|
يصف
المحللون اليبرالية بأنها أيدلوجية
قابلة للتأويل لها مائة وجه، تجيد
المراوغة والتحول وتوظف المفاهيم
الإنسانية الكبرى والقيم النبيلة من
أجل تحقيق منافع مباشرة اقتصادية
بالأساس، حتى يحار المرء في فهمها
وتحديد موقف محدد منها، ففي الفكر
والنظرية تسمو قيم الحرية والفردية
لكن في التطبيق تتلاشى الحريات ويسود
السوق وتهيمن الرأسمالية المتوحشة.
ورغم الالتباس والجرائم الكبرى تجد
منظومة الليبرالية لديها من الكبرياء
ما يدفعها للزعم بأنها الحل التاريخي
والإجابة الأبدية لأسئلة المجتمع
والدولة كما في أطروحة نهاية التاريخ
لفوكوياما، في حين لا يرى فيها نقادها
إلا نسقا مثاليا تأكله آليات
الاقتصاد فيستعصي جوهره كرؤية للتحرر
والتحقق الفردي على التطبيق.
وتذهب
معظم الكتابات إلى أن استخدام مصطلح
"ليبرالي" بدأ منذ القرن 14،
ولكنه كان يحتمل معاني متعددة
ودلالات شتى، فالكلمة اللاتينية liber
تشير إلى طبقة الرجال الأحرار، أي
أنهم ليسوا فلاحين مملوكين أو عبيدا.
والكلمة كانت ترادف "الكريم" أي
"ليبرالي" أو سخي في تقديمه
لمعونات المعايش للآخرين. وفي
المواقف الاجتماعية كانت الكلمة تعني
"متفتحا" أو ذا عقل وأفق فكري رحب.
وترتبط الكلمة كثيرا بدلالات الحرية
والاختيار.
 |
|
ويليام جلادستون |
لكن
الليبرالية بمفهومها السياسي لم تظهر
إلا في أوائل القرن 19، وأول استخدام
كان في أسبانيا في عام 1812، وبحلول
الأربعينيات من ذلك القرن كان
المصطلح قد صار واسع الانتشار في
أوربا؛ ليشير إلى مجموعة من الأفكار
السياسية المختلفة. ولكن في إنجلترا
انتشر المصطلح ببطء برغم أن الأعضاء
ذوي الشعر المستعار Whigs (أعضاء حزب
بريطاني مؤيد للإصلاح) أطلقوا على
أنفسهم "الليبراليون" أثناء
الثلاثينيات من القرن 18، وكانت أول
حكومة ليبرالية هي حكومة جلادستون
Gladstone التي تولت الحكم عام 1868.
ولم
تظهر الليبرالية كمذهب سياسي قبل
القرن 19، ولكنها قامت كأيدلوجية على
أفكار ونظريات تنامت قبل ذلك بـ300
عام، حيث نشأت الأفكار الليبرالية مع
انهيار النظام الإقطاعي في أوربا
والذي حل محله المجتمع الرأسمالي أو
مجتمع السوق.
كانت
الليبرالية تعكس آمال الطبقات
المتوسطة الصاعدة التي تتضارب
مصالحها مع السلطة الملكية المطلقة
والأرستقراطية من ملاك الأراضي،
وكانت الأفكار الليبرالية أفكارا
جذرية تسعى إلى الإصلاح الجذري وفي
بعض الأوقات إلى التغيير الثوري.
فالثورة الإنجليزية في القرن 17
والثورات الأمريكية والفرنسية في
أواخر القرن 18 كانت تحمل مقومات
ليبرالية رغم أن المصطلح لم يستخدم
حينذاك بالمفهوم السياسي. وقد عارض
الليبراليون السلطة المطلقة للحكم
الملكي والذي قام على مبدأ "الحق
الإلهي للملوك"، ونادى
الليبراليون بالحكم الدستوري ثم
لاحقا بالحكومة التمثيلية أو
البرلمانية. وانتقد الليبراليون
الامتيازات السياسية والاقتصادية
لدى ملاك الأراضي والنظام الإقطاعي
الظالم، حيث كان الوضع الاجتماعي
يحدد حسب "المولد". كما ساندوا
الحركات السياسية التي تنادي بحرية
الضمير في الدين وتتشككوا في السلطة
المستقرة للكنيسة.
ويعتبر
القرن 19 في كثير من الجوانب قرنا
ليبراليا، حيث انتصرت الأفكار
الليبرالية مع انتشار التصنيع في
البلدان الغربية. ويؤيد الليبراليون
النظام الاقتصادي الصناعي واقتصاد
السوق الخالي من تدخل الحكومة، حيث
يسمح فيه بمباشرة الأعمال للحصول على
الربح وتسود فيه التجارة الحرة بين
الدول بدون قيود. فهذا النظام -نظام
الرأسمالية الصناعية- نشأ في البداية
في إنجلترا في منصف القرن 18، وأصبح
راسخا في أوائل القرن 19، ثم انتشر في
أمريكا الشمالية ثم غرب أوربا
وتدريجيا طبق في أوربا الشرقية.
وقد
حاول النموذج الرأسمالي الصناعي
أثناء القرن العشرين التغلغل في
الدول النامية في أفريقيا وآسيا
وأمريكا اللاتينية، وخاصة أن التنمية
الاجتماعية والسياسية تم تعريفها
بالمنظور الاقتصادي الغربي المتمثل
في نظرية التقدم المادي، ولكن العديد
من البلدان النامية قاومت الليبرالية
لارتباطها بالنظم الاستعمارية من جهة
ولقوة الثقافة السياسية التقليدية في
الدول حديثة الاستقلال التي تناصر
الجماعية وليس الفردية؛ ولذلك كانت
تربة خصبة لنمو الاشتراكية والقومية
أكثر من الليبرالية الغربية.
ولقد
نجحت اليابان في تطبيق الرأسمالية،
ولكنها قامت على التعاونية وليست
الفردية؛ فالصناعة اليابانية تتأسس
على الأفكار التقليدية من وفاء
للجماعة والشعور بالواجب الأخلاقي
وليس السعي لتحقيق المصلحة الذاتية
للفرد وحسب.
وقد
اقترنت النظم السياسية الغربية
بأفكار وقيم الليبرالية، وهي نظم
دستورية حيث تحد الدساتير من سلطة
الحكومة وتحافظ على الحريات المدنية،
كما أنها تمثيلية أو برلمانية أي أن
الصعود إلى المناصب السياسية يتم من
خلال انتخابات تنافسية.
وقد
شهد التحول للديمقراطية الغربية
صعودا في بعض الدول النامية في
الثمانينيات، ومع سقوط الاتحاد
السوفيتي بدأت محاولات تحول ديمقراطي
أيضا في أوربا الشرقية.
ونلاحظ
أنه في بعض الحالات ورثت دول أفريقية
وآسيوية الأسلوب الغربي للحكم
الليبرالي من حقبة ما قبل الاستقلال،
ولكن بدرجات نجاح متفاوتة، فعلى سبيل
المثال تُعَد الهند أكبر النظم
الديمقراطية الحرة في العالم الثالث،
لكن في أماكن أخرى سقطت النظم
الديمقراطية الليبرالية؛ بسبب غياب
الرأسمالية الصناعية كأساس اقتصادي
وغلبة التحالفات العشائرية، أو بسبب
طبيعة الثقافة السياسية المحلية، ففي
مقابل الثقافة السياسية في معظم
الدول الغربية القائمة على أساس وطيد
من القيم الليبرالية الرأسمالية مثل
حرية التعبير المطلقة وحرية الممارسة
الدينية (أو الروحية الانتقائية
العلمانية) والحق المطلق في الملكية،
كمبادئ مستمدة من الليبرالية وراسخة
في أعماق المجتمعات الغربية نادرا ما
تواجه أي تحدي أو مسائلة، نجد في دول
العالم الثالث مكانة مركزية للدين
واحترام للجماعة وقيمها يحدد مجالات
الحرية الفردية، ومكانة للولاء
الأسري والعشائري تحفظ القيم
الجماعية.
ولقد
ناقش بعض المفكرين السياسيين -الناقدين
والمؤيدين على حد سواء- العلاقة
الحتمية بين الليبرالية والرأسمالية.
فيرى الماركسيون مثلا أن الأفكار
الليبرالية تعكس المصالح الاقتصادية
للطبقة الحاكمة من أصحاب رأس المال في
المجتمع الرأسمالي؛ فهم يصورون
الليبرالية على أنها النموذج
الكلاسيكي للأيديولوجية البرجوازية.
وعلى الجانب الآخر يرى مفكرون مثل
فريدريك حايك Hayek أن الحرية
الاقتصادية -الحق في الملكية وحرية
التصرف في الملك الخاص- هي ضمانة هامة
للحرية السياسية؛ لذلك في رأي حايك لا
يتحقق النظام السياسي الديمقراطي
الحر واحترام الحريات المدنية إلا في
نطاق النظام الاقتصادي الرأسمالي.
ولا
شك أن التطورات التاريخية في القرنين
19 و20 قد أثرت في مضمون الأيديولوجية
الليبرالية، فتغيرت ملامح
الليبرالية مع نجاح الهيمنة السياسية
والاقتصادية لدى الطبقات المتوسطة
الصاعدة، كما أن السمت الثوري
لليبرالية في بواكيرها منذ القرن
السادس عشر تجاه واقعها تلاشى مع كل
نجاح ليبرالي، فأصبحت الليبرالية
أكثر محافظة وأقل سعيا للتغير
والإصلاح وتميل للحفاظ على المؤسسات
القائمة الليبرالية. ومنذ أواخر
القرن 19 ومع تقدم الصناعة والتصنيع
بدأ الليبراليون في إعادة النظر
ومراجعة الأفكار والمفاهيم
الليبرالية الكلاسيكية لتنشأ
ليبرالية.. جديدة.
فبينما
كان الليبراليون الأوائل يؤمنون
بتدخل الحكومة المحدود جدا في حياة
المواطنين، يعتقد الليبراليون الجدد
أن الحكومة مسئولة عن تقديم الخدمات
الاجتماعية في مجالات الصحة والإسكان
والمعاشات والتعليم، بجانب إدارة أو
على الأقل تنظيم الاقتصاد. ومن ثَم
أصبح هناك خطان من التفكير الليبرالي:
الليبرالية الكلاسيكية والليبرالية
الحديثة. ولذلك رأى بعض المحللين أن
الليبرالية ليست أيديولوجية
متماسكة، فهي تضم تناقضات بشأن دور
الدولة، ولكن يمكن القول هنا إن
الليبرالية في التحليل الأخير -مثل
جميع الأيديولوجيات السياسية- قد
تعرضت للتطور في مبادئها الرئيسية،
وذلك مع التغيرات التاريخية المحيطة،
فلا يوجد أيديولوجية سياسية جامدة أو
متوحدة، فكلها تحتوي على مجموعة من
الآراء والاجتهادات التي قد تتعارض
أو تتناقض. وبالرغم من ذلك هناك تماسك
ووحدة ضمنية في قلب الفكر الليبرالي،
وذلك في الالتزام الأساسي بحرية
الفرد والمبادئ التي تترتب على مذهب
الفردية.
اقرأ
في هذا الموضوع:
**
مدرس مساعد العلوم السياسية - كلية
الاقتصاد - جامعة القاهرة
|