من الهيمنة
الأمريكية، في مبدأ القبول بذلك أو
رفضه - فالأمر على هذا الصعيد قد حُسم
على أرض الواقع- بل تكمن في سببين
رئيسيين، أولهما أوروبي يتمثل في
استمرار العجز عن ممارسة سياسة
خارجية مشتركة تجاه قضايا كبرى
تتحرّك على محاور الحرب والسلام، كما
في البلقان وفلسطين والقوقاز، والسبب
الثاني عربي فما دامت الأطراف
العربية هي التي تتمسك بالهيمنة
الأمريكية على "إدارة الصراع"،
وبغض النظر عن الأسباب والنتائج، فلا
يُتوقع من جهة أخرى هي أقرب للولايات
المتحدة الأمريكية من الدول العربية،
أن تعمل بنجاح على كسر هذه الهيمنة،
رغم أنها ترى مصلحتها الذاتية بوضوح.
ويضاف
إلى ذلك بالنسبة إلى ألمانيا من بين
الدول الأوروبية عامل آخر معروف، هو
بقايا العقدة النازية وتأثيرها على
كيفية التعامل مع اليهود وسائر ما
يتصل بهم، بما في ذلك اغتصاب فلسطين
وسياسة إسرائيل العدوانية في
المنطقة، فالأمر هنا وفي صناعة
القرار السياسي والأوروبي عموما، لا
يصنعه جدل ما حول حقوق شرعية ومواقف
عادلة وما شابه ذلك، بل هو أمر موازنة
المصالح والقوى فحسب، وأمر تأثير
أصحاب الشأن مباشرة في القضية
المعنية على أصحاب القرار الألماني
والأوروبي، وهذا ما ينكشف بصورة
سلبية للغاية، عند النظر في جهود
التأثير العربية والإسلامية مقابل
جهود التأثير الإسرائيلية
والأمريكية.
وكان
قد بدا في الثمانينات الميلادية
الماضية، وقبل تحريك عجلات مدريد
فأوسلو، أن الطبقة السياسية في
ألمانيا، التي اقتصرت معايشتها للعهد
النازي على سنوات الطفولة، ومنها
المستشار الألماني السابق هلموت كول،
تريد التحرّك بحذر في اتجاه التحرّر
من العقدة النازية. وشـهدت فترة
الثمانينات عددا من المؤشـرات على
هذا الصعيد، من أشهرها مثلا ما ارتبط
بهلموت كول نفسه، عندما تحدّى
الاعتراضات والاحتجاجات اليهودية،
وقام مع الرئيس الأمريكي الأسبق
رونالد ريجان بزيارة لمقبرة تضمّ
رفات جنود ألمان من الحرب العالمية
الثانية، أي ممّن قاتل تحت الزعامة
النازية، وتكرّر التحدّي بصورة أخرى
عندما التقى مع المستشار النمساوي
السابق والأمين العام للأمم المتحدة
الأسبق كورت فالدهايم، بعد أن بلغت
الحملة الصهيونية والأمريكية ضدّه
ذروتها، ثم كانت الحادثة الثالثة
عندما كشف هلموت كول عن موقفه الرافض
بشدّة وبصيغة استنكار غير معتادة،
اعتراض المؤتمر اليهودي العالمي على
المساعي الألمانية الحثيثة في أواخر
الثمانينات لاستغلال انهيار
الشيوعية ومعسكرها الشرقي من أجل
إعادة توحيد ألمانيا.
ولا
تعني هذه المؤشرات أنّ العقدة
النازية لم تترك أثرها على السياسات
الألمانية في الثمانينات الميلادية،
فقد كانت المواقف المنحازة بوضوح، أو
الودية التعاونية الأقرب إلى
الانحياز، ظاهرة للعيان، ودائمة
التكرار، وأحيانا أشبه بمواقف "التنافس"
بين أكثر من حزب، ويسري هذا مثلا على
يوهانس راو، رئيس لولاية رينانيا
وستفاليا -كبرى الولايات الألمانية-
آنذاك ورئيس الجمهورية الحالي، وهو
من حزب الديمقراطيين الاشـتراكيين
الذي يرأسـه جيرهارد شرودر الآن .. كما
يسري ذلك بصورة مشـابهة على كلاوس
كينكل، وزير الخارجية السابق، وله
صلة قرابة إسرائيلية، وهو من
الديمقراطيين الأحرار، ثم ريتا
زوسموت، رئيسة المجلس النيابي
الألماني سابقا..
وغيرهم.
رغم
ذلك فقد كانت السياسة العربية بعيدة
عن عملية الرصد المحضة فضلا عن
التحرّك والتفاعل مع المواقف
الألمانية المتميزة، أو المتمرّدة
جزئيًا على العقدة النازية، وهذا رغم
بداياتها المبكرة، في دعوة المستشار
الأسبق فيلي براندت إلى ممارسة
علاقات " عادية " بدلا من "
علاقات خاصة " مع الدولة العبرية،
أو في امتناع المستشار الأسبق هلموت
شميدت عن زيارتها، ووصول العلاقات
بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي
الأسبق إسحق شامير درجة الأزمة
العلنية الحادة، فضلا عن الفترة
المشار إليها في عهد هلموت كول.
وبالمقابل
بدأت المساعي اليهودية لتطويق
البوادر الجديدة على أوسع نطاق وفي
ميادين متعدّدة، بدءا بحملة استهدفت
المدارس لزيادة " المواد التعليمية
" التي تعرض اليهود كضحايا
للنازية، وانتهاء بما كان في العامين
الماضيين من حملة مركّزة على الشركات
تحت عنوان التعويضات المالية الآن عن
تسخير العمال بالإكراه للعمل
بأجور منخفضة في العهد النازي في
الثلاثينات الميلادية.
كما
استغل اليهود إلى حدّ بعيد موجة العنف
اليميني المتطرّف ووظفوه للتحذير من
تجدّد ما يعرف بموجة "العداء
للسامية" بينما لم تصدر مواقف
حازمة من دول عربية وإسلامية شمل
العنف اليميني رعاياها، باستثناء
تركيا، ورغم أنّ نسبة الاعتداءات
التي تعرّضت لها " مقابر اليهود "
و بعض معابدهم في ألمانيا، لم تبلغ
نسبتها آنذاك بضعة أعشار في المائة،
من حوادث العنف التي شملت القتل
والاعتداء على " الأحياء " وعلى
المساكن والمحلات التجارية لغير
اليهود، من المسلمين وغير المسلمين
في ألمانيا.
محاور
التأثير على السياسة الألمانية
منذ
استلم الاشتراكيون الديمقراطيون-
بزعامة جيرهارد شرودر، وبالائتلاف مع
الخضر بزعامة يوشكا فيشر- مقاليد
السلطة بعد انتخابات عام 1998 م، عادت
السياسات الألمانية على صعيد التعامل
مع اليهود عموما إلى سابق عهدها في
الستينيات الميلادية، ولذلك
انعكاساته الواضحة للعيان على الصعيد
السياسي الداخلي، ولكنه يترك
انعكاساته أيضا على المواقف
الألمانية في إطار الاتحاد الأوروبي،
فيما يتعلّق بقضية فلسطين، والصراع
الإقليمي القائم مع الصهيونية.
والمحور
الرئيسي الذي يميّز هذه السياسة هو
الاكتفاء بمواكبة مجرى "عملية
السلام" وفق ما تصنعه واشنطن، مع
الاستعداد للتحرّك على الصعيد
الاقتصادي فقط .. وهو ما كان يعني "فرملة"
المساعي الفرنسية لتميّز أكبر وتحرّك
مباشـر في الساحة، وإن تضاءل حجم ذلك
مع وصول جوسبان إلى منصب رئاسة
الوزراء، ثم بعد الرد الفلسطيني
الشعبي المعروف على انحيازه لصالح
الكيان الإسرائيلي في التعامل مع
المقاومة المسلّحة في جنوب لبنان،
ووصفه جهاد حزب الله بالإرهاب، حيث
قام الطلاب الفلسطينيون في جامعة
بيرزيت برشقه بالحجارة.
وقبل
يومين فقط من بدء جولة شرودر الحالية،
شهدت العاصمة الألمانية برلين نشاطا
ملحوظا في المؤتمرات الصحفية،
والتصريحات الرسمية، وكذلك في إطار
مناقشة نيابية مخصصة للأحداث
الجارية، وصدرت خلالها أصوات تنتقد
العنف العسكري الإسرائيلي .. بحذر،
وأخرى تدعو إلى دور أوروبي جديد ..
مقيّد بالتنسيق مع واشنطن، وبقي
الخطّ العام هو تحميل الطرف
الفلسطيني المسؤولية عن الأحداث
الجارية، أو على الأقل المسؤولية عن
عدم وضع حدّ لها.
وهذا
ممّا يؤكّد أن السياسة الألمانية في
المرحلة المقبلة ستبقى مرتبطة
بمبادئها الأربعة التقليدية:
1-
الامتناع عن تحرك انفرادي خارج نطاق
الاتحاد الأوروبي.
2-
عدم الصدام مع واشنطن رغم الحرص على
التميز الأمني والسياسي الخارجي
أوروبيًا.
3-
تأثير العقدة النازية المستمر في
العلاقة مع اليهود وإسرائيل.
4-
الحفاظ على المصالح الاقتصادية
والمالية في المنطقة العربية.
ويبقى
السؤال ما إذا كان أطراف المحادثات من
العرب، سيعملون للتأثير على هذه
المعطيات، وبالتالي على السياسة
الألمانية- ومن خلالها على السياسة
الأوروبية- وهو ما لا ينتظر تحقيقه
دون توفير أربعة معطيات مقابلة:
1-
التحرّك العربي الجماعي في التعامل
مع الاتحاد الأوروبي على سائر
المحاور بما في ذلك الجوانب السياسية
والأمنية.
2-
انتزاع السياسة العربية من الهيمنة
الأمريكية، والتلاقي مع الطرف
الأوروبي على أساس التميز، شريطة
الانطلاق من مصالح عربية، وليس
استبدال هيمنة أجنبية بأخرى.
3-
توظيف المآسي المتواصلة منذ بدايات
الهجرة اليهودية إلى فلسطين حتى
اليوم للتأثير على المدى البعيد على
الرأي العام الغربي، بما في ذلك
الألماني، وهو ما يمكن التأكيد أنّه
قابل للتحقيق إذا جرى التركيز على
مستوى الشبيبة، الذين يبدون تفاعلا
متصاعدا مع الأحداث الجارية،
وتذمّرا متزايدا من وطأة التركيز على
العقدة النازية في المدارس والإعلام،
وهم جيل صناعة القرار في المستقبل.
4-
التخلص من إعطاء الأولوية لمصالح "انفرادية
وقطرية" عربية مع التكتلات الدولية
كالاتحاد الأوروبي والدول الأقوى
اقتصاديا كألمانيا، والمضيّ بدلا من
ذلك في سياسة التكتل العربي اقتصاديا
وأمنيا، مع ممارسة سياسة المصالح
المتبادلة بمعنى الكلمة بدلا من
ممارسة العلاقات الاقتصادية وغير
الاقتصادية حاليا بأسلوب "شارع
باتجاه واحد" لا يصبّ في تحقيق
المصالح العليا للعرب والمسلمين
وقضاياهم المصيرية بكل تأكيد.
اقرأ
أيضًا:
-
خاتمي في ألمانيا.. صفعة جديدة
للسياسة الأمريكية تجاه إيران
-
جائزة أوربية لكلينتون مقابل تعطيل
مصالحها
-
دايفوس العسكري.. التمرد الأوربي
المني على واشنطون
-
هايدر يربك الديمقراطية الغربية
-
واشنطن تضغط على ألمانيا لتعويض
العمال اليهود
-
تنامي العداء ضد اليهود في ألمانيا
-
ألمانيا تستقبل المزيد من ميليشيا
لحد
-
ألمانيا تتحمل المسؤولية عن جرائم
النازية
-
الخلافات العربية أفشلت التعاون
الاقتصادي مع ألمانيا
|