|

قانون الإرهاب البريطاني.. إرهاب وعولمة أمنية
لندن - نور الدين العويديدي - إسلام أون لاين/ 11-5-2001
اعتبر
باحثون وناشطون عرب في بريطانيا أن
قانون الإرهاب الذي صادق عليه
البرلمان البريطاني في شهر فبراير
المنصرم، يمثل خطرا على الجالية
العربية والإسلامية في المملكة
المتحدة، بقدر ما يمثل خطرا على حقوق
الإنسان والحريات الشخصية لمجمل
البريطانيين.
وقال
هؤلاء الباحثون والناشطون الذين
شاركوا في ندوة "قانون الإرهاب
البريطاني وأثره على مستقبل
المسلمين في بريطانيا" التي نظمها
مركز "المنظور السياسي" في
جامعة "ويستمنيستر" في العاصمة
البريطانية لندن الأسبوع الماضي: إن
هذا القانون يقدح في الوجه
الديمقراطي لبريطانيا، وفي صورتها
باعتبارها أم الديمقراطيات
الغربية، بما يتيحه من صلاحيات غير
محدودة للشرطة وللأجهزة الأمنية،
على الشاكلة التي تعرف في أعتى الدول
شمولية وقمعا للحريات.
ودعا
المشاركون في الندوة العرب
والمسلمين إلى العمل يدا بيد مع
معارضي القانون من البريطانيين، من
منظمات وجمعيات وأفراد؛ سعيا لإفهام
المجتمع البريطاني حقيقة هذا
القانون الذي ينتقص من الديمقراطية
وحقوق الإنسان، ويمكن أن يكون سيفا
مسلطا على الناس، بحجة مقاومة
الإرهاب الذي أجمع المشاركون في
الندوة على محاربته، ولكن بعد
تعريفه وتمييزه عن المقاومة
المشروعة للاحتلال ولكل أشكال
العدوان والظلم.
تحدث
في بداية الندوة المحامي "صباح
المختار" رئيس جمعية المحامين
العرب في بريطانيا؛ ليقدم تناولا
قانونيا وسياسيا للقانون. وأكد
المختار أن العرب والمسلمين جميعا
يسعون- مثل غيرهم- إلى مقاومة
الإرهاب، باعتبار أنه يسيء إليهم
وإلى البلد الذي يقيمون فيه،
وباعتبار مقاومة الإرهاب واجبا
وطنيا وإنسانيا.
قانون
إرهابي
ولاحظ
المختار أن ما يشد الانتباه في
القانون البريطاني الجديد هو تعريفه
للإرهاب. وقال: إن هذا القانون عمد
إلى توسيع مفهوم الإرهاب، وتوسيع
مجال تطبيقه؛ ليشمل منظمات تقاوم
الاحتلال، وكل عمل من شأنه إقلاق
السلطات.
وقال:
"إن القانون الجديد يعاقب من قام
بعمل عنيف، وحتى من هدد به، بدافع
سياسي أو ديني أو أيديولوجي"، و"إن
القوانين السابقة تعتبر العمل
إرهابيا إذا طال الأشخاص، في حين
أضاف القانون الجديد المال، وأدخل
القصد الجنائي باعتباره إرهابا، حتى
وإن لم يقم المتهم بالعمل المعتبر
إرهابا".
وقال:
"إن القوانين السابقة كانت تحدد
الإرهاب باعتباره العمل العنيف الذي
يهدد الحياة، أما القانون الجديد
فأضاف إلى ذلك كل ما يهدد الصحة أو
السلامة والمال".
وتوقع
أن يتم تطبيق القانون بشكل انتقائي،
وأن تكون المحددات والدوافع لاختيار
حالة دون حالة لتطبيق القانون
عليها، محددات ودوافع سياسية.
كذلك
أضاف أن المادة 36 من القانون الجديد
تعطي للشرطة الحق في الحصول على
المعلومات وجمعها من خلال المخبرين،
وعن طريق الضغط على الشخص المعني، أو
على أشخاص آخرين للحصول منهم على
المعلومات التي تدين ذلك الشخص، في
حين تسمح المادة 11 من القانون للشرطة
بإلقاء القبض على أي شخص، لمجرد
إلقائه – مثلا – محاضرة في مؤتمر؛
اعتبر لاحقا مؤتمرا إرهابيا، حتى
وإن كان المحاضر لا يعرف المشاركين
في المؤتمر، ولا صلة له بأي عمل من
أعمالهم التي قد تعتبر إرهابية.
وأشار
إلى أن المادة 18 من القانون تجعل أي
شخص لديه معلومات أو شكوك بأن شخصا
آخر إرهابيا ولا يبلغ الشرطة بتلك
المعلومات والشكوك، معرضا للعقاب.
وقال: "إن القانون يسمح للشرطة
بتفتيش كل مكان وفي أي وقت، حتى دون
إذن قضائي"، و"إن القانون
الجديد يفرض على الإنسان أن يفسر ما
يكون بحوزته من مواد قد تكون صالحة
للقيام بعمل إرهابي".
كما
ذكر أن امتلاك أي شخص لكتاب – مثلا –
يتحدث عن كيفية صنع متفجرات،
واستفادة "إرهابي" مفترض من ذلك
الكتاب يعرض صاحبه للحكم بالسجن 10
سنوات كاملة.
وأضاف
أن القوانين السابقة كانت تلزم
الشرطة بأن تثبت أن حيازة ذلك الكتاب
-مثلا- تأتي بنية الإضرار بالآخرين،
أما القانون الحالي فيلزم المتهم
بإثبات حسن نيته، وتفسير الغرض من
وجود ذلك الكتاب لديه، وقال: إن
إبلاغك لشخصٍ، قد يكون متهما
بالإرهاب، بمقدم الشرطة للقبض عليه،
يعرضك لعقوبة بالسجن تصل إلى 5 أعوام
كاملة، حسب القانون الجديد.
ولاحظ
المختار أن الجمعيات الـ21 التي
وضعتها السلطات البريطانية على
قائمة الجمعيات الإرهابية: 16منها
جمعيات عربية وإسلامية، و10 منها من
دول عربية، وحاز الفلسطينيون على
أكبر مجموعة؛ إذ كان عدد الجمعيات
الفلسطينية التي اعتبرت إرهابية 3
جمعيات.
وقال:
إن 5 منظمات يهودية معترف بأنها
إرهابية حتى في الولايات المتحدة
الأمريكية، وبعضها مصنف في الدولة
العبرية نفسها على أنها جمعيات
إرهابية لم يعتبرها القانون
البريطاني الجديد جمعيات إرهابية.
وذكر
أنه حين التقى بوزير الداخلية
البريطانية "جاك سترو" في وفد
من المجلس الإسلامي البريطاني (MCB)
وسأله عن أسباب عدم ضم الجمعيات
اليهودية الخمس لقائمة الجمعيات
الإرهابية، رد عليه الوزير بأنه لم
تطالب أي دولة باعتبار تلك الجمعيات
جمعيات إرهابية.
واعتبر
المختار أن الدول العربية وإسرائيل
والهند كانت من بين أهم الدوافع
لإقرار قانون الإرهاب البريطاني؛
فقد قال: "إن 7 سفراء عرب طالبوا
مجتمعين الحكومة البريطانية بحظر
جماعات عربية وإسلامية ينشط عناصر
منها في بريطانيا".
وشدد
على أن أي خطبة جمعة أو محاضرة أو حتى
جمع أموال لصالح فقراء ومحرومين قد
يتم تصنيفها ضمن الأعمال الإرهابية،
إذا استفاد منها ولو بشكل عرضي
جماعات تعتبر في عرف القانون
البريطاني الجديد بأنها جماعات
إرهابية.
وقال:
"إن القانون مطاط وحمّال أوجه،
ويصلح لأن يكون وسيلة للتضييق
الشديد على الحريات الفردية والعامة"،
و"إن تنفيذه يمكن أن يجعل من
بريطانيا بلدا من العالم الثالث؛
تفرض أوضاعا استثنائية على مواطنيها".
عولمة
الأمنية
أما
الباحث "غانم جواد" فتناول
التطور الحاصل على مفهوم الإرهاب في
التاريخ الحديث. وقال: "إن مقاومة
الحركة النازية في فرنسا، التي
احتلها الألمان في الحرب العالمية
الثانية كان ينظر إليها باعتبارها
عملا فدائيا يخلد أصحابه، ويعتبرون
بسببه أبطالا".
وأضاف
أنه مع اشتداد الحرب الباردة، عرف
العالم مرجعيتين في تحديد الإرهاب،
ولكن مع نهاية الحرب الباردة،
وانهيار الاتحاد السوفيتي السابق،
ومجيء العولمة، وسيطرة القطب
الواحد، حصلت مواجهة سياسية
وأخلاقية بين مفهومين: مفهوم
المقاومة الذي تطالب به الشعوب
المنتهكة حقوقها، ومفهوم الحفاظ على
الاستقرار، الذي تطالب به القوى
المهيمنة على العالم، وتبحث عن كل
السبل لإدامة هيمنتها وسيطرتها على
العالم.
واعتبر
جواد أن قانون الإرهاب البريطاني هو
امتداد للعولمة الأمنية، وقال: إنه
وجه آخر من قوانين الإرهاب
الأمريكية وقانون الأدلة السرية في
أمريكا، الذي يمكِّن القضاء من
الحكم على أي متهم من دون معرفة أدلة
الاتهام.
وقال:
"إن قوانين الإرهاب الغربية تكرس
نظرة "المركز" الغربي إلى "الأطراف"
التي هي بقية العالم"، و"إن
العولمة الأمنية تقوم على تبادل
المعلومات والتنسيق الأمني وتسليم
المطلوبين وتبادلهم".
وأضاف
أن العرب والدول العربية كانوا من
بين أهم السباب في صدور قانون
الإرهاب البريطاني، وذلك بسبب
نشاطات بعض الجماعات المتطرفة التي
تعلن الجهاد في لندن، وبسبب الضغوط
الرسمية العربية، التي اتهمت لمدة
سنوات لندن بأنها صارت عاصمة
للإرهاب الإسلامي.
وقال:
إن هذا القانون الذي ساهمت دول عربية
عديدة في وضعه من شأنه أن يصير سيفا
مسلطا على العرب جميعا.
وشبه
جواد القانون البريطاني بأنه قانون
شبيه جدا بالقوانين الشمولية في
الدول الدكتاتورية، قائلا: "إن
هذا القانون يطلق يد الشرطة
ويمكِّنها من تنفيذ المداهمات
والاعتقالات، حتى دون الحصول على
إذن مسبق". وأضاف أن هذا القانون
من شأنه أن يفرض النظرة الأمنية
لحقوق الإنسان، بما يجعل الإنسان
مذنبًا حتى تثبت براءته.
ودعا
في حديثه إلى تعميق الوعي بالقانون
وتفهمه، وشدد على ضرورة الاتصال
بالمسؤولين البريطانيين لمعرفة
كيفية تطبيقه؛ داعيا إلى الحذر
والتعامل بدقة مع هذا القانون،
ومحذرا من أن يكون كل مسلم وعربي في
بريطانيا "مشروع إرهابي"
يتابعه القانون ويضيق عليه عيشه.
وأكد
العديد من المتدخلين في فترة النقاش
على أهمية توعية المجتمع البريطاني
بخطورة القانون، وعلى ضرورة العمل
الهادئ مع المعارضين له، باعتبار أن
هذا القانون يمثل تراجعا عن صورة
بريطانيا، باعتبارها أم
البرلمانات، وبلد الديمقراطية
العريقة.
كما
شدد المتدخلون على أهمية مواصلة
الضغوط المنظمة، وعلى توعية
الجاليات بكيفية التعامل مع القانون
الجديد، وعلى اللجوء إلى المحاكم
الأوروبية في صورة التضرر من هذا
القانون، باعتباره يخالف بشكل واضح
ومكشوف الاتفاقية الأوروبية لحقوق
الإنسان، التي صارت جزءا من القانون
البريطاني بعد مصادقة بريطانيا
عليها.
|