|
يمكننا
فهم "الرأي العام" كمفهوم
اجتماعي يعبر عن تشكل اتجاهات
التفكير واتخاذ المواقف والتعبير،
وأيضا كمفهوم سياسي يعكس علاقة
المجتمع والدولة.
ويمكن
فهم الرأي العام من خلال اقترابين:
الأول:
تمييز مفهوم "الرأي العام" عن
المفاهيم المقاربة والمشابهة
والمتداخلة مثل: الميول السياسية،
والاتجاه السياسي، الموقف السياسي،
الحكم السياسي، الحشد العام.
وبالتمييز بين "الرأي العام" و"الاتجاهات
أو الميول" و"الفعل السياسي"
أو السلوك، والأحكام؛ فالرأي العام
يختلف عن الاتجاه والميل؛ ففي حين
يكون الأول معلنا ومعبرا عنه نجد أن
الثاني استجابة داخلية مبكرة. والرأي
دليل على وجود الاتجاه أو الميل، ولكن
العكس ليس حتميا؛ فالميل لا يشترط أن
يتحول إلى رأي يتم الإفصاح عنه؛ فما
يميز الرأي العام عن الرأي الشخصي هو
درجة العمق والاستقرار، والتراكم
الجمعي، ثم العلانية.
ووصف
"العام" يعني أنه يقوم على أساس
قضية معينة تخضع للنقاش العقلاني، في
حين أن مفهوم الحشد الجماهيري يتميز
بوحدة التجربة الوجدانية، لكنها قد
تكون ظرفية وعشوائية، أو تكون من جهة
أخرى موجهة وغير حرة أو عقلانية؛ كما
في نماذج "التعبئة السياسية" في
النظم السياسية السلطوية، ويصبح
السؤال هو: كيف يمكن ضمان استقلال
الرأي العام عبر عملية تشكلٍّ مدنية
ترتبط بنمو الحركات الاجتماعية
وفاعليتها؟ وعبر توظيف ما تقدمه ثورة
الاتصالات والمعلوماتية والاستفادة
منها في فهم ما يجري في السياسات
العالمية، وأيضا استكشاف كيف يمكن -رغم
هذه الإمكانات الاتصالية- أن تفلح
دولة ما في خلق نوع من "الحشد
الجماهيري" لتأييد العمل العسكري
في السياسة الخارجية كأسلوب للتعامل
مع الأزمات ولزيادة التأييد السياسي،
وزيادة فرص الفوز في الانتخابات، في
حين يتسم النظام السياسي
بالليبرالية، وهي من تحديات فهم
كيفية تطور وتشكل الرأي العام بشكل
معقد ومركب.
ويمكن
القول: إن المعايير التي يمكن من
خلالها التمييز بين "العام" و"الخاص"
قد غدت أكثر غموضا وهلامية؛ وأن هناك
اتجاها متزايدا نحو "تعميم"
الخاص النابع من الحضارة السائدة
والمهيمنة؛ بحيث يكون عاما لجميع
الثقافات والمجتمعات الأخرى
المتميزة عنها والمختلفة معها،
ويتزامن هذا مع تفكك العمومية وتشرذم
الجماهير لتنوع قنوات الاتصال
وتعددها واختلافها.
الثاني:
كشف العناصر والمكونات الداخلية فيه؛
فالوحدة التحليلية هي "الأغلبية"
بوصفها المجموع العددي أو الرقمي
للأفراد المكونين لهذه الأغلبية التي
يمكن قياسها والتي تمارس الحكم باسم
هذه الأغلبية؛ لكن هناك تقسيمات
داخلية للظاهرة على أساس معايير
اجتماعية، واقتصادية، ومتغيرات مثل:
الريف/ الحضر وأيضا العمر، وفي إطار
هذا التركيب هناك مفهوم "قادة
الرأي العام" بوصفه إطارا تحليليا
متسعا يشمل أولئك الذين في مقدرتهم
التأثير في آراء الآخرين أو تغيير
رؤيتهم للقضايا المختلفة باعتبارها
عملية تتكون من عدة مراحل متواصلة
يكمل بعضها البعض الآخر: (المشكلة،
والاقتراحات والحلول)، ومراحل تتطور
من "الرأي" حتى نصل إلى القرار
السياسي الذي هو محط اهتمام
التحليلات السياسية باعتباره أرقى
أشكال التعبير السياسي الجماهيري.
التطورات
المنهجية في مجال دراسة الرأي العام
يمكننا
تقسيم التطورات المنهجية في مجال
دراسة ظاهرة الرأي العام في عدة مراحل
متتابعة؛ فمنذ منتصف القرن التاسع
عشر كانت الدراسات فيه "معيارية
فلسفية"، ثم انتقلت إلى حقل "النظرية
السياسية" مع صعود النظرية
الديمقراطية، ومع نهاية القرن تزايد
الاهتمام بالتحليل النظمي والطرق
الأمبريقية الاختبارية في دراسات
الرأي العام، وفي القرن العشرين ركزت
دراسات الرأي العام على الجوانب
السيكولوجية والاجتماعية أكثر من
النواحي السياسية والفلسفية، وتحول
الاهتمام إلى وظيفة وقوة في المجتمع،
والوسائل التي يمكن بها تعديله أو
التحكم فيه، وأهمية العوامل
الوجدانية والنفسية في تشكيله؛ وفي
نهاية القرن العشرين وبداية القرن
الواحد والعشرين عاد الاهتمام مجددا
إلى التركيز على الأبعاد السياسية
والفلسفية. وفي الواقع الراهن يمكننا
عند النظر لدراسات الرأي العام أن نجد
موضوعين على درجة من الأهمية:
(أ)
عودة الاهتمام والتركيز مجددا على
الأبعاد السياسية والفلسفية في
دراسات الرأي العام؛ خاصة تلك
المتعلقة بالعملية السياسية (كالمشاركة،
والتصويت، وعلاقة السلطة الحاكمة
بالرأي العام)، وفي هذا الإطار راجعت
هذه الدراسات التفرقةَ المستقرة بين
خصائص الرأي العام في البلدان
المتقدمة وبلدان العالم الثالث
المتخلفة؛ في إطار مراجعة وإعادة
النظر في مقولات عصر التنوير بصدد
عقلانية ورشادة الرأي العام،
والاهتمام بخصائص؛ من قبيل: طغيان
الأغلبية، القابلية للاستهواء،
سيطرة النخبة... إلخ.
(ب)
تزايد إسهامات علماء السياسة والنفس
والاجتماع خاصة، ورغم أنه كان لهذه
العلوم إسهاماتها الواضحة في بناء
نظرية الرأي العام خلال النصف الأخير
من القرن العشرين، فإن دراسات الرأي
العام عادت إلى بؤرة اهتمامات هذه
العلوم مرة أخرى. وفهم ظاهرة الرأي
العام يستلزم الاستعانة بالعلوم
الإنسانية والتي لن تستطيع بدورها
تفسير العديد من الظواهر التي
تتناولها دون الرجوع إلى عملية الرأي
العام ذاتها.
التخصص
والمهنية في مجال الإعلام
ولا
شك أن الإعلام الجماهيري قد فرض تطورا
ضخما على طبيعة الظاهرة الاتصالية،
يبرز بشكل واضح في الناحية المهنية
التخصصية، فنلاحظ:
أ-
الاتجاه إلى التخصص المهني الإعلامي،
سواء من حيث الأداة أو من حيث المرحلة
التي ينتمي إليها نشاطه في ديناميات
عمليات الاتصال؛ (إعداد، صياغة أو نشر
الرسالة).
ب-
جعل الرقابة أو ضبط العملية
الاتصالية في الإعلام الجماهيري
مباشرة بواسطة ممثلي المهنة باسم
الرقابة الذاتية والتي تعني أن من
ينتمي للعملية الاتصالية هو وحده
الذي يستطع مزاولة الضبط، وهو ما
يتناوله فيما بعد في نظرته لعملية
الرقابة والتي سوف نتناولها في
النقطة اللاحقة.
ويفترض
هذا فهم عملية الاتصال كحقيقة
هيكلية، وكذلك في أبعادها
الديناميكية المختلفة؛ فالرسالة
الاتصالية بمجرد أن تستقل عن مرسلها
تملك وجودها الذاتي والهيكلي، لكنها
لا تستقل عن الرسالة وظيفيا، وهذا ما
نراه بخصوص ظاهرة رد الفعل التي تعني
أن الرسالة إذا لم تحقق هدفها بشكل أو
بآخر فلا بد أن تعقبها رسالة أخرى
واحدة أو أكثر حتى تنتهي بتحقيق الهدف.
وتفترض
عملية الاتصال أن هناك عاملا مشتركا
من المفاهيم والرموز بين المرسل
والمستقبل بحيث أن كلاهما ينتمي -ولو
في قسط معين- إلى تقاليد تتحد فيها
العناصر والمفاهيم المشتركة، وإن لم
توجد هذه الدائرة فلا إمكانية لخلق
وتحقيق عملية الاتصال.
وتتنوع
أشكال الاتصال؛ فقد يكون فرديا أو
جماعيا من حيث المرسل، وقد يكون فرديا
أو جماعيا من حيث المستقبل؛ أي له
نماذج أربعة (فردي مرسل، فردي مستقبل،
جماعي مرسل، جماعي مستقبل).
ومن
الناحية الهيكلية الخاصة بتطور
العملية الاتصالية نميز بين مراحل
مستقلة وهي:
المرحلة
الأولى: تتركز حول استعداد صاحب
الرسالة لنقل حقيقة أو فكرة أو تصور
للجمهور، وبسط مفاهيمها بحيث تحقق
الأثر المطلوب. ويسعى المرسل لاكتشاف
خير وسيلة وخير أداة تسمح بإرسال
الرسالة، ويصوغ الرسالة في لغة قد
تأخذ صورة الفعل المادي أو صورة
التعبيرات القولية. وبهذا المعنى
يصير الاتصال سلوكا؛ فهناك مرسل يلجأ
إلى السلوك غير المباشر، وآخر يستخدم
ألفاظا صريحة واضحة، وقد يفضل ثالث
اللجوء للواقعة أو إلى الإشارة يعبر
بها عن مفهومه وأهدافه.
المرحلة
الثانية: انطلاق الرسالة؛
فالاتصال ليس حقيقة من جانب واحد بل
من جانبين، بمعنى أنه لا يعبر عن
رسالة تصدر من مرسل لمستقبلها، وإنما
هناك رد فعل من جانب المستقبل يأخذ
شكل رسالة أخرى من المستقبل تتجه إلى
المرسل، وهذا الذي يسميه العلماء رد
الفعل الذي يعني التعقيب على رسالة
أولى تعود لنفس المصدر بحيث تتحدد على
ضوء العودة مدى نجاح الرسالة الأولى
من حيث النتائج وطبيعتها من حيث
التفاعل، وهذا يعني نتائج معينة،
فبداية الرسالة ليست حقيقة فردية؛ بل
هي أساسا حقيقة اجتماعية ونجاحها
يتوقف على ذلك. والرسالة يجب أن تقنن،
ويجب خضوع فك عملية رموز التقنين،
وهذه تتحدد بالحقيقة الاجتماعية؛
بمعنى أن المجتمع هو الذي يعطي لكل
رمز في الرسالة معنى أو دلالة معينة،
والرسالة بمجرد خروجها وانفصالها عن
شخص المرسل فإنها تستقل هيكليا كما
أسلفنا.
المرحلة
الثالثة: تدرس الأثر المباشر
للرسالة أو بعبارة أخرى تحليل عملية
الاتصال من الناحية الديناميكية.
الرأي
العام والدولة والسياسة
الدولة
الحديثة نموذج فريد من نوعه. وهي تعلن
أن واجب الدولة هو أن تدع شخصية الفرد
تتكون وتتكامل ثقافته بحرية ودون
قيود. ورغم ذلك فهي تشعر بأن واجبها أن
تضع قنوات ثابتة ومنظمة تسمح لها بأن
تشكل الإطار الفكري للمواطن بطريق أو
بآخر، ولعل هذه الملاحظة تفسر أهمية
تطوير نظرة نقدية للوظيفة الاتصالية
في المجتمع المعاصر تنبع من تمكين
المجتمع وتفعيل خصائصه.
وجوهر
الوظيفة الاتصالية للدولة الحديثة هي
عملية تكوين الرأي العام وتشكيله،
وذلك بجوانبها المختلفة أو وظائفها
الفرعية. ومحورها: تكوين الرأي العام
في مجتمع معين لكي يكون صالحا للقيام
بأدواره أو وظائفه التي تحددها
الدولة، سواء كان ذلك على الصعيد
الداخلي أو الخارجي.
ويتطلب
فهم أبعاد علاقة الدولة بتشكيل الرأي
العام تأسيس نموذج تحليلي لفهم
الوظيفة الاتصالية وبيان موضعها من
نظرية الدولة الحديثة، وتحليل
الوظيفة الاتصالية وتطور العلاقة
النفسية بين المواطن والدولة في
المجتمع المعاصر، وفهم وسياسة العمل
الاتصالي في أدوارها الأربعة كل منها
تكمل الأخرى؛ (التكامل القومي،
الترابط الحضاري، المساندة في
السياسة الخارجية، ممارسة الغزو
المعنوي).
والأصل
أن تكون الدولة تعبيرا عن المجتمع،
وتنبع وظائفها من مفهوم ثابت هو حماية
القيم الحضارية. فالدولة أداة
الاتصال بين الماضي والحاضر
والمستقبل، وهي تعبير عن الماضي بلغة
القيم، وعن الحاضر بلغة المصالح، وعن
المستقبل بلغة الاستمرارية والثبات.
وإن لم تستطع أن تحقق هذه الوظائف
بهذا المعنى، وأن تخلق التوازن بين
هذه الأبعاد المتعددة تصير دولة
فاقدة شرعيتها حتى وإن استمرت بسلطة
البطش والهيمنة في الواقع.
والتمييز
بين الوظائف الأصلية والوظائف
التابعة يجعل من فكرة الجزاء المدني
والدنيوي أداة تسمح بحماية الوظائف
الأصلية التي تدور حول احترام نظام
القيم السائد في المجتمع السياسي،
ونقله من لغة المثاليات إلى لغة
الواقع ولو بنسبة معينة تفرضها طبيعة
التطور والصعوبات المختلفة التي لا
بد أن تواجهها الجماعة، والأداة
الحاكمة في مرحلة من مراحل تطورها.
الوظيفة
الاتصالية بهذا المعنى تصير إحدى
الوظائف الأصلية التي تفرض على
الدولة ألا تقف من المجتمع السياسي
الذي تمثله، ومن المواطن الذي تسعى
إلى سعادته، والأسرة الدولية التي
تتعامل معها موقف السلبية وعدم
الاهتمام.
وتتضح
أهمية الدور الإعلامي للدولة عبر صنع
حد أدنى من الترابط؛ بحيث إن جميع
عناصر الجسد السياسي تشعر بأنها -بخصوص
ذلك الحد الأدنى- تمثل قوة واحدة
وكيانا واحدا، وتمكين الترابط
الحضاري؛ فالدولة هي حقيقة حضارية،
وبهذا المعنى تتحرك في النطاق
الداخلي والنطاق الإقليمي والنطاق
الدولي، والوظيفة الحضارية تنبع منها
وظائف أخرى، وعلى وجه التحديد
الوظيفة الثقافية السياسية. ويلعب
الإعلام -أيضا- دورا في صنع مساندة
للسياسة الخارجية.
ولا
شك أن الدولة تستطيع أيضا توظيف آلة
الإعلام في مواجهة القوى الخارجية،
فترتفع الوظيفة الاتصالية إلى مستوى
الغزو النفسي؛ حيث يصير الهدف من
الاتصال ليس مجرد الإقناع والاقتناع
وإنما تحطيم الخصم نفسيا وفكريا، أو
على الأقل تشويه الصورة القومية لذلك
الخصم. والغزو الاتصالي قد يتجه إلى
الصديق وقد يتجه إلى العدو، ولكنه
دائما يقوم على أساس تحسين صورة الذات
وتشتيت صورة الآخر، والتلاعب
بالحقيقة. والاتصال قد يصبح في تلك
اللحظة عملية مدمرة تتجه أساسا إلى
العالم الخارجي وتصير محورا لتعامل
يفترض السعي نحو استئصال الوجود
المعنوي بشكل أو بآخر.
الاتصال
بهذا المعنى يصير مرادفا لفكرة الحرب
النفسية؛ حيث هناك مواجهة عنيفة بين
خصمين. ورغم أنه قد يتجه إلى الصديق
بقصد تشويه صورة عدو لدى ذلك الصديق،
إلا أن فكرة الصراع المعنوي تظل ثابتة
في كلا التطبيقين. على أن الأعوام
الأخيرة قدمت لنا نموذجا آخر اتفق
الفقه على التعبير عنه باصطلاح "التسمم
السياسي"؛ حيث الاتصال النقي يخفي
في حقيقة الأمر هدفا ثابتا وهو تحطيم
التكامل القومي من منطلق إعادة توزيع
نظام القيم. والدولة التي تلجأ إلى
حقن مجتمع معين بقيم غريبة عليه أو
تضخيم قيم تابعة وثانوية ورفعها إلى
مرتبة القيم العليا، هي في حقيقة
الأمر تقوم بعملية إعادة تشكيل القيم
ورفعها إلى مرتبة القيم العليا،
الأمر الذي لا بد وأن يؤدي إلى خلق نوع
من التفتت، كما سنرى فيما بعد.
فمكونات
الوظيفة للدولة الاتصالية هي الخمسة
التالية: الوظيفة الإعلامية،
والوظيفة الثقافية، والوظيفة
الدعائية، والوظيفة العقدية،
والوظيفة الحضارية، وذلك على النحو
التالي:
1-
الوظيفة الإعلامية: تتجه إلى
المواطنين، مفترضة أن لهم الحق في أن
يكونوا على علم بالحد الأدنى من
المعلومات عن الأحداث والوقائع التي
تشهدها الحياة اليومية في مجتمعهم،
وهو ما يعرف أحيانا في بعض الأدبيات
بحق الاتصال والذي يعني الإنباء أو
الإخبار بما يقع من الأحداث وما يثور
من القضايا، من خلال استخدام اللغة
والخطاب بالدرجة التي تحقق الصدقية،
وتقود إلى الترابط بين السلطة
الحاكمة والمجتمع المحكوم، ويُدْعم
بالتالي من المثالية السياسية
السائدة. وقد شاع استخدام مفهوم إعلام
السلطة -والذي يعني التوظيف السياسي
للإعلام- في تشكيل الرأي العام بما
يدعم سياسات الأنظمة السياسية
ومواقفها واختياراتها، وأحيانا
للتعبئة وحشد التأييد والمساندة لها،
وبالذات في أوقات الأزمات السياسية
الحادة. كما أن إعلام السلطة هو أحد
الأدوات المهمة في عملية صناعة
السلطة ذاتها، وتكريس أوضاع القائمين
عليها ومصالحهم من خلال المسلك
الدعائي، ويُعَد إعلام السلطة
انحرافا عن ممارسة الأدوار الإعلامية
الحقيقية إلى ممارسة الأدوار
الدعائية.
والواقع
أن قيام السلطة السياسية بإمداد
الرأي العام في المجتمع بالبيانات
والمعلومات حول الأحداث والوقائع
التي يعيشها ويمر بها يسهم في تنويره
وإحاطته علما بتلك الأحداث والوقائع،
ويساعده على تكوين إدراكاته،
وتصوراته عنها، وبالتالي تكوين وعيه
الذاتي بها. وتتفاوت الأنظمة
الإعلامية في مختلف البلدان في
قيامها بهذه الوظيفة، وهي بهذا تكون
النقطة الأولى في عملية تشكيل الرأي
العام.
2-
الوظيفة الثقافية: تتحرك
الدولة في ممارسة الوظيفة الثقافية
في مسارين أو اتجاهين أساسيين:
الأول:
داخلي، ويتم من خلاله التثقيف
السياسي باعتباره يدور حول عملية
تحقيق الاندماج أو على الأقل التوافق
المجتمعي، أو توحيد الإدراك المجتمعي
إزاء قضايا الوجود السياسي الأساسية
في المجتمع في مرحلة زمنية طويلة
نسبيا.
الثاني:
خارجي، ويتحرك لمساندة السياسة
الخارجية؛ فالأدوار الثقافية
للمراكز الثقافية والعلمية
والجامعات والبعثات التعليمية،
وكافة أشكال التواجد الثقافي
تدعم -ولو بشكل غير مباشر- السياسية
الخارجية للدولة.
والواقع
أن قيام الدولة -من خلال الأدوات التي
تهيمن وتسيطر عليها- بتكوين مدركات
عامة منسقة أو موحدة حول مجموعة من
القضايا والموضوعات التي تدور حول
طبيعة المجتمع الذي تحكمه، وحول
كليات الوجود السياسي؛ بحيث يمتلك
المجتمع حدًّا أدنى من الاتفاق أو
الإجماع القومي حول الموضوعات
الأساسية التي تشكل جوهر وجوده
السياسي، وبالتالي يكون قادرا على
تقديم الاستجابات السليمة على
التحديات التي تواجهه. إن توافر هذا
الحد الأدنى من الإجماع الوطني يقدم
مساندة حقيقية للسياسة داخليا
وخارجيا من ناحية، ويهيئ أرضية صلبة
لأداء الدور الحضاري من ناحية أخرى.
3-
الوظيفة الحضارية: تتحدد هذه
الوظيفة بإيجاد حد أدنى من الإجماع
الوطني بصدد القضايا الأساسية
المتعلقة بوجود مجتمع معين ونمط
حياته، وبإيمان المجتمع بأن له رسالة
معينة، ووظيفة محددة ذات منطلقات
معنوية في مجال التعامل الخارجي، تلك
التي تفسر الانطلاق من رسالة فكرية
والتبشير بها في المجتمع الخارجي،
ويفرق بين مجتمع يمتلك مقومات هذا
الأمر ومجتمعات تسعى لصناعته وتدعي
ملكيته.
4-
الوظيفة العقدية: تعبير عصري
عن مفهوم قديم؛ فالدولة ذات مثالية
معينة، دينية أو أيديولوجية، تسعى
إلى صبغ عملية التطور السياسي بها،
بحيث تكون هي أداة تطبيقها وإنجازها
داخليا وخارجيا. وهذه الوظيفة من أهم
الوظائف المعبرة عن الوجود المعنوي
للدولة. فالوظيفة العقدية محور وظيفة
الدولة داخليا، وهي تقود عملية
التطوير السياسي لمجتمعها فتجعل من
هذا التطور أداة أو عملية لتطبيق أو
إنجاز مثالية أو عقيدة سياسية معينة
محددة ومفرغة في برنامج أو خطة محددة،
تتبناها وتقيم مجتمعها بكافة نظمه
وأنساقه عليها، ومن هنا تقوم بعملية
تكوين حقيقية للرأي العام.
5-
الوظيفة الدعائية: وهي تتم
حين تتجه الدولة بتطبيقات أدوارها
للخارج من خلال تطبيقين؛ القضاء على
الخصم بأسلوب الحرب النفسية، وعملية
التسميم السياسي. فالدولة تتجه إلى
الرأي العام الخارجي وقد تركت قيمة
الصدق ومثالية الدعوة، واتجهت إلى
منطق التضليل والدعاية؛ لتقوم بعملية
تشكيله على أوسع مدى.
الرأي
العام بين دعم الشرعية وتزييف الوعي
وتدور
عملية صناعة الرأي العام سياسيا بين
قطبين؛ هما: الدعاية السياسية
والرقابة السياسية، وإذا كنا قد
تعرضنا فيما سبق للقطب الأول، فإننا
يمكن أن نتعرض بإيجاز للرقابة
السياسية بوصفها القطب الثاني.
وتعني
الرقابة الإعلامية: إجراء ضد الحرية
الإعلامية والاتصالية. وهكذا استقرت
في المفاهيم التقليدية صورة أساسها
أن كل نظام سياسي يقف من الرقابة
الإعلامية موقف التأييد هو ديكتاتوري.
فمظهر الديمقراطية هو اختفاء الرقابة
الإعلامية. والرقابة بهذا المعنى هي
أداة من أدوات ضبط الحرية الإعلامية
تستخدمها الجماعة ضد المواطن، وتأخذ
صورة منظمة تتم عادة ضد منبع أو مصدر
السلوك الاتصالي.
وتعبر
الرقابة عن مفهوم آخر؛ حيث يصير أداة
ضد السلطة ووسيلة لضبط من يمارس
السلطة. وكلمة رقابة مرادفة
للاصطلاحين: الأول censorship والثاني control،
الأول يمكن ترجمته بالرقابة
الإعلامية، والثاني يجب ألا يفهم على
أنه رقابة سياسية أو بعبارة أدق رقابة
على السلطة الحاكمة.
وتفترض
عملية الضبط -كعملية متكاملة- ست
طبقات متتابعة من الضبط المتتالي
للسلوك الفردي:
أ-
ضبط ذاتي يدور في المنطق الفردي
ويتحكم في تصور الموقف وتحديد رد
الفعل، وبالتالي صورة السلوك وأبعاده.
ب-
الرقابة الحضارية التي تمثل إطارا
يقود الفرد في تفكيره لأن يتحكم في
سلوكه فيقيده بإطار التقنيات
الأخلاقية المتعارف عليها.
ج-
الرقابة غير المنظمة للجماعات
الفرعية التي لها أسلوب معين في فهم
القيم وتطبيقها.
د-
المناخ الاجتماعي العام المرتبط
بالآراء والأفكار السائدة في
الأغلبية الجماهيرية.
و-
الرقابة القانونية المنظمة؛ حيث توجد
الأداة التي تتولى وضع القواعد
واستخدام السلطات في توقيع الجزاء
إزاء السلوك المخالف لهذه القواعد.
ولا
شك أن التقدم الرهيب في وسائل الاتصال
جعل الرقابة في أغلب الأحيان
بمدلولها التقليدي نظام لا فاعلية له.
والمفهوم التقليدي يقوم على أن
الرقابة ذات طبيعة نظامية؛ أي هيئة
مستقلة عن الجهاز الإعلامي تتبع
السلطة الحكومية وتتولى فحص موضوع
الرسالة وتقييمها، أو تحديد ما
يشاهده الناس ويسمعونه ويقرءونه،
وهذا النظام صار غير مجدٍ بسبب تقدم
أدوات الاتصال، مما جعل إمكانية
الضبط بهذا المعنى التقليدي عملية
تكاد تكون مستحيلة في كثير من
الأحيان، ومرهقة وخالقة للتعقيدات
أحيانا أخرى، وهي مستحيلة للإعلام
المسموع، وسيأتي يوم تستحيل للإعلام
المرئي أيضا.
إزاء
ذلك تظهر مفاهيم جديدة لظاهرة
الرقابة تبدو حذرة، ولكنها تثور
بثبات وصلابة. ومحور فكرة الرقابة
الآن الرقابة الذاتية؛ بمعنى الرقابة
المهنية، ورغم عدم وضوح الأصول
الأيديولوجية لها فإنها تدور حول ترك
الرقابة للمهنة التي ينتمي إليها رجل
الاتصال، وتمكين الرأي العام ليمارس
سلطة ودورًا وتأثيرًا قويًّا في
المقابل على السياسة الإعلامية
وأطرها العامة.
الرأي
العام والصراع العربي الإسرائيلي
لا
شك أن هناك حربا إعلامية تتوازى مع
الصراع العسكري على فلسطين، فصورة
الذات والتاريخ التي تحاول إسرائيل
ترويجها لخلق رأي عام متعاطف،
تقابلها صورة حقيقية تنقلها وسائل
الإعلام لزيف إدعاءات الديمقراطية
والشرعية الصهيونية.
من
جانبها تسعى إسرائيل لتطبيع العقل
العربي مع وجودها الاستيطاني، وإعادة
تطويع الشخصية الوطنية والقومية
والإسلامية عبر تغيير الطابع القومي
وغسيل المخ الجماعي. ويذكر الدكتور
حامد ربيع في نظريته عن "التسميم
السياسي" أن من أهم جوانب الوظيفة
الاتصالية للدولة العبرية ما يسمى
بإعادة تشكيل أو تطويع الطابع القومي
للشعوب العربية، وإزالة الفروق
والحدود لتصبح جزءا من شرق أوسط كبير
أو صغير، وفي الوقت ذاته تؤكد في
مشروعها السياسي على يهودية الدولة،
وترفض حتى أطروحات مواطنة متساوية
وصوت واحد لكل مواطن دون تمييز.
فالدعاية
للطابع القومي اليهودي تسير في أكثر
من اتجاه يعكس طبيعة التصور الحاكم
والقيادة السياسية للنموذج الصهيوني
الذي يسير عليه المجتمع الإسرائيلي،
وهو نموذج يتصف بالعنف والسلوك
الاستفزازي والصفات القيادية
والتعصب، والإيمان بوظيفة تاريخية.
وما نشاهده هذه الأيام في ممارسات
السياسة الخارجية للكيان الصهيوني
يؤكد ذلك.
الواقع
أن ذلك غدا معلنا بوضوح من قبل
الإدارة الأمريكية الحالية في
تعاملها مع المنطقة في السنوات
الثلاث الأخيرة على الأقل، وإن كان
يتم دون إعلان في أجزاء كثيرة من
العالم العربي والإسلامي دون ضجة أو
إعلان منذ قرابة ربع قرن على الأقل.
والخطاب السياسي للقيادة الأمريكية
هو خطاب يؤكد الحاجة إلى تغيير البناء
الثقافي والحضاري والعقدي للعرب،
وإعادة رسم خرائط المنطقة، وهو ليس
بمستغرب على عقلية استيطانية أمريكية
تدعم مشروعا استيطانيا صهيونيا
لأسباب عقدية وأيضا اقتصادية.
وإذا
كان التسميم السياسي الإسرائيلي
والأمريكي قد نجح في طبقات الحكام
وقطاعات من النخبة المثقفة، فلا بد أن
يوجد من يبرهن على أن الأمة العربية
والإسلامية عصية على التطويع، وأن من
يراهنون على اختفائها حضاريا سيفشل؛
بل سيكون عدوانهم محدثا رجفة ويقظة في
الجسد الذي استرخى وقد تكاثرت عليه
الطعان، وأن في قيادات الأمة
الثقافية والفكرية جنودًا في كتيبة
جيش التحرير الفكري.
**
أستاذ مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة القاهرة - مصر |