جاء
تصريح وزيرة العدل الألمانية "هيرتا
دويبلر جميلين" حول نازية الرئيس
الأمريكي "جورج بوش" ليظهر حقائق
عدة، أهمها أن برلين أنهت عهد التأييد
غير المحدود لواشنطن، بينما وضعت رئيس
حكومتها "جيرهارد شرودر" في موقف
لا يُحسد عليه بعد أن سارع منافسه على
منصب المستشارية المعروف بعلاقته
القوية بالإدارة الأمريكية ليعلن أن
الوزيرة الألمانية "تسيء لسمعة
ألمانيا".
وكانت
جميلين قد ذكرت في تصريحات لصحيفة "شفيبشن
تاجبلات" الخميس 19-9-2002 أن بوش يريد
أن يتخلص من متاعبه السياسية
الداخلية، إنها طريقة محببة، وهتلر
فعل هذا أيضاً؛ الأمر الذي أثار غضب
الإدارة الأمريكية.
ولم
يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فتواصلت
ردود الأفعال الصادرة عن الدوائر
السياسية الأمريكية، وطالب البعض
باستدعاء الجنود الأمريكيين
المرابطين في القواعد العسكرية في
ألمانيا.
أما
"إدموند شتوبر" منافس شرودر في
الانتخابات ومرشح الحزب الاشتراكي
المسيحي فقد وضع شرودر في مأزق حقيقي،
عندما طالبه بالاعتذار للرئيس
الأمريكي بوش؛ الأمر الذي لم يستطع
شرودر القيام به في ظل معارضته الشديدة
للسياسة الأمريكية، واكتفى بتوجيه
رسالة رقيقة للبيت الأبيض الجمعة 20-9-2002
تصدرتها عبارة "عزيزي بوش".
الموقف
الشعبي
ويرى
المراقبون أن تصريحات جميلين لا تعدو
مجرد انعكاس لموقف الحكومة الألمانية
من تهديدات بوش المتواصلة بضرب
العراق، بل ورؤية الشعب الألماني
للسياسة الأمريكية. فبعد أحداث 11
سبتمبر شهدت برلين الكثير من مراسم
تأبين الضحايا عبّر خلالها المواطنون
الألمان عن حزنهم العميق، وتعاطفهم مع
الشعب الأمريكي. أما بعد عام من
الأحداث، وفي الذكرى الأولى، اقتصر
الأمر على القليل من الأفعال الرمزية
واللافتات الدبلوماسية.
ويرى
المراقبون أنّ الألمان يشعرون الآن
أنّ الإدارة الأمريكية وقواتها النشطة
حول العالم امتصت مبررات التعاطف مع
الولايات المتحدة؛ بتحركاتها
التوسعية والانتقامية، والمبالغة في
تقمص دور شرطي العالم.
فالقلق
يجتاح أوروبا من السلوك الأمريكي
الجديد الذي لا يعترف بالقانون الدولي
أو الشرعية الدولية؛ بدءاً من الوضع
غير الإنساني الذي يعيش فيه أسرى تنظيم
القاعدة وحركة طالبان في قاعدة
جوانتانامو؛ وانتهاء بنوايا الحرب ضد
العراق.
نهاية
عهد
 |
|
جيرهارد شرودر
|
وجاءت
الانتخابات على منصب المستشارية
الألمانية المزمع إجراؤها الأحد 22-9-2002
لتوضح للعالم أن عهد التأييد غير
المحدود لواشنطن انتهى، فحكومة شرودر
تمسكت برفض الحرب ضد العراق، رغم
مشاركتها في الحرب الأمريكية في
أفغانستان، وركز شرودر في حملته
الانتخابية على معالجة قضايا تقليدية،
كالبطالة والنمو الاقتصادي، بينما فرض
ملف الموقف الألماني من الحرب
الأمريكية المحتملة ضد العراق نفسه
على الساحة السياسية الألمانية.
فالرأي
العام الألماني معارض بقوة لهذه
الحرب، وتنتابه مخاوف من أضرارها على
الأمن والوضع الاقتصادي في أوربا
بالإضافة إلى تعارضها مع المزاج
الألماني الكاره للحروب منذ ما لحق
بألمانيا من ويلات خلال النصف الأول من
القرن العشرين.
وحظي
شرودر بكثير من التصفيق في كل مناسبة
أعلن فيها رفْضه لشن هجوم على العراق،
وظهر أمام شعبه في موقف المتحدي القوي
لموقف الإدارة الأمريكية.
من
جانبه يشدد "يوشكا فيشر" وزير
الخارجية الألماني وزعيم حزب الخضر
باستمرار على رفض هذه الحرب خلال
المناظرات والمؤتمرات الانتخابية،
وأمام مؤيديه الذين ينحدر كثير منهم من
أوساط حركة السلام الألمانية الناشطة
إبان الحرب الباردة.